دير أبو مقار - أرشيفية
وانتهى هذا الصراع بين مدرسة أكاديمية علمية "الأب متى" ومدرسة شعبية انتصرت بالانتشار والوعظ العام "البابا شنودة"، وبدأ الاحتقان سماحة البابا تواضروس فور توليه الكرسى بعرض كتب المسكين، التى ظلت ممنوعة لعقود، وصولا بتكريمه فى احتفالية مئوية مدارس الأحد بمكتبة الإسكندرية 25 يوليو، الأمر الذى جعل تيار البابا شنودة يشعر بإهانة تاريخه البطريركى.

السم فى العسل
سادت حالة من الغضب بين المتشددين الأرثوذكس على إثر تكريم الأب متى المسكين فى احتفالية مئوية مدارس الأحد، التى عقدت بالقاعة الكبرى فى مكتبة الإسكندرية.
وأصدرت رابطة "أرثوذكسى متمسك"، بيانًا أعلنت فيه عن غضبها الشديد، وجاء فيه: "من يتابع احتفال الأمس وهو رائع جدا ومجهود خرافى واضح أنه بُذل فيه ولكن تخلل هذا الحفل البهيج الذى يشبه العسل قطرات من السم وضعت بعناية فائقة حتى لا يفطن إليها الجموع..فقد وضعت نقطة السم الأولى بينما يتحدث الاحتفال عن رواد وأبطال مدارس الأحد عبر التاريخ الحديث، وبينما يرتشف الجميع من السير العطرة، لهؤلاء الرواد وضع وسطهم نقطة السم الأولى، وهو أن يعلموا الشعب أن الراهب متى المسكين هو من جيل رواد مدارس الأحد، على خلاف ما قاله هذا الأب بالنص عن نفسه فى كتاب السيرة الذاتية، للقمص متى المسكين، صفحة 9 يقول نصا "لم أخدم فى مدارس الأحد بالرغم من صداقتى لجميع خدامها فى شبابى لأننى كنت أحس بعقم طريقتهم واصطناع الوسائل التعليمية فى الدين على نمط التعليم المدنى وهذا لا أزال أرفضه حتى اليوم".

هذا ما قاله الرجل عن نفسه بالنص فكيف إذا يكون من جيل رواد مدارس الأحد، أليس هذا هو سم تزييف الحقائق وتزوير التاريخ الكنسى الحديث فى أذهان الأطفال والشباب الذى لم يعاين هذه الفترة من التاريخ.
أما نقطة السم الثانية فكانت تخص الصورة المخالفة للقديسة العذراء مريم التى لا تقرها كنيستنا القبطية الأرثوذكسية، وضعت فى وسط صور ترانيم السيدة العذراء، وقد غاب عنها تفاصيل الصورة، التى رسمها يوحنا الرائى فى سفر الرؤيا لتميل إلى الصور، التى يضعها الفاتيكان لتزين كنائسه، وكأن مكتبتنا القبطية التى تحفل بآلاف الصور الطقسية للسيدة العذراء قد نضبت لنضع هذه الصورة المخالفة للتعليم الأرثوذكسى فى احتفال يتكلم عن مئوية التعليم الأرثوذكسى السليم، لمدارس الأحد.
وانتقد الأستاذ منير عطية، سكرتير الأنبا غريغوريوس، أسقف البحث العلمى والدراسات القبطية العليا، تجاهل الأنبا غريغوريوس فى الاحتفالية رغم دوره الكبير فى خدمة مدارس الأحد.
وللرد على المتشددين، قال مصدر كنسى، إن تكريم الأب متى المسكين لما قدمه من كتب مهمة أفادت الخدام بالكنائس فى كل مكان ودوره فى إنشاء بيت التكريس لخدمة الكرازة، ومن ناحية أخرى لقد ذكر وكرم الأنبا غريغوريوس وذكر اسمه بالفعل، ولكن الوقت لا يسمح بذكر كل التفاصيل، فلا يمكن بأى شكل تجاهل الأنبا غريغوريوس، الذى أثرى الكنيسة بمؤلفاته العقائدية.
أزمة مدارس الأحد
ومع ارتفاع وتيرة الهجوم على قداسة البابا تواضروس الثانى، بسبب تكريم الأب متى المسكين فى احتفالية مئوية مدارس الأحد أدلى المهندس فواد نجيب، رئس تحرير مجلة كتاب الحياة فى أمريكا، وأحد الشهود على خدمة الرعيل الأول لمدارس الأحد بالحقيقة حول دور الأب متى المسكين، فى خدمة مدارس الأحد، وقال: "أبونا متى كان يقود قيادات مدارس الأحد كلها، بيت التكريس بحلوان جمع فيه كل قيادات مدارس الأحد حيث كان معه أمناء مدارس الأحد من كل كنائس مصر، الدكتور رؤوف جرجس، وكان أمين مدارس أحد كنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا، وكانت فى ذلك الوقت أكبر مدارس أحد فى مصر، الدكتور رؤوف هو أبونا يوحنا المقارى ربنا يعطيه الصحة، وقبله كان الأستاذ صموئيل ناشد، أمين مدارس أحد كنيسة الأنبا أنطونيوس، وهو تلميذ أبونا متى الذى صار أبونا كيرلس المقارى الرب ينيح نفسه".

وتابع: "من بين تلاميذه فى بيت التكريس الدكتور نصحى عبد الشهيد وكان وقتها أمين مدارس أحد لكنائس الفجالة، وأيضا الأستاذ كمال حبيب، أمين مدارس أحد مارى مينا بشبرا، وهو الراحل الأنبا بيمن، والأستاذ يسرى لبيب، أبونا باسيليوس المقارى، كان بمدارس أحد كنيسة البطرسية، الأنبا روبس، وكان أيضا الدكتور جرجس عبد المسيح أمين مدارس أحد البطرسية، وكثيرون من قيادات مدارس الأحد، لست أذكرهم الآن وغيرهم من قيادات مدارس الأحد، التى لم تكرس فى بيت التكريس، الذين تتلمذوا على يد أبونا متى، ومنهم الدكتور وليم سليمان، والدكتور سليمان نسيم وغيرهم كثيرين".
وأضاف المهندس فواد نجيب والمعروف بأنه صديق لقداسة البابا تواضروس قائلا: "أبونا متى نفسه كان يعتبر من قيادات مدارس أحد الجيزة رغم أنه كان يعترض بشدة على الكثير من اتجاهاتهم التى تقوم على الشكلية والدبلوماسية والبحث عن الزعامة والتسلط وكان محقا تماما فيها، وهى الأمور التى ذكرها مرات فى كتاباته، ولم يكن أبونا متى وحده الذى يعترض على ذلك، بل كان هناك خلاف شديد فى الرأى على نفس الأمور بين مدارس أحد الجيزة، ومدارس أحد الأنبا أنطونيوس بشبرا حول نفس الأمور، وذلك لم يكن عداء كما يدعون بل رؤية روحية أمينة".
واستطرد: "أبونا متى بعد التخرج عندما ذهب لطنطا كانت له خدمة ذائعة الصيت لدرجة أن المطران طلب أن يرسمه قمصا مباشرة فرفض بشدة لأنه كان يريد الذهاب للدير، ولما ألح عليه اقترح على المطران رسامه صديقه وزميل الخدمة فى مدارس أحد الجيزة المهندس ظريف عبدالله، الذى كان يعمل مهندس رى فى دمنهور، وكان قبلا هو أمين الخدمة بمدارس أحد الجيزة، فقام المطران برسامته باسم القمص بولس بولس، بناء على طلب صديقة الدكتور يوسف إسكندر "أبونا متى" وهذا مذكور فى كتاب عن حياة القمص بولس بولس، وهو الذى كتب هذه القصة بنفسه، عندما كُلِّف أبونا متى المسكين للعمل وكيلا للبطريرك فى الإسكندرية، سرعان ما التفت حوله كل قيادات مدارس أحد الجيزة، وعندما أراد أن يرسم كهنة جدد استعان بزملاء الخدمة القدامى بالجيزة فرشحوا له اثنين من الخدام هما الأستاذ مليكة إسكندر، وهو من خدام مدارس أحد الجيزة، كان يعمل معيدا بكلية العلوم، وحاصل على درجة الماجستير ويعد الدكتوراه، وحاصل على دبلوم الكلية الإكليريكية، والمهندس زغلول عبده حنين مساعد مدير أعمال بالبلدية بالجيزة، وكان حاصلا على دبلوم معهد الخدمة الاجتماعية والكلية الإكليريكية".
واستكمل: "وتمت الرسامة يوم 25 يوليو عام 1954 حيث كلف البابا يوساب نيافة الأنبا ثيئوفيلوس، رئيس دير السريان، ليقوم بالرسامة بالنيابة عنه، وحضر الرسامة كل زملاء الخدمة السابقين بالجيزة، أبونا بولس بولس وأبونا مكارى السريانى وأبونا صليب سوريال وأبونا أنطونيوس أمين والكثير من العلمانيين، وعندى صورهم يوم الرسامة لمن يريد أن يطلع عليها، بينما كان شعب الإسكندرية فى حالة من الفرح الغامر، فمن يجسر أن يقول عن أبونا متى أنه لم يكن من مدارس الأحد وأنه كان ضد مدارس الأحد".
وفاة الأنبا إبيفانيوس
ووسط هذا التشاجر استيقظ المسيحيون على خبر وفاة الأنبا إبيفانيوس يوم الأحد 29 يوليو وفى البداية أعلن أن ذلك بسبب أزمة قلبية ثم أُعلنت الحقيقية بأن الأسقف قد قُتل، وهنا سادت حالة من الحزن الشديد فى الأوساط الكنيسة حزنا على الأنبا إبيفانيوس أسقف ورئيس دير أبو مقار.

وألقى قداسة البابا تواضروس الثانى، كلمة فى صلاة جنازة الأنبا إبيفانيوس أسقف ورئيس دير أبو مقار جاء فيها: "الأنبا إبيفانيوس هو الأسقف المضىء والمنير لكل من حوله رغم الألم الذى يعتصرنا جميعا ويعتصرنى شخصيا، إلا أنى أودعه على رجاء القيامة أمام هذا المصاب الجلل لا يهتز إيماننا بالله ضابط الكل، فالله ضابط الحياة وليس شيئا بعيدا عن هذا، نؤمن أن الله ضابط حياتنا بكل أشكالها، الميلاد والرحيل، ونؤمن أنه صانع الخيرات ويصنع الخير للجميع، الأبرار والأشرار، ونؤمن أنه محب للبشر، وحتى الخطاة فينا هو يحبهم إن كان لا يحب الخطيئة لكنه يحب الخاطيء حتى يتوب، الأنبا إبيفانيوس أخونا الحبيب الذى غادرنا فجأة نرى فيه نموذجا مشرقا وكوكبا مضيئا أضاء العالم من حياته نتعلم 3 صفات واضحة وداعة الحكمة وغزارة المعرفة وبساطة الحياة، وكان حتى فى صمته وديعا وفى آرائه ودعيا يطلب دائما السلامة، والتحفت وداعته بالحكمة، كان حكيما من خبرته ونعمة الله، كان حكيما عندما أطلب منه الحضور لبعض اللجان، وكان رأيه دائما صائبا، كنت أسترشد به دائما قبل أن أتخذ قرارًا، عندما اختاروه لى آباء الدير فى فبراير 2013 كان غزير المعرفة وهى كلمة بالحقيقية، لأنه كان عميق المعرفة، كنت أكلفه كثيرا بحضور بعض المؤتمرات، كلفته بأكثر من 20 مؤتمرا على مستوى العالم كان وجه مشرقا ومشرفا للكنيسة، وهذا ليس مديحا بل واقعا، وجعل المعرفة فى متناول كل أحد الأسقفية قامة روحية وعلمية ودراسية، وكان نموذجا لكل هذا أنتج من خلالها عدة كتب طقسية وكتابية وتحقيق بعض المخطوطات، وقلما نجد هذا النوع من الآباء، ورغم هذا كان يتمتع ببساطة الحياة فى سكنه وملبسه وطعامه، دائما يتخذ المتكئ الأخير والبساطة فى الإجابة هى عمق".
وأضاف: "لقد خسرناه بالحقيقة، كان نورا فى صورته ومثاله واسمه سيظل خالدا وطوبى لهذا الدير الذى أنجب هذه الشخصية، أنا أشهد أمام الله وأمامكم أن هذا النموذج كان طبيبا ناجحا وترهبن وبعد 30 عاما من رهبنته صار أسقفا وأسقفيته دامت 5 سنوات وعدة شهور، بالحقيقة ينطبق عليه أن الحياة بخار، يظهر قليلا ثم يضمحل، لذلك إذا لم نتعلم منه نخسر كثيرا، هذا المصاب ليس يسيرا لكننا نؤمن بالله وسوف يعيش فى ذاكرة الكنيسة وصار لنا شفيعا فى السماء".
وقال الأنبا دانيال، سكرتير المجمع المقدس: "أرجو من حضرتكم عدم استباق الأحداث ونشر الشائعات والتحقيقات ما زالت جارية".
كما أمر قداسة البابا تواضروس الرهبان بعدم الظهور الإعلامى، قائلا: "لقد متم عن العالم فلا تظهروا فى الإعلام"، وطالبهم بالمحافظة على الدير وحياتهم بكل أمانة.

تفاصيل الجريمة
وقال مصدر رهبانى فى دير القديس أبو مقار بوادى النطرون، لموقع "أقباط أمريكا"، إن الأنبا إبيفاينوس أسقف ورئيس الدير قتل بضربتين على الرأس بالناحية الشمال، تلقى الأولى ووقع على وجهه، ثم وجه القاتل الضربة الثانية فى نفس مكان الإصابة، ليقضى عليه تماما ولفظ أنفاسه قبل أن يصل العيادة الخارجية للمستشفى، ودارت الاتهامات حول عدد من الرهبان، حيث تم استبعاد العمل الإرهابى بالمنطق العقلى، لأنه إذا دخل إرهابى الدير لن يقتل فردًا بل سيطلق النار على الجميع أو يفجر نفسه.
وأصدرت اللجنة المختصة بالأديرة والرهبنة 12 قرارًا للجنة الرهبنة بالكنيسة القبطية، منها غلق مواقع التواصل الاجتماعى وعدم حضور حفلات الزفاف دون إذن ووقف قبول رهبان جدد لمدة عام.
وأعطت اللجنة الرهبان فرصة لمدة شهر لغلق أى صفحات أو حسابات على وسائل التواصل الاجتماعى والتخلى الطوعى عن هذه السلوكيات والتصرفات، التى لا تليق بالحياة الرهبانية وقبل اتخاذ الإجراءات الكنسية معهم، مناشدة جموع المسيحيين بعدم الدخول فى أى معاملات مادية أو مشروعات مع الرهبان أو الراهبات، وعدم تقديم أى تبرعات عينية أو مادية إلا من خلال رئاسة الدير، أو من ينوب عنهم، وقررت اللجنة تفعيل دليل الرهبنة، وإدارة الحياة الديرية، الذى صدر من المجمع المقدس فى يونيو 2013 وهى مسؤولية رئيس الدير ومساعديه.
وقد دارت التكهنات حول أسماء رهبان اتُهموا بارتكاب الجريمة، مثل أشعياء المقارى، وفلتاؤس المقارى، واليشع المقارى، وصدر قرار بتجريد أشعياء وراهب آخر، يدعى يعقوب بنى دير، بالمخالفة للكنيسة.

ونفت الكنيسة بيان التجريد ثم أعلنت تجريد أشعياء بالفعل، فيما أعلنت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اعتماد قداسة البابا تواضروس قرارا رسميا بتجريد الراهب أشعياء المقارى، من رهبنته وعودته لاسمه "وائل سعد تواضروس"، ثم أصدرت بيانًا آخر يقول إنه لا علاقة للتجريد بالتحقيقات الجارية فى مقتل الأنبا إبيفانيوس، ثم وصل الأمر إلى ذروته من جديد حين أعلن مصدر بدير أبو مقار عن محاولة الراهب فلتاؤس المقارى على الانتحار وهو حاليا فى مستشفى الأنجلو بالزمالك فى غرفة العناية المركزة يعانى من غيبوبة وفى حالة خطيرة.