سور برلين
فى تلك اللحظة التاريخية التى دشنت الانهيار الرمزى الأخير للحكم الشيوعى الشمولى للاتحاد السوفيتى السابق، كُتب اسم الولايات المتحدة الأمريكية براقًا كزعيم أوحد للعالم.
انتهت بانهيار السور حقبة الحرب الباردة، التى امتدت عقودًا، والأخطر أنه قد انتهى معها صراع الأفيال الكبيرة ليصبح الزعيم بلا عدو واضح يُفرغ فيه طاقته، ويصنع من خلف الصراع معه، ولو كان وهميًا، مصالح ومكاسب لا أول ولا آخر له، ويشغل أتباعه ومجاذيبه عن سقطاته وانحرافاته.

واشنطن ليست غبية سياسيًا فى كل الأحوال.. كانت تتحسب ليوم تنتصر فيه بالضربة القاضية على الاتحاد السوفيتى، من ثم كانت تجهز منذ خمسينيات القرن الماضى، العدو الاحتياطى.
بمجرد انهيار الاتحاد السوفيتى، كان من المُهم استدعاء معضلة الإسلاميين والجهاد العنيف من جانبهم إلى الواجهة.
دعاة التطرف والتشدد والإرهاب فى العالم العربى والإسلامى لبوا النداء، على الفور، بسذاجة مُفرطة.. واشنطن وجدت ضالتها التى أشعلت بها حروبًا، وقسمت بها دولًا، وأيقظت نعرات طائفية ومذهبية لا حصر لها، أما عن المكاسب من بترول وصفقات سلاح وفرص استثمارية طائلة، فحدث ولا حرج، وكله على حساب الدول الإسلامية والعربية.
كل ذلك بدأ جديًا وكخطوات عملية على الأرض فى اللحظة التى انهار فيها السور العازل.. فما هى قصته، ومتى تأسس وأصبح قائمًا؟
المفارقة أنه بحلول منتصف أغسطس الجارى تمر الذكرى الـ57 على تأسيس ذلك السور، الذى مثَّل انهياره بداية مرعبة لعالم عربى وإسلامى مشحون بالألغام والحرائق والاضطرابات.

الحكومة الألمانية أصدرت بيانًا رسميًا بتلك المناسبة تحكى فيه قصة السور، وقد حصل "مبتدا" على نسخة بالعربية والألمانية منه، إذ ننقل فى المساحة التالية أجزاءً حيوية منه، تروى سيرة مفعمة بالسجن والمرارة، ولما لا وقد دفعت أوروبا والعالم الغربى الثمن غاليًا لكل طوبة فيه على هيئة حرب باردة، بينما كل معول اصطدم به ليهدمه هوى مجددًا فوق رأس العالم العربى والإسلامى مصائب لا طائل له بها.
يصف البيان البدء فى بناء السور ليل 13/14 أغسطس 1961، بأن "كان يوم أسود بالنسبة لألمانيا: فقد تم فصل العائلات بين عشية وضحاها ودمرت الخطط الحياتية".
كثير من سكان برلين مازالوا نائمين عندما بدأ جنود الجيش الشعبى الوطنى وشرطة حدود ألمانيا الديمقراطية والشرطة الشعبية وما يسمى بالمجموعات القتالية، بإغلاق الشوارع والسكك الحديدية.
عمال البناء يقيمون حواجزًا من الأسلاك الشائكة على الحدود بين الشرق والغرب في برلين، ويتم عند الطرق المتصلة إزالة الأسفلت، ويتم منع حركة المرور بين الشرق والغرب.

وفق البيان، لم يمر سوى وقت قصير حتى دفع أوائل محاولى الهروب حياتهم ثمنًا لهذه المحاولة، فى 24 أغسطس 1961، أى بعد 11 يومًا من إغلاق الحدود، يحاول جونتر ليتفين السباحة عبر الميناء الشرقى إلى برلين الغربية بالقرب من شاريتيه، تم اكتشافه وإطلاق النار عليه من قِبل أفراد شرطة النقل.
تم تحويل حواجز الأسلاك الشائكة تدريجيًا إلى بناء منشأة حدودية مسلحة تسليحًا قويًا، يبلغ طولها حوالى 43.1 كيلومتر فى برلين وحولها، أراد رؤساء ألمانيا الشرقية من خلال السور أن يمنعوا فرار المزيد من الناس من ألمانيا الشرقية نحو الغرب.
يقول البيان أيضًا: "لقد حققت قيادة ألمانيا الديمقراطية هدفها فى وقف هروب أعداد هائلة من الهاربين، غير أن تَوْق الناس إلى الحرية ظل باقيًا، رغم الأسلاك الشائكة والألغام والأمر بإطلاق النار، حاول الناس مرارًا وتكراراً التغلب على السور والحدود الألمانية الألمانية، وحتى العقوبات بالسجن لمدة طويلة التى كانت تهدد من يحاولون الهروب خارج الدولة لم تستطع منع الناس".
وتابع: "تمكن أكثر من 40 ألف مواطن ألمانى من الهرب عبر السور أو الحدود الألمانية الألمانية، 327 من الرجال والنساء دفعوا حياتهم ثمنًا لمحاولة الهرب، إذ قُتِل ما لا يقل عن 139 شخصًا بجوار سور برلين.

حدثت آخر عمليات القتل بجوار سور برلين فى 5 فبراير 1989، قبل 9 أشهر من سقوط سور برلين، أنهت الثورة السلمية وسقوط سور برلين فى 9 نوفمبر 1989، هذا الفصل المُحزن من التاريخ الألمانى بعد 28 سنة.
هكذا انتهى الفصل المحزن لألمانيا والعالم الغربى والحرب الباردة، لتنفجر سنوات الجحيم فى وجه الشرق الأوسط العربى الإسلامى.