البث المباشر الراديو 9090
قاعدة إنجرليك
رغم وجودها على الخريطة التركية، إلا أنها تبقى كلمة ممنوعة من التداول، فـ"إنجرليك" أو"شجرة التين" حسب ترجمتها من التركية هى القاعدة التى كانت على مدار عقود طويلة رمزا للتحالف التركى الأمريكى، إلا أن المسألة بدأت تأخذ أبعادًا مغايرة فى السنوات الأخيرة.

قاعدة "إنجرليك" هى واحدة من أكبر القواعد الجوية العسكرية الأمريكية بمنطقة الشرق الأوسط، إذ تحتوى على أحد أطول مدرجات الطائرات فى العالم، وفيها مدرجان لهبوط الطائرات وإقلاعها.

كما أن القاعدة هى مقر السرب العاشر التابع لقيادة القوة الجوية التركية الثانية، وهى مقر للسرب الـ 39 للقوة الجوية الأمريكية.

تصعيد سياسى وتأزم:

ورغم التصعيد المتواصل بين أنقرة وواشنطن بسبب احتجاز تركيا للقس الأمريكى أندرو برانسون، وفرض عقوبات أمريكية على تركيا، لاسيما الاقتصادية منها، والرد التركى عليها برسوم مرتفعة على المنتجات الأمريكية، وبرغم حرب بين البلدين لا ينقصها إلا السلاح وضرب النار، إلا أن أحدًا لم يتطرق إلى ذكر "إنجرليك"!

كل هذا ولم يجرؤ أردوغان على النطق بكلمة "إنجرليك" أو الإشارة هذه المرة إلى أى تهديد بإغلاق القاعدة الأمريكية فى تركيا، بالرغم من أنه ابتز الولايات المتحدة عبر هذه القاعدة مرارًا وتكرارًا.

ويشير المراقبون إلى أن أردوغان وحكومته حريصون تمامًا على عدم ذكر كلمة إنجرليك أو الاقتراب من مسألة القاعدة التركية بأى ذكر فى وسائل الإعلام، على عكس ما أشيع عن نية تركيا إغلاق القاعدة، فالرئيس التركى رجب طيب أردوغان يعلم تمامًا أن التخلى عن إنجرليك فى مثل هذه الظروف السائدة فى الشرق الأوسط يعنى انتهاء التحالف الأمريكى التركى وإلى الأبد.

ويؤدى انتهاء هذا التحالف ـ إن حدث ـ إلى تغييرات جذرية شاملة فى الشرق الأوسط.

إنجرليك.. تحالف أمريكى تركى يهدده الغرور:

وتوجد القاعدة إنجرليك فى منطقة أضنة فى جنوب تركيا، بما يُسهّل المهام أمام الطائرات التى تقلع منها، فهى قريبة من روسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، كما أنها لا تبعد سوى 150 كم عن الحدود السورية، ونحو 30 كم من البحر الأبيض المتوسط.

واعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية على قاعدة إنجرليك الجوية، جنوب تركيا، لأكثر من 50 عامًا واستخدمتها كثيرًا على أساس تواجدها فى منطقة مستقرة ودولة صديقة لواشنطن، إلا أنه مع تغير هذا الواقع وتحول مسارات العلاقات الأمريكية التركية، أصبح لزامًا على الجيش الأمريكى التكيّف مع الظروف الجديدة والمتغيرة، وربما البحث عن بدائل مناسبة حسبما أشارت مواقع غربية متخصصة.

ولطالما كان لدى أنقرة تصور سائد وخاطئ بأن الولايات المتحدة تحتاج إليها وليس العكس، وربما كان هذا هو السر وراء مساعى تركيا لاستغلال الأمور ورغبتها فى الاستفادة من دورها الجيوستراتيجى، على اعتبار أنها جارة لسوريا التى مزقتها الحرب من جهة، وكدولة مضيفة للأصول الأمريكية فى قاعدة إنجرليك الجوية من جهة أخرى، ومن هذا المنطلق مارست أنقرة ابتزازًا وضغوطًا على الولايات المتحدة.

وفى أعقاب المحاولة الانقلابية المزعومة، وجهت تركيا اللوم لحليفتها واشنطن علانية، وطالبتها بتسليم رجل الدين التركى فتح الله جولن، المقيم فى ولاية بنسلفانيا الأمريكية، على اعتبار اتهامات بلاده له بأنه العقل المدبر وراء المحاولة الانقلابية المزعومة.

عنترية تركية وابتزاز عالمى:

عند أية خلافات بسيطة أو تافهة تبدأ تركيا فى تهديد بعنترية مبالغ فيها، وتعلن بغطرسة أنها ستغلق قاعدة إنجرليك الجوية الأمريكية الشهيرة، ويتحول الابتزاز التركى بإغلاق إنجرليك إلى قضية قومية، وكأن القاعدة أنشأت بدون علم وترتيب مع أنقرة، فيبدأ الحديث عن التهديدات بإغلاق القاعدة بدءًا من رئيس الجمهورية وحتى سائق التاكسى، وعلى مدار الساعة، إلا أن هذه المرة بالتحديد باتت مختلفة لدرجة جعلت أردوغان وحاشيته يبتلعون ألسنتهم فجأة!!

التهديد التركى لأمريكا عند الخلافات بإغلاق إنجرليك فى كل مرة كانت تبدأ من الجهات الرسمية أولًا، ومن ثم تنتشر وتملأ صفحات الجرائد لتصبح الموضوع الرئيسى فى الأخبار وفى الراديو والتلفزيونات، لاسيما البرامج الحوارية والمقابلات التلفزيونية والنقل المباشر من الشارع التركى ومحاضرات ونقاشات لا نهاية لها.

ويبدو أن الخرس التركى هذه المرة يُعزى بالأساس إلى تسريبات جادة حول نوايا أمريكية باستبدال تركيا كمكان لقواعدها، إضافة إلى ما تردد فى الأوساط السياسية الأمريكية والغربية حول أن الإدارة الأمريكية تدرس سبل طرد تركيا من الناتو، وهنا أصبحت تركيا تخشى من أن تتخلى أمريكا حقيقة عن إنجرليك.

تحدى أنقرة للإدارة الأمريكية:

فى الآونة الأخيرة، بدأت أنقرة مساعٍ نحو تحسين تعاونها العسكرى مع روسيا الاتحادية، كما دعمت داعش الإرهابى فى محاولة للدفع بالميليشيات الإرهابية للقضاء على الوحدات الكردية المدعومة أمريكيًا، علاوة على استهداف الوحدات الكردية بالضربات الجوية، وهى أمور فى مجملها تمثل عداءً واضحًا للإدارة الأمريكية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد اتجهت تركيا إلى خلق المشاكل مع بغداد حول مدينة الموصل، وبدت الحكومة التركية تتصرف دون أى خوف من الاستهجان والانتقادات الموجهة لها غربيًا، وانخرطت فى حملة واسعة ضد الصحافة وحرية التعبير، ومضى أردوغان فى الاستئثار بالسلطة "سلطة الرجل الأوحد"، وقمع واضح لمعارضيه، فى ظل الاعتقاد بأن أهمية أنقرة كشريك للولايات المتحدة لن تتعرضها للانتقادات.

أصوات أمريكية تطالب باستبدال الحليف التركى:

هنا بدأت الأصوات تتصاعد بجدية داخل أمريكا مؤكدة أنه حان الوقت لإنهاء وتغيير ذلك، وجاءت مقالة رأى متخصصة بأمور الدفاع العسكرى تؤكد على هذا السياق، ودعا أعضاء الفريق المتخصص بالشأن التركى من مركز سياسات الحزبين "BPC" والجنرال المتقاعد تشارلز وولد، المسؤولين الأمريكيين إلى البحث عن بدائل لقاعدة إنجرليك الجوية فى تركيا، إذ كتب الجنرال قائلاً: "مع تركيا التى تصبح أقل استقرارًا وتتراجع صداقتها مع واشنطن، فإن الوسيلة الأفضل لضمان استمرار الوصول إلى قاعدة عسكرية جوية كبيرة وذات موقع جيد، تكون عن طريق التحضير لها دون أنقرة".

ويبدو أن الفريق الأمريكى كان جادًا، إذ طرحوا خارطة بالبدائل المحتملة لقاعدة إنجرليك الواقعة جنوب تركيا، وتستضيف إنجرليك حاليًا العديد من المعدات العسكرية والطائرات الأمريكية المهمة فى الحرب ضد تنظيم "داعش" ـ وهى الحرب التى رفضت تركيا المشاركة فيها بالمناسبة ـ ويتواجد فى القاعدة 550 عسكريًا أمريكيًا، وطائرات من أنواع متعددة أهمها A-10، و KC-135 الخاصة بتزويد الوقود فى الجو، كما أن ما يعادل نسبة 33% من عمليات تزويد الطائرات بالوقود يتم إطلاقها من قاعدة إنجرليك، إضافة إلى ما يقارب 30% من مهمات المساعدة الجوية للمسافات القريبة.

مركز "BPC" الأمريكى يطرح بدائل إنجرليك:

كما أن عمليات الطائرات بدون الطيار تُنَفَذ من نفس القاعدة، وتظهر الخارطة التى طرحها مركز سياسات الحزبين "BPC" العديد من القواعد الجوية والتى يمكن أن تلعب دورًا مماثلًا لإنجرليك، ولكن بزيادة طفيفة فقط فى التكاليف.

يمكن للولايات المتحدة استخدام طائرات "A-10" وغيرها من الأنواع المستخدمة حاليًا ضد "داعش" والقيام بتزويدها بالوقود فى منتصف الرحلة انطلاقًا من قواعد جوية فى الأردن أو قبرص، وعلى المدى البعيد، قواعد أخرى بعيدة يمكن أن تعمل بشكل مماثل إن لم يكن أكثر ملائمة فى حال ما واجهت واشنطن أزمات مستقبلية عبر الشرق الأوسط، حسبما أكد خبراء المركز الأمريكى "BPC".

مسؤول روسى يكشف مفاجأة عن إنجرليك:

وفجّر زعيم الحزب الليبرالى الديمقراطى الروسى، فلاديمير جيرينوفسكى، مفاجأة قائلًا إن القاعدة الجوية "إنجيرليك" فى جنوب تركيا قد تغلق للناتو وتسلم إلى روسيا.

وخلال حضوره مراسم تنصيب الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، فى أنقرة بدعوة شخصية من الرئيس التركى، قال جيرينوفسكى حينها نصًا: "على الأرجح، سيكون أردوغان رئيسًا لفترتين حتى عام 2028، وسوف تحقق تركيا قفزة كبيرة إلى الأمام، الشىء الرئيسى هو أن تركيا يجب أن تكون شريكًا لروسيا، يمكننا حمايتها من أى هجمات، وربما سيتم إغلاق إنجرليك، أمام حلف شمال الأطلسى وتسليمها إلينا".

طائرات التجسس الأمريكية فى إنجرليك تزعج روسيا:

تصريحات المسؤول الروسى ليست غريبة، فمصلحة روسيا أن تنتهى من كابوس طائرات التجسس الأمريكية التى لطالما انطلقت من قاعدة إنجرليك، فقد لعبت تلك القاعدة دورًا محوريًا وكبيرًا خلال الحرب الباردة، إذ كانت طائرات التجسس الأمريكية تنطلق منها لتحلق فوق أجواء الاتحاد السوفيتى السابق، وكانت تضم 150 رأسًا نوويًا نشرتها الولايات المتحدة فى القاعدة فيما تتحدث تقارير عن تخزين 50 رأسًا نوويًا فى القاعدة حاليًا.

كما لعبت القاعدة دورًا أساسيًا فى الجهد العسكرى الأمريكى فى الشرق الأوسط منذ أواسط القرن الماضى حتى الآن، ابتداءً من لبنان حتى الحرب الحالية على تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية "داعش".

وأشارت صحيفة "وول ستريت جورنال"، فى وقت سابق، إلى توقف العمليات العسكرية الأمريكية من قاعدة "إنجرليك"، معتبرةً أن السبب فى هذا هو تدهور العلاقات بين أنقرة وواشنطن، ووفقًا لمصدر للصحيفة فى القيادة العسكرية الأمريكية، فإنه قد يطلب من القوات الأمريكية بشكل نهائى مغادرة القاعدة العسكرية التركية.

تحذيرات سابقة.. أسلحة أنجرليك النووية فى يد إرهابيين:

الجدير بالذكر هنا أن مركز ستيمسون الأمريكى كان قد أصدر دراسة منذ 2016 يحذر فيها من خطر وقوع أسلحة نووية أمريكية فى قاعدة إنجرليك التركية فى قبضة إرهابيين.

وأشار التقرير إلى أن عشرات الأسلحة النووية الأمريكية المخزنة فى قاعدة إنجرليك الجوية فى تركيا على مقربة من الحدود السورية مهددة بالوقوع فى قبضة "إرهابيين أو قوات أخرى معادية"، ولم تكن هذه التحذيرات جديدة، إذ دأب الخبراء يحذرون من أمور تتعلق بأمن هذه الترسانة المؤلفة من نحو خمسين سلاحًا نوويًا، والمخزنة على مسافة 110 كم من سوريا.

وضع سياسى غير مستقر داخل تركيا:

كان الوضع السياسى الغير مستقر داخل تركيا ينذر بإمكانية تحقق تلك المخاوف، وكتب مركز ستيمسون، مجموعة الدراسات غير السياسية، فى تقريره: "من المستحيل معرفة ما إذا كانت الولايات المتحدة تمكنت من الاحتفاظ بالسيطرة على الأسلحة لو اندلعت حرب أهلية مطولة فى تركيا".

ولم تكن هذه المخاوف عبثية، فبالرغم من امتناع البنتاجون عن التعليق على هذا التقرير، إلا أنه أسرع فى مارس 2017 بإجلاء عائلات العسكريين والموظفين المدنيين الموجودين فى جنوب تركيا بسبب مخاوف أمنية، وتمّ توقيف القائد التركى للقاعدة على غرار مئات الجنرالات والقضاة والمدعين ممن شملتهم حملة التطهير التى نفذتها سلطات أنقرة بتهمة دعم محاولة الانقلاب المزعوم.

وفى تصريحاتٍ نقلتها وكالة "فرانس برس"، قالت لايسى هيلى، وهى أحد الخبراء الذين ساهموا فى تقرير ستيمسون، إنه "من وجهة نظر أمنية، إن تخزين ما يقارب خمسين قطعة سلاح نووى أمريكى فى قاعدة إنجرليك الجوية هو بمثابة مجازفة".

تركيا ترفض استخدام إنجرليك لضرب داعش:

كان المثير للدهشة فعلًا هو أن تركيا رفضت بشكل قاطع استخدام القاعدة فى الحرب على تنظيم داعش الإرهابى من قبل الولايات المتحدة، وكأنها تعلن للعالم كله أن داعش جزء لا يتجزأ من أنقرة، مما أجبر الجيش الأمريكى على اللجوء الى استخدام قواعده فى دول الخليج أو حاملات الطائرات، وهذا ما كان يحد من قدرة الطيران على تقديم الدعم الجوى المباشر للقوات التى تقاتل التنظيم فى العراق وسوريا.

وبعد مفاوضات ومساومات طويلة بين أنقرة وواشنطن، وافقت أنقرة أواسط 2015 على السماح للطائرات الأمريكية المقاتلة بالانطلاق من هذه القاعدة التى لا تبعد كثيرا عن ساحة المعركة فى سوريا لشن ضربات على مواقع التنظيم وتقديم الدعم الجوى لقوات "سوريا الديمقراطية" المدعومة أمريكيًا، ولا مانع إذا كانت أنقرة رتبت أوراقها ومجموعاتها الإرهابية على الأرض، بحيث تحول بين الضربات الأمريكية وبين المجموعات الإرهابية بمعلومات استباقية تسوقها لأعضاء التنظيم الإرهابى.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز