الليرة التركية
يبدو أن الحالة العامة فى تركيا انطبعت على مواقع التواصل الاجتماعى، التى شهدت سجالًا واسع النطاق، بعدما وجه المواطنون الأتراك سؤالًا ممزوجًا بالسخرية لرئيس جمهوريتهم رجب طيب أردوغان، مُتسائلين: "ماذا أعددت لنا من مفاجآت الليرة بعد العطلة؟!".

مخاوف انهيار الليرة.. أسئلة استفزازية
وتسيطر مخاوف انهيار الليرة المتكرر على الأسواق التركية، إذ عادت العملة التركية للانخفاض فى المعاملات المصرفية الدولية، بانخفاض تجاوز 1%، إثر تصريحات المتحدث باسم الرئاسة التركية، التى رد فيها على مستشار الأمن القومى الأمريكى، جون بولتون، مُعبرًا عن رفض أنقرة تدخل واشنطن فى الشؤون الداخلية لتركيا، ما أتى بأثار عكسية على العملة التركية، التى انهارت جراء المخاوف من توتر واضح فى العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة.

اقتصاديون: ركود اقتصادى قاسٍ فى انتظار تركيا
وتوقع مراقبون اقتصاديون أن تشهد تركيا فترة ركود اقتصادى قاسٍ، غير قصير الآمد، مرجعين أسباب ذلك إلى تقلبات عملتها المحلية وتراجع معدلات الاستثمار بالدرجة الأولى، إضافة إلى عوامل أخرى كالاستهلاك وغياب الإصلاحات الهيكلية، وإصرار أردوغان على التعالى على الأزمة التى تعيشها بلاده، لا سيما وأنها واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية فى تاريخ أنقرة الحديث، ومن ثم رفضه اتخاذ ما يلزم من إجراءات لمداوة الأثر السيىء للانهيار الاقتصادى الذى تشهده بلاده.

فشل مساعى صهر أردوغان
يبدو أن مساعى ومحاولات بيرات ألبيراك، صهر أردوغان، الذى كان قد عيّنه وزيرًا للخزانة والمالية معًا، قد باءت جميعها بالفشل فى إقناع المستثمرين بأن إدارة صهره تسيطر تمامًا على المشكلة، بالرغم من أنه أعلن مرارًا بأنه سيتم ضبط ميزانية البلاد، إلا أنه فى الحقيقة أخفق بتقديم شرح لما سيتم عمله فى هذا الصدد.
وعقب الكاتب أرجون باباهان: "إن المبدأ الذى تدار به الميزانية فى تركيا اليوم يتلخص فى كلمتين لا ثالث لهما: لا فعل".
فى سياق متصل، انتقد الباحث بمركز يوروآسيا ضمن مجلس الأطلسى، ديميتار بيشيف، الساسة فى أنقرة كونهم ينحون باللائمة على رؤوس الأموال الأجنبية فى المتاعب التى تعانيها تركيا، مُتناسين أن اقتصاد بلادهم كان من أكبر المستفيدين من العولمة خلال العقود الماضية، مُدللًا على ذلك بحقبة رئيس الوزراء تورغوت أوزال "1983ــ1989"، ولاحقًا رئيسًا للجمهورية "1989ــ1993"، التى شهدت فى الثمانينات وأوائل تسعينات القرن الماضى نموًا قويًا بدعمٍ من إصلاحات التحرير.

حكومة أردوغان ضيعت مكاسب الدعم الأوروبى
فى العقد الأول من الألفية الجديدة، تألق نجم تركيا التى ورثت الإمبراطورية العثمانية بفضل دعم الاتحاد الأوروبى لقطاعه المصرى، وبعد ركود عامى 2008 و2009، تعافى الاقتصاد مجددًا بفضل إعادة توجيه التدفقات المالية من الغرب إلى الاقتصادات الناشئة.

حكم الرجل الأوحد أضاع المكاسب الاقتصادية
كان فى إمكان الاقتصاد التركى أن يستمر فى حالة الدفع هذه، شريطة حفاظ حكومة أردوغان، آنذاك، على المؤسسات والمجالس المالية والنقدية المستقلة التى أنشأها الاقتصادى البارز كمال درويش، نائب رئيس الوزراء فى حكومة بولنت إغيفيت الائتلافية "1998ــ2002"، فى أعقاب أزمته المالية عام 2001، لكن الحاصل هو العكس، إذ قام أردوغان بنزع استقلالية هذه المؤسسات، ولجأ إلى إغلاق بعضها.
هنا قدّم ديميتار بيشيف، مقارنة بين الرئيس التركى ونظيره الروسى فلاديمير بوتين، فرغم أوجه التشابه العديدة بينهما إلا أن هناك أمرًا واحدًا ربما يميز بين الرجلين، وهو أن سيد الكرملين قد ترك السياسة النقدية والسياسات المتعلقة بالاقتصاد الكلى فى أيدى التكنوقراط، أما أردوغان فبدا على النقيض تمامًا، بسيطرته على البنك المركزى نتيجة ولعه بالسياسات المالية الميسرة، إضافة إلى كراهيته الشديدة لأسعار الفائدة.
فيما يتفق الخبراء على أن تركيا بحاجة لرفع أسعار الفائدة، واتخاذ إجراءات لتحقيق التوازن المفقود فى ميزان المدفوعات وتقليص نفقات الهيئات العامة من أجل سد العجز فى الموازنة.