قصف سوريا
وتصب كل الاحتمالات إلى سيناريو مشابه لما حدث فى 14 أبريل 2018، حينما قامت الدول الثلاث "الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا" بقصف مواقع عسكرية على الأراضى السورية، ولم تتمكن روسيا من الرد على هذه الضربات، لأسباب كثيرة أوردها الإعلام الروسى آنذاك، ومن ضمنها ضبط النفس، ووجود اتفاقات بين موسكو وواشنطن على التنسيق لتفادى المواجهات المباشرة.
الضربات المتوقعة حاليا تكاد تختلف كثيرا عن الضربات السابقة، نظرًا لتغير الكثير من الظروف، وتغير موازين القوى، وحدوث تحولات جدية فى العلاقات بين موسكو وواشنطن، وبين الأخيرة وكل من طهران وأنقرة.
والسيناريو الذى يطرحه الروس يدور حول أن الغرب يحَضِّر لـ"مسرحية" كيميائية، سيستخدمها للانقضاض على سوريا، ويقوم بإسقاط النظام، وهذا السيناريو يعتمد على تصريحات وتحذيرات زعماء غربيين بأنهم لن يسمحوا باستخدام أسلحة كيماوية حال اقتحمت القوات الحكومية السورية إدلب.
روسيا تقود حملة إعلامية واسعة النطاق تتضمن تفاصيل الضربات الغربية والسيناريوهات الكاملة لها، وكأن ممثلو موسكو كانوا يشاركون فى الإعداد لها مع العسكريين الغربيين.

وفى الوقت نفسه، تبذل موسكو قصارى جهودها فى المحافل الدبلوماسية لمنع هذه الضربات، أو على الأقل تأجيلها لما بعد شهر سبتمبر الذى سيشهد العديد من اللقاءات السياسية والدبلوماسية حول سوريا.
غير أن القوات التابعة لبشار الأسد، ووفق التصريحات الرسمية الحكومية، بدأت بمعارك أولية فى ريف إدلب "لتطهيرها من المنظمات والجماعات الإرهابية".
وانطلاقا من هذه "التصريحات"، تتحرك وسائل الإعلام الروسية والسورية بحملة واسعة، مفادها أن القوات الحكومية السورية، بدعم من القوات الروسية، تحارب الإرهاب، بينما دول الغرب تعيق ذلك، بل وتسعى أيضا لإسقاط النظام، ما يدل على أن الغرب يدعم الإرهاب والجماعات الإرهابية.
إن الحملات الإعلامية والبروباجندا المتبادَلَة بين روسيا والغرب تزيد من خلط الأوراق، وتساهم فى المزيد من ضبابية المشهد الميدانى الحقيقى فى سوريا، ومع ذلك، فأحداث وتصريحات اليومين الأخيرين قد تساعد على رؤية المشهد، أو على الأقل بعض جوانبه المهمة فى ظل وضع هش للغاية قد يتحول إلى حرب حقيقية، رغم كل ما التزمت به روسيا والولايات المتحدة من ضبط النفس وعدم المواجهة العسكرية المباشرة خلال السنوات الثلاث الأخيرة فى سوريا.

فى هذا السياق تحديدا، يبدو أن الولايات المتحدة أبلغت روسيا بطريقة ما أو ألمحت لها بأنها ستوجه ضربات مع حلفائها لمواقع معينة فى سوريا فى حال استخدمت قوات الأسد أسلحة كيميائية أثناء عملياتها فى إدلب.
ومن المرجح أن يكون ذلك قد حدث بالفعل خلال مباحثات سكرتير مجلس الأمن القومى الروسى نيكولاى باتروشيف مع مستشار الرئيس الأمريكى للأمن القومى جون بولتون فى سويسرا.
ولكن الكرملين أعلن، فى 28 أغسطس، أنه لا يستطيع تأكيد المعلومات عن أن واشنطن حذرت من ضربة عسكرية ممكنة على سوريا فى حال استخدام السلاح الكيميائى.
وقال المتحدث الرسمى باسم الكرملين دميترى بيسكوف إنه "لا يستطيع تأكيد المعلومات عن أن مستشار الأمن القومى الأمريكى جون بولتون، قد حذر رئيس مجلس الأمن الروسى نيكولاى باتروشيف من ضربة محتملة على سوريا فى حال وقوع هجوم كيميائى".
الخطير هنا أن الكرملين أكد على بند فى غاية الأهمية فى لقاء باتروشيف – بولتون، وهو أن موسكو لم تبحث مع الجانب الأمريكى قضية ردع إيران فى سوريا. وذلك ردا على تصريح بولتون بـ"وجود مصلحة مشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا فى كبح النفوذ الإيرانى فى سوريا"، ولكنه لم يستطع أن يؤكد، أو حتى ينفى، وجود تحذيرات أمريكية بشأن ضرب سوريا.

قد يتَفَهَّم الخبراء والباحثون إصرار الكرملين على نفى أى مشاركات لروسيا فى تقليص نفوذ إيران فى سوريا، لأن هذا الموضوع يشكل خطورة غير عادية على العلاقات بين موسكو وطهران، ويمكنه أن يفجر كل العلاقات بينهما تقريبا.
ومن جهة أخرى، فروسيا بحاجة ماسة لإيران، سواء فى الوضع السورى أو فى منطقة الخليج والشرق الأوسط، ولا يمكنها أن تتخلى عن الورقة الإيرانية بدون مقابل حقيقى وواقعى ومضمون.
أما ما يخص تحذيرات بولتون لباتروشيف فى سويسرا بشأن ضرب سوريا، فلا يمكن لموسكو أن تؤكد ذلك أو تنفيه، لأنه سيسفر عن فقدان ثقة تام ليس فقط من جانب طهران ودمشق، بل ومن جانب أنقرة، حيث يسعى الرئيس التركى رجب طيب أردوغان إلى ضمان القطيعة الكاملة بين موسكو وواشنطن، كشرط لبقائه فى "تحالف هش" مع روسيا.
والمعروف أن موقف روسيا إزاء الضربات الأمريكية – البريطانية – الفرنسية فى 14 أبريل الماضى كان مثيرا للكثير من التساؤلات، وتحديدا فى ما يتعلق بأن الولايات المتحدة أخبرتها مسبقا بهذه الضربات.

الأمر الآخر المهم فى هذا المقام، هو أن إسرائيل تقوم بين الحين والآخر بتوجيه ضربات لمواقع على الأراضى السورية، ومن المعروف أيضا أن تل أبيب تخبر موسكو مسبقا بهذه الضربات، الأمر الذى يثير غضب طهران ودمشق.
لكن فى حقيقة الأمر، لا تستطيع روسيا أن تدخل حربا مع الولايات المتحدة وإسرائيل على الأراضى السورية لأسباب كثيرة تتعلق بروسيا نفسها، كما أن هناك اتفاقيات بين موسكو وواشنطن وتل أبيب على تفادى المخاطر فى الأجواء السورية وعدم تعرض الأهداف الطائرة لبعضها البعض، ما يعنى أن كل طرف حر فى نشاطاته العسكرية فى سوريا، بشرط أن لا نضر بقوات بعضنا البعض.
فى 28 أغسطس، وفى خضم الحديث عن الضربات الغربية المحتملة لسوريا، قال وزير الدفاع الأمريكى جيمس ماتيس، فى مؤتمر صحفى واسع فى البنتاجون: إن هدفنا يتمثل بتحويل سير الأزمة السورية إلى إطار عملية جنيف ليكون بإمكان الشعب السورى أن يختار بنفسه حكومة لا يقودها بشار الأسد"، وأعلن عن ثلاثة بنود مهمة:
- أولا: "يجب علينا القضاء على داعش، ومن الضرورى أن نكون على يقين بأن التنظيم تم تدميره بشكل كامل".
- ثانيا: "علينا أن نعد قوات مسلحة محلية، ونقوم بتدريبات خاصة من أجل ذلك".
- ثالثا: "ضرورة تفعيل عملية جنيف المعترف بها من قبل الأمم المتحدة والتى ستضمن تقدم مسار تسوية هذه الحرب الأهلية".

وأنهى ماتيس كلامه بقوله: "إذا تمكن السكان المحليون من ضمان أمنهم فسيكون بإمكاننا البدء بتخفيض عدد قواتنا بالتوافق مع القدرة على التصدى لداعش، لكن هذا الأمر يتوقف حقًا على سير عملية إيجاد حل للمشكلة التى أثارها الأسد".
غير أن التصريحات الأكثر أهمية وخطورة، فهى التى تتعلق بإيران، حيث جدد ماتيس مطالبة الولايات المتحدة بانسحاب القوات الإيرانية من سوريا، مشددا على أن وجود إيران العسكرى فى هذه الدولة لا مبرر له.
وقال: "يجب بالدرجة الأولى النظر فى قضية أنشطتهم (أنشطة الإيرانيين) فى سوريا ودعمهم للشخص الذى يبث الفوضى ويقتل شعبه، لا أساس لوجودهم هناك".
ودعا روسيا لاستخدام تأثيرها على إيران لكى تسحب قواتها من سوريا، مضيفًا أنه تم إبلاغ إيران بأننا لن نتسامح مع استمرار نشر المشاكل فى المنطقة برمتها سواء ما يفعلونه مع الأسد أو تهديداتهم بإغلاق مضيق هرمز أو دعمهم للمتمردين الحوثيين فى اليمن الذين يطلقون الصواريخ على السعودية"، مشددًا فى الوقت نفسه على أن إيران لا تزال العامل الأقوى لزعزعة الاستقرار فى المنطقة، وأنها ستتحمل المسؤولية عن ذلك.
هذه التصريحات الواضحة والمباشرة والمترافقة فى مثل هذا الظرف الحالى تحمل فى طياتها العديد من الدلالات السياسية والعسكرية التى تنطلق من إصرار غير مسبوق من جانب الولايات المتحدة وحلفائها على حسم جزء غير بسيط من المعادلة السورية، وهو ما سنعود إليه بعد استعراض إمكانية الردود العسكرية الروسية على أى ضربات متوقعة من جانب الولايات المتحدة وحلفائها لمواقع وقوات فى سوريا.

وسائل الإعلام الروسية تقود حملات إعلامية وسياسية غير مسبوقة، بل وتتجاوز مثيلاتها فى الاتحاد السوفيتى السابق، والأمر لا يتعلق ببثها ونشرها تصريحات الساسة والعسكريين الروس أو على تحليلات رصينة لخبراء ومطبوعات ومنشورات عقلانية، وإنما يتجاوز ذلك باللجوء إلى رسم سيناريوهات تستند إلى مصادر وهمية أو "مغيَّبة" وتشويه تصريحات أخرى، وقراءات غير دقيقة لتصريحات ومواقف، وإضافة جمل وعبارات لتصريحات مسؤولين حاليين أو سابقين.
لقد خرج الإعلام الروسى ليؤكد أنه وفقًا لأحدث المعلومات الصادرة عن مصادر روسية، هذه المرة تعد موسكو لمجموعة كبيرة من المفاجآت للرد على الاستفزازات الأمريكية، فيوجد فى الوقت الحالى، فى شرق البحر الأبيض المتوسط 14 سفينة وغواصتين تعملان بالديزل والكهرباء بى-268 "فيليكى نوفجورود " و بى- 271 "كولبينو" من مشروع 636.3 "فارشافيانكا"، وأرسلت مجموعة هجومية من السفن إلى سوريا"
وذهبت وسائل الإعلام الروسية إلى أن كل السفن والغواصات الروسية، جنبا إلى جنب مع الطائرات المضادة للسفن "إيل-38 إن" قادرة على بناء "درع مضاد" من شرق البحر إلى الجزء الأوسط فى البحر الأبيض المتوسط، وهذا سيكشف عن الغواصات البريطانية والأمريكية على بعد 800-1200 كم عن المنشآت العسكرية السورية".
وعلى الرغم من أن الحكومة الروسية والكرملين والخارجية أعلنوا عن سبب عدم اشتباكهم مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أثناء قصف 14 أبريل، إلا أن وسائل الإعلام الروسية ذهبت إلى أبعد من ما يصوره أى تحليل عسكرى.
فهى ترى أنه حين وقع سيناريو أبريل لم يكن هناك مجموعة قوية كالتى توجد الآن، وكذلك الطراد الصاروخى "مارشال أوستينوف" سيؤمن منطقة حظر جوى فى منطقة طرطوس وقاعدة حميميم بوسائل الدفاع الجوى إس-300 إف "فورت" أو سيعرقل مسار الصواريخ المحتملة التى تمر عبر المجال الجوى اللبنانى".

ومن أجل اكتمال "السيناريو العسكرى الجبار"، ذهبت التحليلات الإعلامية العسكرية إلى أنه "توجد مفاجأة أخرى تكمن فى وصول طائرة النقل العسكرى مجهولة الطراز "إيل-76" أو"أن-124" التى رصدها السكان المحليون منذ عدة أيام، وما زال مجهولا ماذا نقلت هذه الطائرة حتى الآن، ربما روسيا ستشكل مجموعة للدفاع الجوى فى المناطق الوسطى والجنوبية السورية، لتعترض صواريخ "توماهوك" القادمة من الخليج"!!
وبعد كل هذا السيناريو العسكرى "المُحْكَم"، ذهب وسائل الإعلام إلى تصريحات القائد "السابق" لأسطول بحر البلطيق الأدميرال فلاديمير فالويف الذى صَرَّح لوكالة أنباء "نوفوستى" الروسية بأن تعزيز مجموعة السفن الروسية فى البحر المتوسط يهدف إلى التصدى لهجوم صاروخى محتمل على مواقع القوات الحكومية السورية.
وقال إن تواجد مجموعة كبيرة من القوات البحرية الروسية خطوة ضرورية لمنع الاعتداء على سوريا، بما فيه تحييد ضربات الصواريخ المجنحة من طراز "توماهوك" على أهداف البنية التحتية السورية"، بل وأكد أن نشر السفن الحربية الروسية فى هذه المنطقة يتوافق مع العقيدة العسكرية البحرية للبلاد ويهدف إلى ضمان أمن سوريا".
الطريف أن وسائل الإعلام الروسية قالت بالنص: "وكانت بعض وسائل الإعلام الروسية تداولت معلومات، فى وقت سابق تشير إلى أن روسيا بدأت بنشر أقوى مجموعة سفن حربية فى البحر المتوسط منذ بدء الحرب فى سوريا وتضم المجموعة 10 سفن، من بينها طراد "المارشال أوستينوف" وسفينة "سيفيرومورسك" المضادة للغواصات، وكذلك غواصتان، وعدد أكبر من هذه السفن مزودة بصواريخ "كاليبر" المجنحة".
والمقصود بـ "المعلومات"، هى تلك المعلومات التى وردت أعلاه، وتمت الإشارة إليها بـ"وفقًا لأحدث المعلومات الصادرة عن مصادر روسية!".

فى الحقيقة، العقيدة البحرية العسكرية الروسية لا تتضمن أى شيء بخصوص سوريا، وإنما يتحدث بعض بنودها عن القواعد العسكرية الروسية على الأراضى الأجنبية أو خارج حدود البلاد، وهو الأمر الذى تنفذه روسيا، حيث لم تعترض القصف الأمريكى البريطانى الفرنسى فى أبريل، وإنما اكتفت بحماية قاعدتيها العسكريتين فى سوريا.
بالعودة إلى المشهد السياسى – الميدانى، لا يمكن أن يتكرر سيناريو 14 أبريل بحذافيره، وإلا سيكون التخطيط العسكرى للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا قد وصل إلى ما تحت القاع، وحسب أى نظريات عسكرية، لا يمكن تكرار نفس السيناريو فى نفس المكان فى ظل ظروف مختلفة، وإذا توخينا الدقة والمنطق وانطلقنا من التخطيط السياسى – العسكرى، فإن الظروف صارت مختلفة تمامًا عن ما كانت عليه فى أبريل 2018، وهناك استقطابات جديدة، وتوزيع جديد لموازين القوى، وحاولت إسرائيل توجيه ضربات أكثر من مرة، وهناك أيضًا تهديدات إيرانية علنية لدول الخليج للممرات المائية الدولية، وسيناريوهات "إعلامية" روسية تكاد تشعل حربا نووية، و"تلاعبات" تركية سياسية وعسكرية عمومًا، وفى إدلب على وجه الخصوص.
كل ذلك يحتاج إلى سيناريوهات أخرى أكثر مرونة واتساعًا، وحشد أوسع وأقوى، وهو ما يتم حاليًا، إذ أنه من المرجح أن لا تقتصر الضربات فى حال حدوثها على الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، بل من الممكن، ومن المنطقى أيضًا، ومن المتوقع أن تنضم إسرائيل إلى هذا الثلاثى ليتم توجيه ضربات ليس فقط إلى مواقع على الأراضى السورية، وإنما إلى مواقع داخل الأراضى الإيرانية، أو فى أفضل الأحوال على مواقع بعينها على أطراف إيران وعلى حدودها الجنوبية والغربية، ومن الممكن أن تأخر إسرائيل زمنيا، ولكن نشاطها سيكون ضمن خطط وتوافقات وترتيبات مع الدول الثلاث الكبرى.
فزيارات المسؤولين الأمريكيين الأخيرة لكل من إسرائيل والعراق من جهة، وإلى تركيا من جهة أخرى، تشير بدرجات مختلفة إلى أن سيناريو جديد وأكثر اتساعًا ومرونة يتم التحضير له، وسيتم تنفيذه ربما على مراحل، هذا فى حال قررت الولايات المتحدة تنفيذ أى ضربات عسكرية هذه المرة، خاصة وأن موسكو، حسب وسائل إعلامها التى تعرف كل شىء، لن تقف مكتوفة الأيدى كما حدث فى المرة السابقة.