بوتين - الأسد - ترامب
سوريا وبمساندة مطلقة من روسيا تصران على إنهاء الحرب فى البلاد، ومن ثم استعادة كامل تراب الدولة تحت سيادة النظام. وفى المقابل، وبديهيًا تريد الولايات المتحدة تفويت فرصة ذلك الانتصار المدوى لموسكو فى الشرق الأوسط.
كما أنها تسعى جاهدة لمزاحمة فلاديمير بوتين، الذى وضع قدمًا لبلاده لأول مرة بالبحر المتوسط، عبر البقاء أطول فترة ممكنة فى سوريا بحجة مواصلة الحرب ضد داعش.

كذلك تريد واشنطن وضع حد للنفوذ الإيرانى فى سوريا، خشية تغوله أكثر وأكثر، ومن ثم تهديد أمن تل أبيب.
على هذا النحو صعدت واشنطن وعواصم أوروبية كبرلين وباريس ولندن من فوبيا اتهام الرئيس السورى بشار الأسد مسبقًا بالاستعداد لضرب إدلب، آخر معاقل المعارضة بالبلاد، بالسلاح الكيميائى الأخير، وسواء تم استخدامه من عدمه، سيكون الذريعة السهلة الجاهزة لضربة أمريكية أوروبية محتملة لدمشق لتفويت فرصة إعلان الانتصار من جانبها.
ويتواجد فى إدلب عشرات الآلاف من عناصر قوى المعارضة، غير أن معظمهم ينتمون للقوى الإسلامية، وعلى وجه التحديد جبهة تحرير الشام، النصرة سابقًا، واجهة القاعدة فى سوريا، فضلًا عن روافدها مثل مسلحى غصن الزيتون الموالين للأتراك وتنظيم حراس الدين، والحزب الإسلامى التركستانى وقوامه آلاف المقاتلين الشيشانيين والإيجور الصينيين والأوزبك وغيرهم من المقاتلين الأجانب.
أضف إلى ذلك الآلاف من الدواعش، والذى نجح محمد الجولانى، الزعيم الأعلى لهيئة تحرير الشام، فى إقناعهم بالتخلى عن خلافاتهم الإيديولوجية مع القاعدة والتحالف مع أذرعتها، كهيئة تحرير الشام، لأجل مواجهة الضربة السورية الروسية المرتقبة لإدلب.

هيئة تحرير الشام المنتمية للقاعدة، وفق تقديرات سورية وغربية، تسيطر على 60% من إدلب، علاوة على سيطرة حلفائها القاعديين وكذا الدواعش على نسب غير قليلة من المساحة المتبقية من المحافظة.
المعضلة الأخطر، أن مقاتلى القاعدة، بعناصرها من الأجانب سيقاتلون باستماته، لأن خسارتهم فى إدلب، تعنى نهايتهم حرفيًا، لأنهم لن يجدوا طريقًا رحبًا للانتقال إلى بلدانهم الأصلية.
ورغم تصاعد حدة التوتر ونذر الحرب، إلا أن أحدًا، وفى غمرة الخوف على حياة 3 ملايين مدنى يعيشون فى إدلب حاليًا، كسكان أصليين أو نازحين، لم يلحظ على نحو جدى أن الغرب هنا يقدم مساعدات واضحة لأكبر عدو له، وهو تنظيم القاعدة.
إن خطة النظام السورى لمواجهة التنظيمات المتطرفة والمعارضة، تركزت على تجميعهم فى بؤرة واحدة حتى يسهل قنصهم.
وعليه كانت عمليات النظام مدعومًا من موسكو فى حلب والغوطة الشرقية وغيرهما، الأمر إلى أدى إلى نزوح آلاف المقاتلين من المعارضة المسلحة، وبخاصة تلك الإسلامية المتشددة، إلى إدلب.
النظام السورى وجد ضالته التى يبحث عنها، ومن ثم صار انتصاره وشيكًا.. غير أن واشنطن، ومن خلفها عواصم غربية كبرى، إضافة إلى تل أبيب، تريد نهاية جديدة للقصة، ولو كان ذلك عبر دعم القاعدة بالمال والسلاح والعتاد والغطاء السياسى، ولو كان تحت شعار "الغاية تبرر الوسيلة" وبالتزامن مع الذكرى الـ17 لهجمات 11 سبتمبر حينما أذاق تنظيم أسامة بن لادن الولايات المتحدة أكبر مرارة فى تاريخها على طريقة بيرل هاربر.

السياسى والسيناتور الأمريكى المخضرم رون باول، سلط الضوء على ذلك التناقض، ففى حين تريد واشنطن الإيحاء للجميع أنها تخشى أن يضار المدنيون بالسلاح الكيماوى، فإذا بها تقدم الدعم السخى للقاعدة.
يقول باول، أحد 6 أعضاء جمهوريين بالكونجرس، عارضوا غزو العراق عام 2003، وهو الآن منتميًا للحزب "الليبرتارى" صراحة إن "الخبراء المسؤولين عن السياسة الخارجية لترامب ذكروا أن التحالف الفعلى مع هاتين المجموعتين المتطرفتين (القاعدة وداعش) ضرورى فى الوقت الحالى لتمكين الأهداف الأطول أجلاً فى الشرق الأوسط".
و"ما هى تلك الأهداف؟"، يسأل باول، ثم يجيب على الفور: "تغيير النظام فى إيران".. هكذا يفسر باول وجهة النظر الأمريكية فى المعركة. ثم يكمل بوضوح فى مقال له نشر بالألمانية على موقع radio utopie، قائلًا: "عندما يستعيد الأسد إدلب من جديد، فإن حلم المحافظين الجدد والسعوديين والإسرائيليين فى تغيير النظام فى سوريا والعين السوداء لإيران حليفة سوريا، سينتهى.
ويلفت باول إلى التواجد "غير الشرعى" للقوات الأمريكية فى قاعدة "التنف" العسكرية بحمص، وهو يجزم مرة أخرى أن الرئيس دونالد ترامب يصر على ذلك على أمل الحاجة إلى القوات فى حرب إسقاط النظام الإيرانى، حتى لو كان ذلك يعنى إغلاق عيونها "القوات الأمريكية المتمركزة هناك" عن داعش هناك.
وينوه كذلك إلى أن التحالف الأمريكى المستتر مع السعوديين فى حرب اليمن، يراد به أيضًا "تغيير النظام فى إيران".
ويختتم باول موجهًا كلامه إلى ترامب: "فى الحقيقة، الأمر ليس معقدًا، فإذا كان الانتصار يعنى التحالف مع القاعدة وتنظيم داعش، فأنت تفعل شيئًا خاطئًا".