سقوط مقاتلة روسية فى روسيا
ريابكوف قال حرفيًا "إننا مستعدون لمناقشة كل المواضيع المتعلقة بالوضع القائم فى سوريا، وفى أى مكان آخر، مع الولايات المتحدة، لكن جعل هذه المناقشة فعالة يتطلب من زملائنا الأمريكيين التخلى عن سياسة الإملاء ومحاولات عرض موقفهم الخاص وكأنه الموقف الصحيح الوحيد".
كان من المتوقع أن يصدر مثل هذا التصريح بعد "الضجيج" الذى أثارته التصريحات الساخنة "المتعجلة" للكثير من المسؤولين، و"شعوذات" المحللين الروس وغيرهم، وانفعالات النواب البرلمانيين ورداءة وسائل الإعلام الروسية.
عملية تسييل الحادث
بهذا التصريح تحديدًا، تبدأ عملية تسييل حادثة إسقاط الطائرة الروسية وتحويلها إلى أوراق سياسية، أما تكرار تصريحات فلاديمير بوتين، الرئيس الروسى، ووزير دفاعه بشأن مسؤولية إسرائيل، فليس لها أى محل من الإعراب، لأن هذه التصريحات صدرت أيضًا بعد سقوط الطائرة، ولكن التقرير الذى أصدرته وزارة الدفاع الروسية والذى تَضَمَّن العديد من أوجه التعاون بين روسيا وإسرائيل فى كل المجالات، بما فيها الأمنية والدفاعية والصناعية والمالية، أظهر مدى عمق العلاقات بين موسكو وتل أبيب، غير أن وسائل الإعلام العربية والروسية الناطقة بالعربية لم تنتبه إلا إلى "تهويشات" موسكو بأنها تتهم إسرائيل وأن سقوط الطائرة سيؤثر على العلاقات بين موسكو وتل أبيب.

لقد أسقطت تركيا طائرة لروسيا، ولكن الأخيرة سيَّلَت الحادث إلى أوراق سياسية، وباتت فى علاقة "خاصة" للغاية مع رجب طيب أردوغان، ورغم أن الرئيس الروسى أعلن أن الحادث التركى مختلف عن الحادث "الإسرائيلى"، وإذا شئنا الدقة، فهناك الكثير من التفاصيل "المخفية" اللتى لا يريد الجانبان، الروسى والإسرائيلى، الإفصاح عنها، فنحن أمام روايتين ليستا متناقضين، وإنما مختلفتين فى بعض التفاصيل، ولا شك أن كل الأطراف تعرف جيدًا أن دفاعات بشار الأسد هى التى أسقطت الطائرة، ولست إسرائيل، وهنا يكمن أحد المنعطفات الصعبة، لأن موسكو مصممة على روايتها.
إن روسيا تريد تحويل حادث الطائرة "إيل-20" إلى أوراق سياسية لدمج الأسد فى عمليات سياسية معينة بقيادة روسيا أو تحت إشرافها، وليس من المستبعد أن تعلن موسكو بعد فترة بأنه إذا كانت هناك خلافات بين الأسد ونتنياهو، فعليهما المجيئ إلى موسكو لإطلاق حوار بوساطة روسية! هذا فى نفس الوقت الذى قوم فيه روسيا بتأمين حدود إسرائيل مع سوريا فى الجولان، وهى التى علن بفخر التزامها بأمن دولة إسرائيل، وهى أيضًا التى أبعدت الإيرانيين عن الحدود الإسرائيلية، وأخلت المنطقة من الأسلحة الثقيلة.
سوريا وامتصاص غضب الروس
إن موسكو تحاول دمج الأسد فى عمليات سياسية لإبعاده عن السقوط، أما التصريحات الروسية، فحوالى 99% منها مجرد "تهويش" فى محاولة لامتصاص غضب الداخل الروسى، وإقناع الحليفين "طهران والأسد" بأن موسكو قادرة على حمايتهما.
فهناك غضب داخلى فى روسيا، وهناك امتعاض من جانب حلفاء موسكو، وهناك أردوغان الذى يضغط على موسكو بكل الطرق الممكنة، وليس أمام الأخيرة إلا الاستجابة لتفادى انهيار المحور الثلاثى الهش، إضافة إلى أن موسكو فى مركز مصيدة العقوبات الغربية، ولديها مشاكل غير عادية مع أطراف كثيرة، بينما أموال اللوبى الصهيونى، داخل روسيا وخارجها، متوغلة فى الاقتصاد الروسى، وإسرائيل متوغلة أمنيًا واستخباراتيًا فى روسيا، وهناك مشروعات "أمنية - استخباراتية" فى مناطق عديدة تعمل بها شركات روسية كثيرة من تحت إبط الشركات والمؤسسات الإسرائيلية، ومن الصعب أن تقدم روسيا على أى اشتباكات مباشرة مع إسرائيل، ولا حتى مع الأمريكان وحلفائهم، ولكنها مع ذلك تقوم بأكبر عملية تهويش منذ انهيار الاتحاد السوفيتى.

أعلن سيرجى شويجو، وزير الدفاع الروسى، بأنه "سيتم خلال أسبوعين تسليم القوات المسلحة السورية منظومة الدفاع الجوى الحديثة "إس-300"، وهى قادرة على رصد الأهداف الجوية المهاجمة على مسافة أكثر من 250 كم، وإصابة عدة أهداف فى آن واحد"، وذهب إلى أنه "فى عام 2013 وبطلب من الجانب الإسرائيلى، أوقفنا تصدير منظومة "إس-300" إلى سوريا، التى كانت جاهزة لإرسالها، وبعد أن اجتاز عسكريون سوريون الدورات التحضيرية الضرورية، الوضع تغيَّر اليوم، ولسنا سبب ذلك".
وأضاف أنه "سيتم تجهيز مراكز قيادة ووحدات منظومة الدفاع الجوى السورية بأنظمة تحكم آلية يتم تزويدها فقط للقوات المسلحة الروسية، وهذا سيضمن الإدارة المركزية لجميع قوات الدفاع الجوى السورية ومرافقها، ومراقبة الوضع الجوى، غير أن الأهم هو الوزير الروسى رأى أن الخطوات السابقة غير كافية، فقال: "سنقوم كذلك بالتشويش على عمل الأقمار الصناعية والرادرات المحمولة جواً ومنظومة الاتصال بين الطائرات الحربية التى تشن هجمات على مواقع داخل الأراضى السورية".
دعم مع إيقاف التنفيذ
لا أحد يشك فى أن تصريحات وزير الدفاع الروسى سيرجى شويجو بنقل منظومات "إس–300" إلى سوريا، هى تدابير جريئة وشجاعة للغاية، علمًا بأن هذه المنظومات، إضافة إلى منظومات "إس–400" موجودة أصلا فى سوريا، منذ عامين تقريبًا، وهو ما أعلنت عنه موسكو رسميًا، ويبدو أن هذه المنظومات بعيدة عن أيدى السوريين، لأسباب تخص موسكو واتفاقاتها مع الأطراف الأخرى. ولكن فى حال نفذت روسيا "تصريحاتها"، فمن سيتخذ قرار تشغيل "إس-300"، القيادة العسكرية الروسية أم السورية؟ وفى أى حالات سيتم تفعيل عمل هذه المنظومة؟ وبالتالى، فهذه التساؤلات تحتاج إلى "حوار"، وهو ما تحاول أن تفعله موسكو حاليا بإقامة حوار بينها وبين واشنطن وتل أبيب.

إن روسيا تعرف جيدًا أنها تقدم على خطوات غير مسبوقة، وتعرف أنها ستعيق ليس فقط عمل الطيران الإسرائيلى، وإنما ستثير إزعاج الولايات المتحدة وحلفائها أيضًا، وربما أثار ذلك قلق تركيا على المديين المتوسط والبعيد، ما يعنى أن روسيا تتورط أكثر فأكثر فى المواجهات الإقليمية المختلفة، وعلى رأسها سوريا.
مستقبل الأزمة السورية
من الواضح أن موسكو تريد فتح حوار بأى شكل مع الولايات المتحدة، وتريد أيضا وضع إسرائيل فى إطار معين يلبى مصالح روسيا، انطلاقًا من أمر واقع جديد، ألا وهو أن موسكو أصبحت ذات نفوذ ملموس ومؤثر فى الشرق الأوسط وفى البحر المتوسط، وقادرة على إدارة العديد من العمليات العسكرية والسياسية فى المنطقة. وفى الحقيقة، لا أحد يستطيع أن يمنع روسيا عن تصوراتها وأحلامها وطموحاتها، ولكن هل هذه التصورات والأحلام تجد تبريراتها لدى الآخرين، وهل الآخرون يرون روسيا كذلك، خصوصًا الولايات المتحدة وإسرائيل؟
من الواضح أيضًا أن كل شيء سيبقى رهن "التطورات السياسية" خلال الأسبوعين المقبلين، حيث ستنتظر روسيا رد فعل إسرائيل والولايات المتحدة على تصريحات سيرجى ريابكوف، ورغبة موسكو فى حوار ما، فهل يمكن أن يتكرر مشهد عام 2013، حين تراجعت موسكو عن قراراها؟ أم سيم نشر المنظومات المذكورة بشروط معينة بحيث يصبح نشرها مثل عدم نشرها، وهذا متوقف على "الحوار" بين موسكو من جهة، وبين واشنطن وتل أبيب من جهة أخرى؟ أى، هل ستكون "إس-300"، فى حال تم تسليمها لنظام بشار الأسد، خاضعة لقرار بوتين أم الأسد؟ وهل سيسمح بمتابعتها الأهداف الإسرائيلية واستهدافها، أم ستكون "عمياء" بموجب تفاهمات مع تل أبيب وواشنطن؟ أم يتكون لحماية القاعدتين الروسيتين فى سوريا حصرًا، وربما يكون هذا الأمر تحديدًا هو ما تريده روسيا، وما ستعلن عنه فى وقت لاحق!

رؤية غربية
هناك محللون يرون أن "فخر صناعات الدفاع الجوى الروسية"، ستكون أمام تحد خطير مع أول غارة إسرائيلية ضد أهداف على الأراضى السورية، وسيكون وضع القيادات السياسية والعسكرية الروسية على المحك فى ظل التصريحات الساخنة والإجراءات غير المسبوقة من جانب موسكو. لأنه ببساطة، إذا أصابت المقاتلات الإسرائيلية أهدافها وعادت إلى قواعدها دون خسائر، فإنها تكون بذلك وجهت ضربة موجعة ليس فقط للقيادة السياسية الروسية، بل وأيضًا لمجمع الصناعات العسكرية الروسى الذى تمكن بفضل العملية العسكرية الروسية فى سوريا من تحسين مبيعاته وأطلق حملات دعاية واسعة لتلك المنتجات.
فى الحقيقة، الغرب يريد أن تبقى روسيا لعشر أو لعشرين سنة فى سوريا فى ظل الأوضاع الحالية وتطوراتها وتداعياتها، ويرغب بشدة فى أن "تتمطَّع" روسيا وتقصف إسرائيل أو أى أهداف أمريكية فى سوريا أو العراق أو الخليج، ويتمنى أن تحدث احتكاكات من أى نوع مع إسرائيل، لأن كل ذلك مطلوب بشدة من أجل تأسيس أمر واقع جديد يمكن الانطلاق منه، بالضبط مثلما تفعل روسيا.