البث المباشر الراديو 9090
مؤتمر تجديد الفتوى
قال الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، إن الفتوى صناعة ثقيلة لا يجيدها إلا الراسخون فى العلم، وهى باب عظيم مَن تسابق إليه فكأنما ذبح بغير سكين.

وأضاف شومان قائلا: "أما مَن أُسند إليه فأخلص فيه النية والتزم بما ألزمه الشرع به، فقد غُفر له الخطأ والنسيان، وكان مأجورًا على كل حال، لقول النبى صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد"، وحتى يبرأ المجتهد من الإثم حتى فى حال الخطأ فى فتواه، فإنه يلزمه معايير خاصة أفاض فيها العلماء، ويمكن تقسيمها إجمالًا إلى معايير أخلاقية ومعايير مهنية.

وقال الأمين العام لهيئة كبار العلماء خلال كلمته فى مؤتمر تجديد الفتوى، اليوم الثلاثاء: "أما المعايير الأخلاقية، فمنها الورع والتقوى والزهد فى الفتوى، والتحرر من الخوف وضغوط الواقع، والتجرد من الهوى والعصبية بشتى أنواعها، فيسوى المفتى بين المستفتين ولا يفرق بين غنى وفقير، ووجيه ووضيع، فطبيعة المسألة وما يلائم حال السائل هما ما يجب أن يحدد طبيعة الفتوى الصادرة، ومن وصايا الإمام القرافى فى هذا السياق قوله: "ولا ينبغى للمفتى إذا كان فى المسألة قولان، أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف، أن يُفتى العامَّة بالتشديد، والخواصَّ من ولاة الأمور بالتخفيف، وذلك قريب من الفسوق والخيانة فى الدين، والتلاعب بالمسلمين، ودليل فراغ القلب من تعظيم الله تعالى وإجلاله وتقواه".

وتابع: "وأما المعايير المهنية التى يجب أن تتوافر فيمن يتصدى للفتوى، فمنها الأهلية العلمية التى تمكِّن المفتى من استظهار حكم الشرع فى المسائل المعروضة عليه، فالإفتاء باب من القضاء، وقد قال رسولنا الأكرم - صلى الله عليه وسلم: "القضاة ثلاثة، واحد فى الجنة واثنان فى النار: أما الذى فى الجنة، فرجلٌ عرف الحق فقضى به فهو فى الجنة، وأما اللذان فى النار، فرجلٌ عرف الحق فقضى بغيره فهو فى النار، ورجلٌ قضى بين الناس على جهل فهو فى النار"، ومن ثَمَّ فإن مجرد التصدى للإفتاء أو الفصل بين الخصوم على جهل وعدم تأهل، يكفى لدخول النار دون نظر إلى الفتوى أو الحكم الصادر، أى إن المفتى إن تصدى للإفتاء على جهل، فهو من أهل النار ولو تصادف أن ما أفتى به صواب".

وأضح: "أنه من المعايير المهنية أيضًا، فَهمُ المسألة فهمًا دقيقًا، وفَهمُ نفسيةِ السائل وواقعه المعيشى، ومعرفة العُرف الجارى فى بلد المستفتى، ومن الوصايا التى تُسطَّر بماء الذهب هنا قول الإمام القرافى أيضًا: "إذا جاءك رجلٌ من غير أهل إقليمك يستفتيك، فلا تُجْرِهِ على عُرف بلدك، واسأله عن عُرف بلده وأَجْرِهِ عليه، وأفتهِ به دون عُرف بلدك، ودون المقرر فى كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلالٌ فى الدِّين، وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين".

وأشار عباس، إلى أنه يلزم المفتى كذلك قبل أن يجتهد فى المسألة المعروضة عليه أن يراجع فيها مصادر استنباط الأحكام من القرآن والسنة والإجماع واجتهادات السلف، غير أنه إذا وجد فيها حكمًا للسلف، وجب عليه أن ينظر فى مدى ملاءمته لزمان الفتوى ومكانها، وأن يتأكد من صلاحيته لحال المستفتى وعدم وجود ما يغير إسقاط هذا الحكم على مسألة المستفتى فى زمانه، فالسلف أنفسهم قد نهوا عن الجمود على ما اجتهدوا هم فيه، ووصفوا هذا الجمود بالضلال فى الدين والجهل بمقاصد علماء المسلمين؛ وذلك لأن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان وأحوال الناس، ومَن يدقق فى الموروث عن سلفنا - رضوان الله عليهم - فى المسائل الاجتهادية، يجد مِن بينها ما لا يناسب زماننا ولا مكاننا، ومنها كثير من أحكام النساء كعمل المرأة، وتوليها الولاية العامة والقضاء، وسفرها من غير محرم أو زوج، إذ نجد مثلًا أن هناك اختلافًا كبيرًا بين حال السفر وقت اشتراط المحرم، وما نحن فيه فى هذا الزمان، فإن كان اشتراط المحرم لعلة خوف الطريق؛ فقد زالت العلة فى غالب الأسفار فى زماننا.

ولفت إلى أنه من تلك المسائل الاجتهادية التى لا تناسب زماننا فى رأيى، وجوبُ المهر كاملًا بالخلوة الصحيحة التى تكون بين المعقود عقد زواجهما قبل الدخول، وما يترتب على ذلك أيضًا كوجوب العدة على المرأة إن طُلقت قبل الدخول الحقيقى، وهو ما قال به جمهور الفقهاء قديمًا، والناظر يرى أن ثمة اختلافًا كبيرًا بين زماننا وزمان هؤلاء الفقهاء الذين قالوا بوجوب المهر كاملًا ووجوب العدة بالخلوة الصحيحة، ففى زمانهم كان الزواج بداية من الخطبة إلى الدخول ربما يتم فى ساعة أو بعض ساعات أو أيام، فيكون مرادهم بالخلوة عندئذ تلك الخلوة التى تكون فى بيت الزوجية بعد انتقال الزوجة إلى بيت زوجها، ولذا لا يكون هذا الحكم ملائمًا لوقتنا الحاضر الذى تكون فيه الخلوة بين المعقود قرآنهما فى بيت أهل الزوجة دون أن يحدث فيها دخول أو محاولة دخول.

وتابع: "كما أن الشاب لن يكون مقتنعًا بدفع المهر كاملًا – الذى قد يكون عدة ملايين - نتيجة خلوة حدثت بينه وبين مَن عقد عليها، تحدثا فيها عن بعض أمور تتعلق بحياتهما المستقبلية، فاختلفا وتطلقا دون أن يقترب أحدهما من الآخر، ولا سيما أن كتاب ربنا يقول: "وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ"، ولن يكون من السائغ عقلًا وجوب عدة على المرأة بخلوة كهذه، وخصوصًا أن ربنا عز وجل يقول: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها"، فضلًا عن أن استبراءَ الرحم مِن أهم موجبات العدة، ورحم المطلقة بعد خلوة كهذه مما يحدث فى زماننا لا يوجد أدنى احتمال لشغله".

وأضاف: "وعليه فإن نظر المفتى فى مثل هذه المسائل ومعاودة الاجتهاد فيها، لهو عين التجديد الذى هو سمة من سمات شريعتنا الغراء، وهذا لا يعنى التفريط فى الثوابت التى لا تتغير بتغير الزمان ولا المكان، فمن واجب المفتى أن يتمسك بثوابت دينه ومُسلَّمات شريعته، ولا يخضع لهوى نفس أو سلطان، أو ينزلق إرضاءً لرغبات العوام ومطالبات سفهاء الأحلام حدثاء الأسنان".

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز