البث المباشر الراديو 9090
الحضارة القبطية
يتفق الكثيرون على أن رقائق أعمدة الحضارات الفرعونية ثم اليونانية الرومانية، دخلت فى ذمة التاريخ، أى انتهت زمنيًا بانتهاء آخر عصورها وبداية العصر الذى يليها.

أما رقيقتا الحضارتين القبطية والإسلامية، وهما الباقيتان من بين الأعمدة التاريخية الأربعة، والتى سنتناول إحداها فى السطور التالية، لا زالتا باقيتان زمنيًا، إذ يتألف نسيج الغالبية العظمى من المصريين حاليًا ممن يدينون بالإسلام وبالمسيحية.

العامود الثالث: الانتماء القبطى

هناك يقين بين المؤرخين على وجود حقبة زمنية تعرف بالعصر القبطى، إلا أن خلافًا ينشأ بين الفترة والأخرى بشأن بدايتها، لأنها بشكل أو بآخر متداخلة مع الحقبة اليونانية الرومانية، بسبب تزامن تبشير مرقس الرسول بالدين المسيحى أثناء حكم الرومان.

اقرأ أيضًا.. الأعمدة السبعة للشخصية المصرية.. النهضة اليونانية الرومانية «2»

البعض يؤكد أن العصر القبطى يرتبط بنشأة اللغة القبطية، فى القرنين الأول والثانى بعد الميلاد، لكن المدققين يشيرون إلى أن العصر المذكور يبدأ من بداية النصف الثانى من القرن الثانى بعد الميلاد، مع دخول المسيحية مصر، فى حين يشير الأكثر تدقيقًا إلى أن البداية ترجع إلى عام 324 ميلادية، مع إصدار قسطنطين الأول مرسومه برفع الاضطهاد عن المسيحيين، أى الاعتراف بالديانة وحرية اعتناقها.

لكن الثابت أن المسيحية انتشرت فى مصر مع القرن الرابع، وأصبحت الديانة الرسمية فيها، كما سادت اللغة القبطية وانعكست آثارها على شتى أنواع الحياة الفكرية والثقافية والفنية.

ويشير ميلاد حنا فى كتابه "الأعمدة السابعة للشخصية المصرية"، والذى اتخده منتدى الشباب العالمى محورًا لمناقشاته، إلى أن مصر لعبت، من خلال الانتماء الدينى الجديد، دورًا مُهمًا فى صياغة المسيحية على المستوى العالمى، من خلال وجود المدرسة اللاهوتية العريقة بالإسكندرية.

ويعتز الأقباط المصريون بكون أجدادهم صاغوا قانون الإيمان المسيحى فى مدرسة الإسكندرية، وكونهم أسسوا لمدرسة ومذهب مستقل عن المذاهب الأخرى، إذ عرفت فترة بداية انتشار المسيحية فى مصر خلافات عقائدية كبيرة بين كنائس العالم المسيحى، إلا أن الكنيسة المصرية، رغم تبعيتها للمملكة البيزنطية فى هذا الوقت، صار لها وضع مستقل، ونفوذ فكرى تخطى حدود الدولة.

كما يعتز المسيحيون المصريون، أيضًا، بكون الرهبنة ابتكار مصرى فى الأساس، إذ تعترف كل فروع الرهبنة التابعة حتى للمذهب الكاثوليكى فى روما والدومنيكان، بأن مبدأ الرهبنة قد نشأ فى مصر من خلال الأنبا أنطونيوس، وبدأ بنفسه فيما يعرف بـ"الهبنة التوحيدية" أى المعيشة فى مغارات الجبال بشكل منفرد للعبادة والصلاة والتقشف.

ومن أسباب اعتزاز المصريين المحدثين بالانتماء القبطى، أن الكنيسة المصرية منذ نشأتها وضعت قاعدة مفادها أنها مناضلة لا تريد الحكم، ولم يحدث أن شاركت فيه فى أى وقت من الأوقات، كما لم يكن لها أى انتماء إلا لأرض مصر وشعبها فقط.

ويستشهد ميلاد حنا، فى كتابه، على هذا الأمر ويقول: "عندما انتقلت السلطة إلى الدولة البيزنطية وأصبحت سيادتها مسيحية كانت مصر تابعة لها من الناحية السياسية، ولكنها، أى الكنيسة المصرية، آثرت أن تقف موقفًا مستقلًا من الناحية الدينية، الأمر الذى جلب لها الاضطهاد من حكام الدولة البيزنطية ذاتها".

أما الحادثة الثانية فكانت فى أثناء دخول العرب إلى مصر، حيث يشير حنا إلى أنه منذ ذلك الزمن كانت الكنيسة القبطية مؤسسة شعبية، ولم تشارك فى السلطة، وحاولت أن تتعايش وتتكيف مع جميع العصور والمراحل الإسلامية، بهدف الحفاظ على سلامة الوطن.

ولم ينس حنا، فى كتابه، أن يذكر أنه حتى المشاركة المسيحية فى ثورة 1919، التى قادها سعد زغلول، لم تكن بتوجيه من الكنيسة، بل كانت مشاركة فردية، قام بها المسيحيون بشكل غير موجه، ولو عاش حنا حتى بعد 2013 لكان حتمًا سيستشهد بالمشاركة المسيحية فى ثورة 30 يونيو بشكل فردى أيضًا، دون توجيه من سلطة دينية أعلى.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز