البث المباشر الراديو 9090
الحضارة الفرعونية
مع تفجر الحرب فى لبنان خلال عقد السبعينات من القرن الماضى، ومع المد المتأسلم المتطرف الذى طال معظم أنحاء المنطقة لأسباب لم تُعرف أغراضها حتى الآن، كان هناك يقين عند عموم المفكرين المصريين، أن مصر لن يصيبها ما أصاب لبنان من حرب طائفية أهلية.

كما لن يصيبها ما أصاب طبيعة بعض دول المنطقة من غلبة البداوة حتى على تسامح الإسلام.

"لن تتلبنن" مصر.. هو عنوان فصل كامل وضعه المفكر المصرى ميلاد حنا فى كتابه الذى نستعرضه حاليًا "الأعمدة السبعة للشخصية المصرية"، بمناسبة اختياره محورًا لمناقشات منتدى الشباب العالمى المنتظر عقده فى شرم الشيخ نوفمبر المقبل.

أما عن أسباب عدم "تلبنن" مصر، وفقًا لتعبير حنا، أن الإسلام المصرى مختلف تمامًا عن أى إسلام فى المنطقة، فهو "إسلام ممتزج بحضارة متقدمة تحمل فى رقائقها شتى أنواع الفنون والعلوم والفلسفة والآداب والثقافة والرقى".

دخل الإسلام مصر فوجد حضارة وأهل يعتزون بتاريخهم وعنصرهم، دخل الإسلام فامتزج مع موروث كبير شكل مع الدين الجديد إضافة أخرى لأعمدة الشخصية المصرية، وفى السطور التالية نتحدث حول العامود الرابع من الأعمدة التاريخية، وهو الانتماء المصرى للعصر الإسلامى.

العامود الرابع: الانتماء الإسلامى

كان دخول الإسلام إلى مصر عبر الفتح العربى مختلفًا عن أسلوب الغزو والفتح فى باقى الجول والممالك الأخرى، فعندما دخل الجيش العربى إلى مصر أدرك قائدها عمرو بن العاص أنه أمام شعب يدين بالديانة القبطية، ليس ذلك فحسب، بل هو فى حالة صراع شديد واضطهاد من الدولة البيزنطية الحاكمة، لذلك كان حكيمًا إلى استتباب الأمور له، حيث قرب رؤساء الأقباط وأحسن معاملتهم، فاتجه هؤلاء إلى إصلاح شؤون الكنيسة التى اختل نظامها مع الصراع مع بيزنطة.

كان بن العاص سياسيًا محنكًا، وكان متفهمًا ومقدرًا لموقف الأقباط فى مصر، وتحديدًا فى مسألة ترحيبهم به، وسخطهم على النظام البيزنطى، قطع عهدًا بأن يترك الأقباط وشأنهم فيما يتعلق بالعقيدة الدينية، فضلًا عن تخفيفه للضرائب، وغيرها من الأمور التى تكشف ذكائه فى تطويع أهل مصر القبط، حقنًا للدماء.

لذا، لا شك فى أن استمرار العلاقة الوطنية والتآخى بين أبناء الوطن الواحد حتى الآن، جاءت ثمرة واستمرار لنقطة البداية عند الفتح العربى.

ومثلما كانت هناك صراعات فكرية وعقائدية فى المسيحية، وكانت مصر فى أوج معركتها، كان أيضًا للصراعات بين عقائد الإسلام طريق، أصابه العنف أحيانًا، وكانت مصر من بين الأقطار التى هزتها الأزمة الطائفية الكبيرة بين أهل السنة وأهل الشيعة، وتحديدًا فى أعقاب الدولة الفاطمية "الشيعية" التى غزت مصر من المغرب العربى.

وبغض النظر عن موقف صلاح الدين الأيوبى، زعيم الدولة الأيوبية "السنية" من الفاطميين الشيعة، وتحديدًا فى مسألة إحياء منهج أهل السنة والجماعة فى مصر وفى باقى أقطار الدول التى تدين بالإسلام، وما صاحب ذلك من أعمال عنيفة، إلا أنه إلى الآن هناك مكانة خاصة للغاية فى قلوب المصريين لأهل بيت النبى (ص)، وهم من ينتسب إليهم الشيعة منذ قديم العصور وحتى الآن.

ويظهر ذلك بشكل واضح وتام، فى أن آثار العصر الفاطمى لا زالت باقية شامخة بين الآثار المتبقية من العصور الأخرى، حتى العصور التى تلتها، والتى تميزت بسنيتها المتعصبة، كالدولة الأيوبية، والأزهر نفسه أنشيء فى عصر الدولة الفاطمية، وعلى رغم من تعطيله لأكثر من مئة عام، إلا أنه عاد منارة الإسلام الشامخة، وقبلته الفكرية والعقائدية.

من يتجول فى القاهرة الآن، يجد وبوضوح، أن الآثار والمساجد الإسلامية الفاطمية هى من يتبرَك بها المصريون دون غيرها.

ولم تفلح محاولات المتطرفين عبر العصور من النيل من سماحة الإسلام الذى امتزج بالموروث الحضارى المصرى، وآخرها وبكل تأكيد الهجمة الإرهابية الأخيرة على أرض مصر، والتى تصدى لها المصريون بفضل عقلهم وانتمائهم لأعمدة شخصيته.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز