البث المباشر الراديو 9090
الدكتور سيد البحراوى
لا يختلف الكثيرون حول إنسانية الدكتور سيد البحراوى، الذى رحل فى يونيو الماضى، بعد صراع مع المرض، وبعيدًا عن قيمة البحراوى على المستوى الأكاديمى والإبداعى، فإن حضوره الإنسانى كان كبيرًا أيضًا، ومؤثرًا فى حياة من عبروا به.

وقالت إيمان سيد، المدرس المساعد بقسم اللغة العربية، بآداب القاهرة، لـ"مبتدا" عند الحديث فى محبة البحراوى الإنسان والأستاذ، يكثر الكلام، وأجدنى فى مأزق كبير، تتخلى عنى الكلمات، وتنتابنى مشاعر يصعب التعبير عنها، لما له فى قلوبنا من محبة عظيمة، ولكن ما أثق فيه تماما هو أن البحراوى قيمة مهمة فى حياتى وحياة من يحبونه، فهو الصديق الذى طالما منحنا أملا ودفئا كبيرين، وبالحديث عن الأمل تقفز إلى ذاكرتى عبارته المؤثرة، التى كان يقولها عندما يرانى محبطة أو فاقدة لبعض الأمل، كان يقول: "أنت بنت شاطرة، ما تقلقيش من أى حاجة!".. أقلق الآن يا صديقى من فقد موجع، وعزائى أنك معنا وتشعر بنا كما كنت تفعل دائما.

وتشير دينا الغزولى، باحثة ماجستير، إلى كثرة الأقاويل التى كانوا يسمعونها عن البحراوى، فتقول "كنا نسمع عن الدكتور سيد البحراوى، الكثير من الأقاويل قبل أن نراه فى المحاضرة الأولى من العام الدراسى الأول فى الجامعة، مثلا المتحرر والعصبى والثورة، والخارج عن المألوف دومًا، لم نفرح كثيرًا، ولكننا ساورنا القلق هل سنستطيع التعامل معه أم سنفضل التهام ساندوتشات البطاطس عن محاضرته؟! ولكن من الوهلة الأولى لدخوله جلسنا صامتين دون حراك تحسبا لأى شىء يمكن أن يغضبه فيكفى ما سمعناه، ولكنن وجدنا وجها مبتسما ينبش فى عقولنا، ويدغدغ مسلمات مجتمع راكد، أحبه الجميع (السلفى - العقلانى - ومن لا يهتم بالمحاضرات - وكل الفئات) حتى بكينا جميعا عندما ودعنا فى المحاضرة الأخيرة من السنة الرابعة، وبكل حب ودعناه باكين جميعا عندما رحل إلى مثواه الأخير.

وتضيف الغزولى، لـ"مبتدا" لم يعلمنى البحراوى الأدب والنقد فقط، ولكن علمنى أن أمتلك رأيا، علمنى ما كنت أفتقده لأعوام، كان أول من احترم رغبتى وأجلسنى بجواره على منصة التدريس، كنت أرتعش كأنها نهاية العالم، وأوجه زملائى ممتعضة جدا من اضطرابى حتى ثار أحدهم فى وجهى بأن هذا ليس مكانى، لأن توترى أفقدنى القدرة على توصيل المعلومة، وكان محقا تماما، ولكنى بكيت من الحرج حتى نظرت إلى وجهه رأيته وقف فجأة وقال للولد وللجميع أن هذا حقها تماما، وأنها ستجيد هذا فى المرة القادمة وقال بحسم أكملى، صمت الجميع وشعرت أنا بالأمان والسند حتى فى تلك الجامعة الواسعة.!

سيد البحراوى

وتقول إسلام حامد، ليسانس آداب قسم اللغة العربية، ليس سهلا أن أتكلم عن الدكتور سيد البحراوى، كان أول من أعطانى الفرصة للجلوس بجانبه، لعرض بحثى ومناقشته، كما علمنى قبول الآخر، وفتح عينى على آراء الغير ومعرفتهم، كان لين الطباع وإنسان جميل لطيف، لن أنسى حين داعبنى يوم الامتحان وقال لى ضاحكًا "عارف إنك بنت أنا عارفك يا إسلام" كنت أتخيله وهمًا، لكنه حقيقة من أنبل الشخصيات التى عاصرتها، علمنى الإنسانية وكيف أكون إنسانة، علمنى أتحدث عن أفكارى وأفكر بطريقة غير تقليدية، لن أنساه ترك فى بصمة لن تمحى.

وتقول أسماء الشريف، باحثة ماجستير، إن علاقتى بدكتور سيد كانت قوية جدا، رغم فقر اللقاء، لكننا كنا متواصلين دوما، كان يسأل دائما، ودرس لى العروض فى الفرقة الثانية، وطلب مننا أبحاثا أخترت قصيدة (لأنى غريب، للسياب، ولم أك أعرف أن للبحراوى بحث عنها، وفوجئ هو بذلك أيضًا، كما أنه فوجئ باختلاف بحثى عن بحثه، وأتذكر حين سمح لى بعرض البحث الخاص بى، وعندما انتهيت وجه التحية لى وطلب من الطلاب أن يصفقوا لى، وأصبحت علاقتى بالبحراوى قوية جدًا، حتى حين مرضت وكانت لى تجربة مع المرض، هاتفنى وقال لى "أنت أقوى من أى مرض وهتهزميه وحصل والحمد لله".

وتتابع، لم يك البحراوى بالنسبة لى مجرد أستاذ، بل باعث للقوة و مبث للثقة دوما، لأنه حى وسيظل بداخلى، وما يؤلمنى حقًا أنه طلب رؤيتى قبل موته ولم أستطع، ولم أسامح نفسى، وحين ذهبت إلى سرادق العزاء، وقفت أبكى فى الخارج، ولم أقدر على الدخول ورحلت باكية، فلن أستطيع القول إلى لقاء قريب لأنك لم تفارقنى أستاذى الحبيب الموجود أبدا.

ويقول عبدالفتاح خالد، باحث ماجستير، كنت مريضًا، وكنت أتصل به دائمًا، لأطمئن عليه، لم يك أستاذى فقط، وإنما كان صديقى، كان ملاذا آمنا لكل خائف مرتعش يخشى شيئًا، لم يردنا يوما كان يقف بجوارنا دائما، كلمنى وأخبرنى إن كنت أحتاج لشىء، كان دائما يمد لنا يده فى كل وقت، لم يك بعيدًا عنا.

ويضيف عبدالفتاح، لـ"مبتدا" أتذكر حين ذهبت إليه فى المستشفى يوم وفاته، ورأيتهم ينزعون عنه الأجهزة، حينها شعرت بآلة حادة تشق صدرى وتخلعه، جلست على أرضية المستشفى أبكى، لا أنسى أنه أول من أعطانى الفرصة لعرض أفكارى ومناقشتها، وعرض وجهة نظرى المختلفة، لا أنسى أنه أول من دعمنا حتى فى اختلافنا معه، لم يك متعصبًا لرأيه، علمنا قبول الآخر، والتعامل معه ومع اختلافه عنا، لأن الاختلاف سنة الحياة، لم يمت البحراوى أو هكذا عقلى لا يقبل ذلك، حتى بعدما شاهدت الأرض تحتضن جسده، هو موجود أعتقد أننى حين أذهب لمنزله سأراه، هو حى بما غرسه فينا من علم وإنسانية، فسلام عليك يا بحراوى إنى أفتقدك جدًا.

وتقول مروة يسرى، باحثة ماجستير، إننى أؤمن أن لكل شخص نصيبًا من اسمه، وقد كان لصديقى ومعلمى العزيز سيد البحراوى نصيب وافر من اسمه، فقد كان سيد المواقف دائمًا، لا يهاب أحدًا عند قول رأيه فى شخص أو موقف مهما كان وأيًّا كان، اعتدت أن أراه صاحب القول الفصل والرأى الواضح الذى لا يُلَوّن أو يبَدَّل أبدًا.

وأضافت مروة، لـ"مبتدا" أن أكثر ما كان يغضبه أن نعتقد أننا لا ينبغى أن نخالف رأى أستاذنا، فكان أول من علمنى أن من الاختلاف نبدع ونتعلم، كان أستاذًا نهابه ونجله ونحترمه ونحبه فى آن واحد، وربما لهذا ظل سيدًا طوال الوقت، حتى فى مرضه، حين كنت أذهب لزيارته برفقة أصدقائى، كنت أفعل ذلك فى كل مرة معتقدة أننى فقط أشتاق لرؤيته، والاطمئنان عليه، والاستماع إلى حديثه الدافئ، غير أننى كنت أخرج من بيته محملة بطاقة إيجابية تعيننى فى المقاومة إلى حين لقائه مرة ثانية، حتى فى وقت المرض الذى نصبح فيه أضعف ما يكون، كان البحراوى سيدًا للمرض، لم أره يومًا إلا مبتسمًا بشوشًا مضيافًا كريمًا، وأذكر كيف كان يخرج لنا مرحبًا حين نزوره، سعيدًا بلقائنا، حريصًا كل الحرص أن يستمع إلى كل واحد منا، سائلًا عن أخباره وأخبار عمله ودراسته، مقدمًا لنا جميعًا العون والنصيحة بكل حب، كان يعرف عنى كل شىء تقريبًا، ولن أنسى أبدًا كلماته لى ذات يوم "أنا مستخسرك فى الحزن"... الآن، كلما ضاقت بى الدنيا، أفسحت لى طريقًا تنيره كلماتك، وأشهرت فى وجه الحزن ابتسامة شبه ابتسامتك.

وتقول شيماء شوقى، باحثة دكتوراه، إن علاقتى بالبحراوى لم تكن مجرد علاقة طالب بأستاذ أو هكذا أعتقد، كانت علاقة أكثر عمقا ربما علاقة من يعلم أن من أمامه يرى ما بداخله ويعرف أنه لا يرى سوى نقاط النور، كان صديقًا مختلفًا وأستاذًا أفادنا كثيرا على المستوى العلمى والإنسانى، وللأمانة أرفض تصديق فكرة رحيله عنا فالروح لا ترحل وهو حى فينا وفى كل من غرس فيهم فكره، وأعلم أنه يسمعنا ويرانا فله منا كل الحب والسلام.

نرشح لك أول نوفمبر.. حفل تأبين الدكتور سيد البحراوى بآداب القاهرة

وتقول غادة كمال سويلم، دكتوراه فى الأدب الحديث، هناك أناس حينما نفقدهم لا تمضى الحياة أبدا كسابق عهدها بعدهم، يترك فراقهم ندبة فى القلب تظل تذكرنا بهم وتعصر قلوبنا ألما وشوقا إليهم وإلى اللقاء بهم فى عالم يليق بنبلهم وإنسانيتهم، أستاذنا الدكتور سيد البحراوى أحد هؤلاء الفرسان النبلاء الذين تركوا أثرا عظيما فى عقول وقلوب كل من عرفوه. ولم يكن سيد البحراوى أستاذا عاديا. كان ملهما بكل ما تعنيه الكلمة يسمع طلابه ويعطيهم مساحة كبيرة لإبداء الرأى والاختلاف بل ويسعد باختلافهم معه وبآرائهم النقدية وإن كانت موجهة إلى أعماله، يساعدهم على أن يكونوا أنفسهم ولا أكثر من الشواهد التى يمكن أن نحكيها عن هذا الأمر.

وتتابع لـ"مبتدا" حين استقبلنا فى عامنا الدراسى الأول طلب منا فى أولى محاضراته أن تقوم مجموعة منا بإعداد المحاضرة التالية عن علاقة الأدب بالفكر المعاصر، وحينها بادرت بإبداء رغبتى فى إعداد المحاضرة، وصعدت المنصة فى المحاضرة التالية بالفعل لمناقشة ما أعددته مع زملائى، فوقف أستاذى العزيز جانبا، وظللت أنظر إليه حينا منتظرة أن يطلب من زملائى التزام الهدوء، لأبدأ فى عرض محاضرتى، وحينها فهم نظراتى وقال لى (لن أفعل شيئا تصرفى)، فبدأت الحديث ومضت المحاضرة على نحو أحسبه جيدا. لكن الأهم مما دار فى المحاضرة، هو ذلك الدرس الأول الذى تعلمته من البحراوى أن أكون على قدر ما أمر به من مواقف، وأن المواقف قد تساعدنا على اكتشاف قدرات لم نظن يوما أنها بداخلنا ولو تقدم أحد لمساعدتنا ربما تظل هذه القدرات فى مكمنها دون حراك، كما علمنى ألا أستصعب شيئا وأن أثق بقدرتى على الفعل مهما كانت الصعوبات، سيد البحراوى وإن فارقنا بجسده، فإنه حى فى كل من علمهم وأثر فى تكوينهم.

وتقول سحر محمد، مدرس الأدب الأندلسى، بقسم اللغة العربية بآداب القاهرة، عن البحراوى، إنه طاقة الأمل والتشجيع والتمرد تلك الطاقة التى يستطيع من يمنحها أن يغيرك ويحولك من شخص إلى شخص آخر، هذه الطاقة هى سر من أسرار البحراوى وسحره الخاص، كان أول لقائى بأستاذ جامعى هو لقائى بأستاذى الدكتور سيد البحراوى فى مدرج 78 أعرق مدرجات كلية الآداب، وكان لقاء فارقا ما زلت أذكر كل تفاصيله مجسدا أمام عينى.

وأضافت لـ"مبتدا" أن البحراوى كان يعى تماما خصوصية أول لقاء بطلابه، يعى أنه سيلتقى بأغلب المحبطين، فى محطة الثانوية العامة فى مجتمعنا، المتألمين المتحسرين على مستقبل فاتهم فى كليات القمة، حسب تعبير المجتمع أيضا، هو مدرك أنه سيدير نقاشا يصحح فيه العديد من المفاهيم، فيدير نقاشا حرا مع طلابه ويمنحهم من تلك الطاقة ما يصنع منهم بعد ذلك أديبة لامعًا، أديبا لامعا، أستاذة وأستاذا جامعيا، ناقدا وناقدة متميزة.

وتابعت سحر، حين شجعنا على النقاش فى تلك المحاضرة، وحين لاحظ ارتباكى حفزنى قائلا: "اصعدى إلى هنا ـــ حيث يقف هو على المنصة محاضرا وتحدثى بشجاعة فإنه مكانك فى المستقبل" لا أدرى أكانت نبؤة منه أم محض تشجيع، لكنه فى كل الأحوال قد منحنى بها الأمل القادر على تحقيقها، وتوالت مواقفى مع البحراوى بعد ذلك، ومع توالى المواقف وما نكتسبه منه من قيم وما نستشعره فى حضوره من قوة كان ينتابنى الخوف من فقده إلا أن هناك أناسا ينحتون فى ذاكرتنا وأرواحنا ما لا يؤثر فيه أى غياب، فمحبتى لك ممتدة أستاذى الحبيب حيا وباقيا فى قلوبنا.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز