أردوغان
وكانت هذه هى الحيلة الجديدة لإعادة الخارطة العربية والإفريقية تحت سطوة الاحتلال التركى، ففى تونس والسودان وليبيا وسوريا، وحتى مصر الناجية الوحيدة تقريبًا من تلك الفتن، وفى إفريقيا كلها، لازالت هدفًا يُصوب إليه الحاكم التركى وحزبه الإخوانى أطماعهم.
الإسلام السياسى.. ورقة رابحة لبعض الوقت
«المساجد ثكناتنا، والقباب خوذاتنا، والمآذن حرابنا، والمؤمنون جنودنا».. استعارة بلاغية استجدى بها الرئيس التركى أردوغان مشاعر الموهومين بمشروع الإسلام السياسى داخل المنطقة العربية، لأجل تحقيق أطماعه التوسعية..
إنه رجب طيب أردوغان، صاحب مشروع سلطوى إمبراطورى، امتطى مشروع الإسلام السياسى لاسترجاع الإمبراطورية العثمانية البائدة، وكثيرًا ما لعب على وتر "القدس" فى استثارة مشاعر المسلمين، ولا بأس من استخدم الدراما التركية لتحقيق أحلامه، فالسلطة والمصالح هدفه بأى الوسائل كانت!

«داعش- أردوغان».. إرهاب إشاعة الأرض
ويجعل الإسلام السياسى من فكرة إشاعة الأرض للأتباع هدفًا وتوجهًا لأتباعه، هذا بالإضافة إلى تكفير المخالفين حتى لو كانوا فرق مسلمة، وهى ذات الأفكار التى عمل داعش وفقًا لها، عندما سمح لنفسه بتهجير المخالفين واستباح أعراضهم وأموالهم تحت اسم الله، وهو فى الحقيقة يشوه منهج الله ويضرب بكلامه عرض الحائط.
خلال العقدين الأخيرين انتشرت جماعات الإسلام السياسى عبر الدول العربية، وبدأت تتمحور حول هدفها، وهو "إعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية البائدة"، ودأبوا على استخدام الوسائل الترويجية الممكنة لهذا الغرض عبر الزوايا والمساجد فى الدول العربية لجذب المزيد من المريدين والموالى، ومواقع السوشيال ميديا بما انتشر عليها من حكايات وهمية ومختلقة عن عدالة العثمانيين، أو مقاطع فيديو تحمل خطباً عنترية كاذبة لأردوغان، بهدف تسويغ عودة العثمانيين الجدد.

جماعة الإخوان.. والٍ جديد لحساب العثمانيين
ومع اندلاع ما سمى بثورات "الربيع العربى"، وجدت تركيا فرصتها للبدء فى تنفيذ مخططها الاستعمارى بين البلدان العربية، فاستنفرت تلك الجماعات الدعوية، وحولت نشاطها إلى العمل المسلح لفرض الحلم العثمانى بقوة السلاح فى مناطق، وبتلون السياسة يدعمها ترويع المواطنين فى مناطق أخرى.
وكانت جماعة الإخوان الإرهابية ذراع أردوغان الممتد فى الدول العربية، فقد باعت الجماعة نفسها للأتراك وحزب العدالة والتنمية للحصول على التمويل والتوجيه فى محاولة للعب دور الوالى قديمًا باعتباره السبيل الوحيد المتاح أمام الإخوان للوصول إلى السلطة، وبدأت فعليًا الجماعة الإرهابية تلعب دور الوالى المعروف تاريخيًا لحساب العثمانيين الجدد باعتباره السبيل الوحيد أمامها للوصول إلى السلطة، خصوصاً وأن 80 عامًا من العمل تحت الغطاء الخيرى أو حتى المسلح فى بعض الفترات لم تحقق للجماعة هدفها.
وبالرغم من أن موعد الثورات التى ضربت الدول العربية كانت نوعاً من المفاجأة للعثمانى الجديد أردوغان، إلا أنه بات مضطرًا للتعامل مع هذا الواقع فى محاولة لتحقيق أطماعه التى ظل يخطط لها مع جماعته، وهنا وجد ضالته فى جماعات الإخوان المسلمين لتحقيق حلمه ومشروعاته التوسعية غير المشروعة على حساب العرب، فاستخدام السلاح لديها مباح، وطمعها بالسلطة سيدفعها للتحالف مع الشيطان عملاً بمبادئ مكيافيلية دفعت الجماعة لاستخدام الدين من البداية وسيلة لتحقيق أطماعها.

الإخوان بوابة أردوغان.. ومصر حولتهم "مطاريد"
اعتبر أردوغان أن المنطقة العربية مجرد ساحة رخوة يمكنه السيطرة عليها وقتما يشاء، فهو يراها جزءًا من إمبراطوريته العثمانية البائدة، إلا أنه أدرك تمامًا أن مصر والسعودية على وجه الخصوص سيقفان دائمًا كعائق أمام تحقيق أحلامه الاستعمارية، لذا سعى دائمًا لمحاصرتهما بالتوسع فى المناطق المحيطة بهما أو حصارهما من الداخل باستخدام جماعات الإسلام السياسى والإخوان.
وجاءت تجربة أردوغان والإخوان فى مصر كصفعة قوية أفقدتهم صوابهم، ودفعتهم للانهيار، لتنهار معهم مشروعات الإسلام السياسى فى المنطقة كلها، وتبدأ مصر ثورة حازمة ضد تلك المشروعات الهدامة، لتنهى تواجد الإخوان بالمنطقة العربية والإفريقية، وتحولهم إلى "مطاريد" يحاولون لملمة قوتهم من فتات الموائد التركية والقطرية، مقابل تنفيذ عمليات إرهابية أدركوا أنها لا تزيد مصر إلا قوة.

تلاحم المصريين يقلب موازين القوى
بعد تنحى الرئيس محمد حسنى مبارك عن الحكم فى 11 فبراير 2011، قررت جماعة الإخوان أن تنقض على الساحة، وببدء التحضيرات سياسية، لإجراء انتخابات مدنية، طرحت الجماعة الإرهابية وجناحها السياسى المتمثل فى حزب الحرية والعدالة آنذاك، محمد مرسى فى الانتخابات، ليعلو الخوف فى قلوب المصريين من وصول الإخوان بتاريخهم الدموى وأفكارهم الفاشية إلى رأس السلطة.
وبمجرد الإعلان عن فوز مرسى بنسبة 51٫7 % فى يونيو 2012، بدأ التدخل السافر من أردوغان فى الشؤون المصرية وبمباركة من الإخوان، وكانت البداية باتفاق "رورو"، لاستخدام الموانئ المصرية لمرور البضائع التركية إلى الخليج، بديلاً عن الموانئ السورية التى أغلقت أبوابها فى وجه أردوغان الذى مول الجماعات المسلحة لزعزعة استقرارها.
وزادت الزيارات بين الطرفين والتبادل الاقتصادى حتى كادت مصر أن تتحول فعليا إلى مستعمرة تركية يتم فيها تطبيق الفكر الإخوانى.

فشل إخوانى ينتهى إلى عمليات إرهابية
وبغض النظر عن موقف المصريين من الفاشية الإخوانية، فإن الجماعة لم تقدم أى حلول جادة لأى قضية اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية فى مصر، بل سعوا للسيطرة على مفاصل الدولة، ما زاد من الحنق الشعبى ضدهم، وكان سقوط الإخوان فى مصر ضربة موجعة لأردوغان وحكومته، وكان البديل أمامهم هو العمليات الإرهابية، فى محاولات بائسة للنيل من مصر والمصريين، ولكن كانت النتيجة ضربات متتالية للإخوان أدت بهم إلى الهروب إلى مموليهم فى تركيا وقطر خشية الملاحقة القضائية بعد العمليات الإرهابية ورفع السلاح ضد المصريين.
وكانت التقارير تؤكد وقوف الإخوان بدعم تركى وقطرى وراء هذه العمليات الإرهابية.
ومرت أحداث كثيرة تؤكد أن مصر ليست آمنة فى عهد الإخوان، وكانت فورة الغضب تملأ قلوب المصريين، فانتفض الشعب المصرى كله فى وجه الإخوان الإرهابية ومرسى، وعزله الشعب المصرى فى 3 يوليو 2013، حيث لم يتحمل الشعب المصرى فاشية الإخوان وخطرهم على مصر أكثر من شهور قليلة، وتحول مشروع النهضة الإخوانى إلى نكتة بين المصريين، وفشل الإسلام السياسى وبدأ انهيار المشروع العالمى للإخوان من مصر.

فشل نهضة الإخوان.. وانهيار الإسلام السياسى فى تونس
ولم يختلف فشل النهضة فى تونس عنه فى مصر كثيرًا، فقد انهار مشروع الإسلام السياسى فى تونس بفشل محاولات حزب النهضة فى السيطرة على مفاصل الدولة التونسية، إذ كانت ضعيفة للغاية فى مواجهة قوة النقابات والمجتمع السياسى والمدنى، علاوة على أنها كانت عقيمة أيضاً فى تقديم أى حلول للمشاكل التى تعانيها تونس.
وكان الفشل الأكبر للنهضة فى تونس هو سماحها بتمدد السلفية، ما يجدد من أسباب الثورة فى تونس، فعمت الإضرابات فى منطقة سيدى بوزيد وغيرها مرة أخرى، وفشل الإخوان ومن ورائهم أردوغان فى السيطرة على تونس، وانهار مشروع الإسلام السياسى فى تونس أيضًا.

دعم سافر للإرهاب فى ليبيا
أما التدخل التركى فى ليبيا فقد كان سافرًا منذ التدخل العسكرى وإسقاط نظام القذافى، ولم تتورع تركيا من أن تمول الجماعات الإرهابية على أرض ليبيا علنًا، لدرجة دفعت المشير خليفة حفتر لانتقاد الدعم التركى والقطرى للإرهاب فى يونيو 2014، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فخرج المبعوث التركى فى ليبيا، أمر الله إيشلر، ليعلن استئناف الرحلات الجوية التركية إلى مصراتة الليبية التى كانت خاضعة للإرهابيين فى تحدٍ سافر لليبيين وتمويل علنى للإرهاب.
وتجاوز الأمر حدود المنطق عندما كانت الدولة التركية ممثلة فى أردوغان تعقد صفقات وتبرم اتفاقاتها مع جماعة "أنصار الشريعة" التى كانت تتمركز فى بنغازى، وحول أردوغان مطار طرابلس الذى كانت تسيطر عليه مجموعة إرهابية إلى مطار تركى، تمر به 4 رحلات تركية يوميًا لتنقل المسلحين والجماعات الإرهابية إلى الداخل الليبى وتمدهم بالسلاح، وفجّر خفر السواحل اليونانية مفاجأة من العيار الثقيل عندما ضبطوا سفينة شحن تركية على متنها مواد متفجرة كانت فى طريقها إلى الجماعات الإرهابية فى ليبيا.
لا مواربة مع الإرهاب التركى على أرض ليبيا
الليبيون فطنوا إلى الأمر، ولم تعد المواربة أمرًا مقبولاً فى مواجهة الدعم التركى والقطرى للإرهاب، ففى أحد التصريحات يؤكد محمد التركى، عضو مجلس حكماء ليبيا، أن التدخل التركى فى مصراتة لم يعد شيئًا خفيًا، أو قابلاً للإنكار، لافتًا إلى انتماءات أردوغان الإخوانية التى لا تخفى على أحد، وسعيه لإحياء إمبراطورية العثمانيين البائدة.
وأكد عضو مجلس حكماء ليبيا، أن أمر الله إيشلر، مبعوث أردوغان الشخصى إلى ليبيا، هو واحد من أبرز عناصر الإخوان، إضافة إلى علاقته الوطيدة بأحد أبرز شخصيات التيار الإسلامى واللاجئ فى اسطنبول بشكل دائم، على الصلابى، إضافة إلى شخصيات إخوانية أو منتمين آخرين لتيار الإسلام السياسى، مثل المفتى السابق الصادق الغريانى، وقائد الجبهة الإسلامية عبد الحكيم بلحاج، والإسلامى المتشدد عبد الوهاب القايد.
وكانت بداية الوعى المجتمعى الليبى بخطورة الغزو التركى هى مفتاح انهيار مشروع الإسلام السياسى برعاية أردوغان على أرض ليبيا، فقد ساد شعور بأن الشعب الليبى يتعرض لغزو خارجى تركى، تحكمه أطماع أردوغان فى المنطقة بهدف إعادة ليبيا إلى ولاية عثمانية، واستمرت معركة حفتر فى تحرير ليبيا من الإرهاب من الغزو التركى الممنهج، حتى أتت على آخر معاقلهم فى درنة.
أردوغان يبحث عن إرث عثمانى قديم فى إفريقيا
كانت إفريقيا جزءًا أصيلاً من دائرة الأطماع التركية، إذ يرى فيها أردوغان إرثاً قديماً، فسعى بمشروعات للتمدد السياسى فى البلدان الإفريقية من باب الدعم الاقتصادى، فى محاولة لخلق طوق عثمانى يحاصر به مصر ودول الخليج وتهديد الأمن القومى للدول العربية، فكانت السودان وتشاد فى مقدمة الدول التى سعى أردوغان لبناء مناطق نفوذ جديدة له فيها.
أطماع تركية لا تتوقف فى إفريقيا
سعى أردوغان للاستفادة من جماعات الإسلام السياسى واللعب بها كورقة سياسية فى العديد من البلدان الإفريقية، ولم يتوقف الأمر عند السودان، فقد وسع الرئيس التركى رجب طيب أردوغان من تحركاته فى كل من الجزائر وموريتانيا ومالى والسنغال، سعيًا وراء أهداف مستترة لتركيا.
ولم يكن المحدد الاقتصادى هو الهدف الوحيد وراء تحركات أردوغان فى المنطقة، فهو يسعى كذلك إلى إيجاد نفوذ داخل الجغرافية السياسية الممتدة من الشرق الأوسط إلى عموم القارة الإفريقية، وبالتالى إيجاد منفذ مستقر على المحيط الأطلسى عبر بوابة الجزائر وموريتانيا، وبناء قاعدة عسكرية وموانئ لخدمة النفوذ التركي.
ويبدو أن الرياح تأتى بما لا تشتهيه سفن أردوغان المليئة بالأطماع، فقد كانت ضربة موريتانيا للإخوان مؤخرًا وتراجع مشروع الإسلام السياسى فى الجزائر وإعلان البلدين الحرب على الإرهاب ضربة للأحلام التركية، وإذا كان إعلان بداية النهاية للإسلام السياسى وأطماع أردوغان بدأت من مصر، فإن علامات النهاية للمشروع اتضحت فى موريتانيا بضربة حزب "تواصل" الإخوانى فى انتخابات شعبية.

كما تسعى أنقرة إلى منافسة المملكة المغربية، بضم حليفى المغرب التاريخيين والروحيين السنغال ومالى، هذا بالإضافة إلى مشروع القاعدة العسكرية التى دشنتها تركيا فى الصومال مؤخرًا، تحت ستار التنمية والتجارة وتعزيز النفوذ.
خداع باسم القضية الفلسطينية
إن المسارات المتباينة لتركيا بقيادة أردوغان تؤكد أنها تهدف إلى أطماع غير مشروعة على حساب المنطقة العربية خصوصًا والشرق الأوسط عمومًا، واللافت هو استخدام مجموعات من داخل تلك الدول لهدمها، ولطالما استخدام أردوغان سياسة التحرش وتلون الحرباء لأجل الترويج لنفسه ولمشروعه الاحتلالى.
«نحمل مشاعر جيش صلاح الدين الأيوبى وهو يتقدم نحو القدس».. هكذا كانت القضية الفلسطينية جزءًا محوريًا فى تلون الحرباء، فامتلأت خطابات أردوغان بالعنتريات عن القدس وتحريرها، فيملأ الدنيا صراخًا لتجييش العواطف، فى الوقت الذى كانت فيه تجارته ترتفع مع إسرائيل إلى أرقام فوق وصف التطبيع!
شعارات كاذبة تخفى وراءها أطماع المحتل
واستخدم أردوغان سياسة استجداء العواطف مع الشعوب العربية، مستغلاً كل ما يمس المنطقة، ثم المتاجرة به والانقلاب عليه، ورغم أنه أول من اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، إلا أنه استغل القضية الفلسطينية كشعارات وتهويل وصراخ فى الإعلام والخطابات حول القدس، بل واستخدم القضية لإعادة علاقات التطبيع بينه وبين إسرائيل.
وفى الفترة التى كانت تقول تركيا إنها قطعت علاقاتها مع إسرائيل، كان ميزان التبادل التجارى بين البلدين يشهد ارتفاعاً غير مسبوق، وهو ما كشفته صحيفة يديعوت أحرونوت ، ولم يكن التطبيع بعيدًا عن بيت أردوغان، فكان ابنه الأكبر أحمد براق أردوغان، صاحب شركة MB للنقل البحرى، يفاوض ويعقد صفقات متتالية مع "تل أبيب"، وهى التجارة التى لم تتوقف أو تنقطع حتى فى ذروة ما قيل إنه "أزمة العلاقات التركية – الإسرائيلية".
ومنذ تسعينات القرن الماضى، تعمل شركات البناء التركية على بناء المستوطنات الإسرائيلية على الأراضى الفلسطينية، ومنها على سبيل المثال شركة "يلمز لار" التركية.
وفى 27 يونيو 2016، توصل الطرفان الإسرائيلى والتركى فى العاصمة الإيطالية روما، إلى تفاهم حول تطبيع العلاقات بينهما، ووافق عليه البرلمان التركى فى 20 أغسطس 2016، ولكن تطبيع العلاقات خيّب آمال الفلسطينيين، إذ استبعد أردوغان من شروط إعادة التطبيع قضية رفع الحصار. ليس هذا وحسب، بل كتب فى نهاية اتفاقية التطبيع، التى وقعت عليها تركيا «القدس عاصمة إسرائيل وأنقرة عاصمة تركيا»!