البث المباشر الراديو 9090
العثمانيين
امتزجت طموحات الاحتلال العثمانى بتوجّه الفاشية الإخوانية الذى يمثله الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، فلا تريد تركيا أن تتخلى عن إرث الإمبراطورية البائدة وجباية المال من العرب، ولا يرى أردوغان سبيلاً للاستمرار سوى ببيع أوهام الخلافة العثمانية من جديد!

القصة بدأت منذ مالا يتجاوز 10 قرون من الزمان، عندما كان الأتراك مجرد قبائل رعوية لا حضارة لها، تعيش فى شمال غرب الصين، شأنهم شأن القبائل المتنقلة من مكان إلى آخر، تصادمت تلك القبائل مع التجمعات الحضارية، حتى استقر بها الحال فى منتصف القرن الثانى عشر ميلاديًا فى منطقة آسيا الصغرى.

عثمان غازى واحتلال البلقان

وبدأت وقائع نشأة الدولة العثمانية "تركيا"، عندما تولى أمرها عثمان غازى، الذى ينسب إليه مسمى الدولة العثمانية، بالقرب من حدود الدولة البيزنطية التى كانت تعيش طور اضمحلالها آنذاك، وخلال الصراع بين أباطرة بيزنطة، استعان أحدهم بعثمان وجيشه، الأمر الذى فتح الطريق أمام العثمانيين لاحتلال البلقان فى منتصف القرن الثالث عشر، حسبما يروى الدكتور عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة حلوان.

وتمكنت قبائل العثمانيين فى النهاية من فرض سيطرتهم على البلقان، وفى منتصف القرن الـ15، وتحديدًا عام 1453، تمكنوا من دخول القسطنطينية وإسقاط الدولة البيزنطية، وأطلقت عليها اسم "إسلام بول"، واتخذتها عاصمة لها.

نهب البلدان العربية

المشكلة أن طبيعة القبائل الرعوية العثمانية التى لم تعرف الاستقرار ضاقت عليهم التوسعات فى أوروبا، وانهزموا أمام النمسا وروسيا، فاتجهوا مطلع القرن السادس عشر إلى بلاد العرب التى ظلت تحت سيطرتهم أربعة قرون، وكان ما يهم العثمانيين هو المال، وكل ما يحقق لهم هذا المال، فجردوا البلدان العربية من كل ما هو قيم، حتى أنهم أسروا العاملين والصناع المهرة، لبناء إمبراطورية عثمانية تخدم رفاهية هؤلاء الأتراك.

ولم يترك العثمانيون البلاد على حالها، بل ضمنوا جباية المال بتعيين ولاة يكونوا مسؤولين عن جباية هذا المال من الأراضى العربية، ويكفى أنه فى عهد العثمانيين ظهرت مهنة جديدة هى "السروجى"، ووظيفته جمع الأموال من الولايات المختلفة، ولم يكن للود مكانًا بين العرب والعثمانيين من البداية، حتى وإن كان العثمانيين يدينون بالإسلام مثل العرب، إلا أن العرب لم يعتبروا هذا الغزو التركى فتحًا أبدًا، وبقيت العلاقة الاستعمارية هى سيدة الموقف، فقد كان السلب والنهب الذى مارسه الأتراك فى بلاد العرب كفيلاً بترسيخ فجوة كبيرة بين الطرفين، ولخص باحثون تلك العلاقة فى ثلاث كلمات هى: "المال والسيادة والسيطرة".

عزلة حضارية.. خيول المماليك فى مواجهة مدافع فرنسا

المشكلة الحقيقية فى الاحتلال العثمانى أنه فرض على بلاد العرب عزلة كاملة طوال ثلاثة قرون، حتى جاءت الحملة الفرنسية على مصر ومن بعدها الشام عام 1798، لتكون بمثابة صدمة حضارية، استفاق خلالها العرب على واقع التخلف والجهل الذى تركهم فيه ذلك الاحتلال التركى الكريه، وللقارئ أن يتخيل كيف تصور المماليك المحكومين بالعثمانيين فى مصر أنهم سيواجهون دانات المدافع الفرنسية ممتطين خيولهم، وما إن سمعوا دانات المدافع حتى فروا مرددين: "يا خفى الألطاف نجّنا مما نخاف"!

ويؤكد الدكتور عاصم الدسوقى، أن العثمانيين ليسوا سوى غزاة ومستعمرين احتلوا بلاد العرب أربعة قرون، مثلهم مثل الاستعمار الفرنسى والبريطانى، واستنزفوا ثروات العرب وأورثوهم الضعف والتخلف، فهو يرى أنه لا يجوز وصف دخول شعب مسلم لأرض شعب مسلم آخر بالفتح، فذلك منافٍ للعلم والتاريخ.

العثمانيين الجدد.. احتلال بثياب الفاشية الإخوانية

المشكلة الحقيقية هى أن كتب التاريخ المدرسى فى كثير من الدول العربية لم تتعامل مع ذلك الاحتلال التركى على محمل الجد، واعتبروه "تحصيل حاصل"، ولم تركز المناهج بالشكل الكافى على ذلك الاحتلال كمغتصب لحقوق البلاد والعباد بذريعة أنه كان محتل مسلم مرة، وبذريعة أنه اكتفى بولاة الجباية، أو حتى لحسابات سياسية أخرى، حتى رأينا ذلك الاحتلال يعود من جديد وفى نفس الثياب.

إلا أن عودة المحتل العثمانى هذه المرة كانت ممزوجة بفاشية الإخوان واستحلالهم لسفك الدماء، بطول تاريخهم وعرضه، حتى ظهرت الجرائم التركية بحق الشعب السورى فى عفرين وإدلب أولى البلدان التى تمكن العثمانيين الجدد بزعامة أردوغان، من التسلل إليها بعد ضربها بالفتن وجحيم ما أسموه بـ"ثورات الربيع العربى".

وفى كل مرة يكون الاحتلال التركى للعرب برعاية غربية وباتفاقات ومساومات مع دول أوروبا والغرب، وهو ما ظهر جليًا فى الصفقات حول المناطق السورية مؤخرًا.

وتسعى كثير من صفحات السوشيال ميديا وكتائب الإخوان الإلكترونية لتزيين صورة المحتل التركى أو العثمانى، مرة بدراسات مزيفة عن مزايا ذلك الاحتلال، ومرة بفيديوهات تمثيل لوقائع تاريخية مزيفة، ومرات عديدة بصفحات تحمل الصبغة الدينية وتبث سموم الدعاية لمحتل غاصب.

وكلاء أردوغان يمهدون لاحتلال العرب

من تمويل الإخوان والتحالف معهم فى مصر ودول عربية أخرى، إلى تمويل جماعات مسلحة من المتشددين، سواء المنخدعين بفكرة أو المرتزقة بالمال، لم يفوت الرئيس التركى الحالى رجب طيب أردوغان فرصة، وسعى بكل طريقة لإعادة فتح الطريق أمام العثمانيين الجدد، إلا أن الدول العربية التى انتفضت من سطوة الاحتلالات التى جرها عليهم احتلال العثمانيين الأوائل يأبون أن يكرر التاريخ مأساته على أرضهم، فخرج الشعب المصرى يرفض حكم الإخوان والمرشد، والى العثمانيين فى 2012، ويواصل الشعب السورى، ومن بينهم مجموعات الأكراد المنكل بهم، نضاله ضد المحتل التركى، رافضًا لجرائمه بحق الأرض والشعب المكلوم، رغم سنوات من الصراع مول فيها الرئيس التركى جماعات تقسيم سوريا.

دولة إخوانية فى الشمال السورى

بعد فترة تجاوزت السبع سنوات من تمويل المسلحين من إرهابيى النصرة وجبهة أحرار الشام وغيرها من الجماعات الإرهابية المسلحة على أرض سوريا، والتى أسمت نفسها كذبًا بـ"المعارضة السورية"، رأى أردوغان أن الأرض باتت ممهدة ليدخل إلى الشمال السورى فى عفرين بقواته محتلاً، لتكون قاعدة انطلاق يحقق منها أحلامه فى استعادة الإمبراطورية العثمانية على حساب العرب، وبدأت بالفعل هجمات الجيش التركى على عفرين مطلع عام 2017، وكان هدفها إحداث تغيير ديموغرافى للشمال السورى، وتهجير السكان من موطنهم الأصلى، لا سيما وأن أغلبهم قبائل كرديه من أعداء أردوغان ومنازعيه على السلطة داخل بلاده.

وفى مارس 2018، كشف المتحدث الرسمى لوحدات حماية الشعب الكردية فى عفرين، بروسك حسكة، عن مخططات تركيا لإيجاد ممرات من مدينة الباب السورية، التى تقع تحت سيطرة الجيش التركى إلى محافظة إدلب لإقامة دولة إخوانية تترعرع وتتمركز فيها العناصر المتطرفة.

وأوضح حسكة، حينذاك، أن هناك 1.2 مليون شخص مدنى سورى حياتهم فى خطر داخل عفرين، وتتعاظم المأساة بعد سيطرة الأتراك على السد الذى يغذى المدينة بالمياه، فضلاً عن قصف شبكات الاتصالات، إلا أنه أكد إصرار المقاومة على الاستمرار، وأن أهالى المدينة المتمسكون بأرضهم لن يخرجوا منها، رافعين شعار "لن نخون أرضنا أو ترابنا.. فليس أمامنا سوى المقاومة أو الشهادة".

وقال: "إن الحرب التى تقودها تركيا على الشمال السورى، حرب قذرة لا تفرق بين العسكريين والمدنيين وسط القصف العشوائى لمنازل المدنيين أكثر من استهداف العسكريين".

وأشار حسكة إلى أن "المخاوف من ارتكاب مجازر من جانب الجيش التركى والمرتزقة المشاركين معه، بحق المدنيين فى مدن بنواحى عفرين، تجعل قوات حماية الشعب تتراجع؛ ما يوهم الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، بأنه على بعد خطوة من قلب المدينة".

وأشار المتحدث الكردى إلى الصمت العالمى الذى جعل من أردوغان يقتل الجميع أطفالاً ونساءً، ما يعنى أنه تلقى ضوءًا أخضر، لارتكاب أكبر المجازر فى نواحى عفرين، موضحًا بشاعة أردوغان فى تدمير قرى بأكملها وقتل عوائل فى عفرين، فى ظل سياسة الأرض المحروقة التى يتبعها الجيش التركى ضد سكان المنطقة.

كما حذر حسكة من لعبة دولية قذرة أطلقت يد أردوغان فى الشمال السورى!

تقسيم سوريا.. بوابة العثمانيين الجدد لفرض الاحتلال

كلما ضاقت الأرض على أردوغان داخل بلاده، وانهارت الأوضاع الاقتصادية فى بلاده وبات مكشوفًا أمام الشارع التركى، سعى لتحقيق انتصار زائف خارج البلاد، فمرة يركز ضرباته على الأكراد، ومنهم شركاؤه فى البلاد، ومرة أخرى يواصل احتلاله فى الشمال السورى، لتتحرك الأحداث بوتيرة متسارعة على محور الشمال السورى، بما فيه إدلب وعفرين، وتستمر مساعى الرئيس التركى لتأخير الحل فى سوريا للبحث عن فرص لإقناع الجميع بـ"التقسيم" كأمر واقع، معتبرًا أن الشمال غنيمته من الكعكعة السورية.

بينما على الجانب الأخر أتت الرياح بما لا تشتهيه سفن العثمانيين الجدد وزعيمهم أردوغان، فقد تمكن الجيش السورى، بمعاونة حليفه الروسى، من القضاء على الجماعات المسلحة المدعومة من أردوغان فى كافة الأراضى السورية، بما فى ذلك آخر جيب لتلك الجماعات المسلحة، التى تسمى نفسها بالمعارضة المسلحة، فى جنوب البلاد والغوطة.

واستطاع الجيش السورى وحلفاؤه الروس أن يبسط سيطرته بشكل أكبر فى البلاد وأصبحت صاحبة الحدود مع الأردن وإسرائيل أيضًا، أما تركيا فاستفادت من ضرب الكرد تماشياً مع مشروعها فى إبادتهم بشتى السبل، خوفًا من أن تقوى شوكتهم حول حدود تركيا وبالتالى يقوى الأكراد داخل تركيا نفسها، حيث يسيطرون على أنحاء كثيرة منها وينازعون أردوغان وحزبه على السلطة.

وعبر الأشهر الماضية، سعى أردوغان لتقديم التنازلات الواحد تلو الأخر، للدب الروسى القوى، أملاً فى تأخير عملية تسليم إدلب ومناقشة الدستور الجديد فى البلاد، لذلك عقد اجتماع ثلاثى بين روسيا وتركيا وإيران، ثم اجتماع بين روسيا و تركيا فى سوتشى ليتفقا بشكل مؤقت على مناطق "منزوعة السلاح" بإدلب وريف حلب الغربى.

وفى كل يوم يتزايد الامتعاض الغربى من ناحية، والضغط الروسى على تركيا من ناحية أخرى، ومن هنا أصبح أردوغان فى موقف حرج، ما جعله يتخبط فى قراراته، فلجأ إلى قمة رباعية فى اسطنبول من أجل التخفيف والتهدئة ومحاولة كسب أى فتات من سوريا وحليفه الروسى، ولم يتم الإعلان عن نتائج لهذه القمة، ما يعنى أن الجانب الروسى تمسك بخروج تركيا ومسلحيها من الأراضى السورية، وهنا لم يجد الزعيم التركى المحصور بين غضب شعبه والمطاردة السورية لقواته وميليشياته المسلحة، إلا أن يلعب على وتر خلق الفوضى على الحدود شرقى الفرات، وهى المنطقة التى تحميها قوات سوريا الديمقراطية من الأكراد والتحالف الدولى التى تضم قوات ألمانية وأمريكية، أصبحت مشتتة أصلاً بعد سيطرة سوريا وحليفها الروسى على كامل الأراضى السورية تقريبًا.

مساومات دولية على أرض سوريا

تقول الكاتبة الأمريكية ميردث تاكس، أن أردوغان حاول استرضاء الغرب باختراع قصة مقتل الصحفى خاشقجى، لاسترضائهم عن ممارساته فى الشمال السورى، لافتة إلى أن دول الغرب باتت تنظر لأردوغان على أنه يمارس ما يرضى الطرف الروسى، وفى نفس الوقت يأمل أردوغان أنه يترك له الروس مجالاً ليرسل القناصة والطائرات لضرب الشمال السورى، ليكون نصيبه من هذه الحرب، لافتة إلى أنه فعل ذلك من قبل.

وتشير ميردث إلى أن ألمانيا وأمريكا منشغلتان جدًا بالانتخابات المحلية، لاسيما وأن ميركل فقدت الكثير خلال الجولة الانتخابية وترامب يقوم بالحشد على حدود المكسيك ويهدد أمريكا اللاتينية قبيل انتخابات الكونجرس، الأمر الذى قد يجعله وجهاً لوجه أمام قادة البنتاجون، وبسبب هذا الانشغال، حاولت تركيا استفزاز الجيش الأمريكى فى شمال سوريا وحلفائه من قوات سوريا الديمقراطية.

وتشير الباحثة الأمريكية إلى أن الجانب السورى وحلفاؤه الروس قد يقبلون بذلك مؤقتًا للتخلص من قوات التحالف الغربى فى البلاد، إضافة إلى السيطرة على مساعى الأكراد للاستقلال بالشمال السورى بعيدًا عن سلطة الحكومة السورية، وهو الأمر الذى سترفضه حكومة الأسد تمامًا.

بمخططات الفوضى.. تركيا تسعى للبقاء فى سوريا

كما يؤكد الدكتور متين فيرى، الأستاذ بجامعة ساسكس البريطانية، أن تركيا تستغل صمت وانشغال الدول الأوربية بموضوع اللاجئين gضرب الشمال السورى، لافتًا إلى أن "سياسة الدول الأوروبية (فرنسا وألمانيا بشكل خاص) تجاه سوريا وتركيا يتم تحديدها من خلال سياساتها الداخلية من ناحية ومصالح جغرافية استراتيجية أوسع فى مواجهة روسيا بشكل خاص، وعلى المستوى الداخلى، لا يمكن للحكومات الحاكمة فى فرنسا وألمانيا تحمل تدفق جديد للاجئين، وتعرف تركيا هذا فتستخدم هذا الوضع، كما استخدم فى الماضى، لاستخراج تنازلات دبلوماسية وسياسية من أوروبا.

ويضيف متين: "التنازل الأساسى الذى تسعى تركيا إلى تحقيقه هنا هو الصمت العالمى والعملى لهذه الدول فيما يتعلق بمحاولات تركيا احتلال الشمال السورى، مع تزايد الاحتكاكات بين الغرب وروسيا، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة القوى النووية مع روسيا INF، حيث تسعى الدول الأوروبية أيضاً إلى إبقاء تركيا خارج المدار الروسى قدر المستطاع، ما يشير إلى احتمالات السماح للأتراك بضرب الشمال السورى ثانية.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً