الإرهابيون
استثمر ذلك جماعات التطرف فى تأجيج مشاعر الشباب وتحفيزهم على القيام بعمليات انتحارية للفوز بحور لا يشبهن نساء الدنيا، لا يتطلب الزواج منهن مهرا، جمالهن لا يضاهيه جمال، واسترسل البعض فى وصف هؤلاء الحور العين فبلغوا حدًا لا يقبله منطق، فى مقابل وجد الأمر تسفيها وتشويها وصل إلى حد الإنكار والهجوم على الأحاديث وما يذخر به التراث الإسلامى.

ويجد الكثير من عناصر التنظيمات الإرهابية ضالتهم لتحريض الشباب على الانتحار فى الإعلان عن تلك الجائزة الثمينة، فلا يمكن لشاب وجد صعوبة فى الزواج فى تلك الدار التى يغلب عليها الفقر وغلاء المهور والمعيشة، أن يتجاهل خطابا يجعله أمام حوريات كاملات الأوصاف، لم يطمسهن إنس قبله، فترتكز أغلب خطابات العناصر الإرهابية على التغنى بأوصافهن، وخير دليل على ذلك ما قاله قيادى بأحد التنظيمات، داعيا الشباب إلى القيام بعمليات فدائية على حد زعمه: "اسمحوا لى أن أغزو عقولكم على عجل ببعض وصفهن لحسن جمالهن.. وحتى تغضوا أبصاركم عن زينة الدُنيا وتجعلوها شاخصةً للمعالى تخطبون بها حورية حسناء"، كما يردد زعيمهم أبوبكر البغدادى فى جميع خطبه أن هناك 72 حورية لمن يُقتل من عناصر تنظيمه الإرهابى.
الحور العين فى القرآن
يصور لنا القرآن الكريم فى مواضع عدة، ما هيئه الله لعباده الصالحين من نعيم مقيم جزاء لما قدموه من طاعة استحقت أن يكون لهم تكريما خاصا، ومن بين مظاهر التكريم ما أورده القرآن بشأن ما أعد من حوريات بالجنة، يقول تعالى: "وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"، ويقول أيضا: "كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ"، كذلك: "إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ"، وقوله أيضاً: "فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ فَبِأَىِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ فَبِأَىِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ فَبِأَىِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"، إلى غير ذلك من المواضع والآيات التى تؤكد أن الحور العين جزاء للطاعة والعبادة الصالحة لمن يلقى ربه بحسن الأعمال فيدخله الجنة.
الحور العين فى السنة النبوية المطهرة
ورد فى شأن الحور العين أحاديث كثيرة، منها ما يؤكد أن هناك علاقات حميمية ستحدث بين الرجل من أهل الدنيا وتلك النساء المهيئات لاستقباله فى الجنة، فقد روى عن عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِى الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ: فَإِنَّ الَّذِى يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ تَكُونُ لَهُ الْحَاجَةُ ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَاجَةُ أَحَدِهِمْ عَرَقٌ يَفِيضُ مِنْ جِلْدِهِ فَإِذَا بَطْنُهُ قَدْ ضَمُرَ".
كما روى عن أنس رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِى الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْجِمَاعِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ يُطِيقُ ذَلِكَ قَالَ يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ".
الحور العين وسيلة فعالة لإقناع الانتحاريين
يقول الدكتور ناجح إبراهيم، القيادى السابق بالجماعة الإسلامية، إن الجماعات المتطرفة تلعب بشكل منظم ومنهج على عواطف الشباب، وتستغل ارتباطهم بالدين، تارة بمحاولة إقناعهم بأفكار مغلوطة وخارجة عن تعاليم الإسلام وإقناعهم أيضا بأن حروبهم ضد الدول جهاد، وتارة أخرى بإقناع العناصر التى تقوم بعمليات تفجيرية بأنهم سيفوزون بالحور العين، وما لها من جمال وسحر غير قابل للوصف، وإتاحة ما يسمى بجهاد النكاح من أجل إشباع رغبة الشباب بالجنس.
وأضاف ناجح إبراهيم فى تصريحاته لـ"مبتدا"، أن الجماعات الإرهايبية تتفق جميعها فى أيدلوجية الخطاب الدينى، إذ تستغل تلك الجماعات الدين زورا وبهتانا فى تبرير أفعالهم الإجرامية، وخصوصا قضية الحور العين، التى أصبحت بالفعل فى عقيدتهم المغلوطة وسيلة فعالة لإقناع الشباب بالقيام بعمليات انتحارية إرهابية، على أمل لقاء الحور العين.
وطالب إبراهيم بضرورة وجود كوادر دعوية قادرة على تصحيح تلك المفاهيم وتفنيدها للشباب بتنبى خطاب معاصر غير تقليدى حتى يكون مؤثرا لدى قطاع الشباب من الجنسين، وذلك برفع شعار الحداثة والتجديد فى الطرح والنقاش، باقتحام وسائل العصر من كافة وسائل التواصل، لجذب جمهور الشباب إلى الخطاب الدعوى المستنير، وبالتالى عندما تحاول الجماعات المتطرفة استقطابه بشكل أو بآخر تجده محصنا وبعيدا عن براثن التطرف بالمفاهيم المعتدلة، وبالتالى تغلق الأبواب أمام محاولاتهم لتجنيد الشباب، مستغلين غياب الثقافة الدينية الصحيحة لدى بعض الشباب.
الحور وسيلة للتحفيز

الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، قال إن التنظيمات الإرهابية تعمل على استثمار مسألة الحور العين كحافز للقيام بعمليات إرهابية فقط، من خلال تصوير للمتعة والنعيم الذى يلقاه الشاب الذى يقدم على الانتحار فداءً لمخططه الساعى لتطبيق الشريعة ومحاكمة المجتمع الكافر والدولة الكافرة على حد زعمهم، مشيرا إلى أن الشبهات الرئيسة عند تنظيم "داعش" تتلخص فى أن الشريعة غير مطبقة وأن المجتمعات تحتكم لشريعية غير ربانية.
وأضاف كريمة فى تصريحاته لـ"مبتدا"، أن المسألة ليست خاصة بالحور العين فقط، وما إن كان المتاع فى الجنة حسى أم معنوى فقط، فالقرآن الكريم أشار إلى أشياء كثيرة من النعيم المقيم فى الجنة، يقول تعالى وزوجناهم، ولهم فيها أزواج، وهو ما يدل على أن متع الآخرة وهى حسية لأهل الجنة وأهل النار، تتضمن مثل تلك النساء الطاهرات المطهرات.
وبشأن طرق مواجهة "داعش"، قال كريمة إن الأمر يتطلب منا أن نعمل على مواجهة الأفكار الرئيسة التى يحوم حولها التنظيم، سواء كانت متعلقة بالجهاد، والدولة الكافرة، والشريعة التى لا تطبق، بأن نبرهن لهم أن الشريعة مطبقة بفضل الله فى بلادنا، وأننا لسنا مجتمعا كافرا كما يزعم هؤلاء، وأن التسليم بما عليه المؤسسات فى الأمور الخاصة بالشرع لا تتعلق بآحاد الناس، مؤكدا أن لجوء البعض إلى نفى الآيات الواردة بشأن الحور العين وسلوك وطرق الفلاسفة أو المتأويلن من الباطنية الشيعية خطر لا يقل عما يزعمه هؤلاء فى أمر الدين ويستبيحون به الدماء والأعراض.
النساء وسيلة مقدسة

أما الدكتورة ريهام عبدالله، مسؤول اللغة الأوردية، فقالت إن انتشار الجماعات الإرهابية بدول آسيا، وتحديدا باكستان وأفغانستان والهند، يختلف تقديرهن بين التنظيمات الإرهابية، ففى عرف القاعدة نجدهم "مفعول به" وليسوا "فاعل" كما هو الحال لدى "داعش" الذى يعمل على التخفى وراءهم والدفع بهن إلى ساحة القتال، موضحة أن أغلب ضحايا العمليات التى تنفذها القاعدة من الأطفال والنساء.
وأضافت خلال تصريحاته لـ"مبتدا"، أن استثمار الحور العين ومتاع الآخرة والجنة، هى وسيلة مقدسة لدى تلك التنظيمات الإرهابية، فأغلب الشباب يعانون من الظروف الاقتصادية وعدم المقدرة على تحصيل الأمور المادية التى تعينه على الزواج، ومن ثم إشباع رغباتهم، فى ظل ظروف ومعاناة اقتصادية تجعل من هؤلاء الشباب ناقما على الحياة، غير مقتنع بالاستمرار فيها، كما أن موته فى تلك العمليات يجعله يحصد مكاسب عدة، منها الدفاع عن دينه، والفوز بمكاسب أخروية قد يصعب تعويضها بالطاعة والعبادة، إلى غير ذلك على حد وصفهم.
وأكدت أن علينا القيام بزرع حافز الحياة ومحبتها، وتوضيح كيف أن الدين جعل لكل شىء فيها أهمية، وأن الإسلام رغب فى الحياة والتسليم بقضاء الله فيها، دون انتهاك للحرمات أو الإقدام على الموت وتعريض النفس للتهلكة، وأن مثل تلك الممارسات يعد إزهاقا للنفس وخدمة لمصالح جماعات لا علاقة لها بالدين أو بمقاصده ويخدمون مصالح وأجندات تبتعد عن سماحة وأخلاق هذا الدين العظيم، وأن الاستمرار فى الطاعة هو سبيل الفوز بنعيم الجنة.
الحياة ليست كلها جنس

ويقول الشيخ على عبد الباقى، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية السابق، إن الحور العين وغيرها من نعيم هو وعد الله فى الآخرة لا الحياة الدنيا، وعلينا ألا نبحث عن هذا النعيم، قبل العمل من أجله، مشيرا إلى أن الحديث عن مكافأة المنتحر بالحور العين ضلال وتضليل لا طائل منه أبدا فلا يمكن لواهب الحياة أن يأمر من يهبه بأن يزهقها ويزهق آخرين دون ذنب وهو القائل "ولا تقتلوا أنفسكم"، وغيرها من الآيات التى تنهى عن قتل النفس أو قتال الغير دون مبرر لذلك وهو القصاص أو دفع العدوان.
وخاطب عبدالباقى الشباب قائلا: "الحياة ليست كلها جنس، والآخرة وإن وجد فيها المتاع العظيم فإنه لا يجب أن يبنى على تلك النظرة الضيقة، فالجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، مؤكدا أن ما يقوله هؤلاء هراء لا يمكن أن نبنى عليه مستقبلنا أو ننهيه بتلك الصورة التى تجعلنا معرضين لغضب الخالق جل علاه، وعليهم أن يسألوا قادتهم لماذا لا تنتحرون أنتم أو تأمرون أبناءكم بهذا؟
وأشار عبدالباقى إلى أن الجنس عامل أساسى فى استقطاب التنظيمات الإرهابية للشباب، سواء تحت ما يسمى ب"نكاح الجهاد" وإشباع رغبات الشباب من الجنسين بالجنس، أو فيما يتعلق بلقاء الحور العين، مؤكدا أن الحياة الآخرة مرتبطة بما نقدمه فى الدنيا من أعمال طيبة تستحق النعيم، فالآخرة لها عمل بما يريده الله، وليس ما يريده هؤلاء الذين لا يطبقون الدين على أنفسهم أولا، فأباحوا واستباحوا لأجل منافع خاصة.