أنجيلا ميركل
فهل تمتلك كرامب- كارينباور شخصية قوية أو صعبة كاسمها؟.. بمعنى آخر، هل بات قدر ألمانيا أن تحكمها مرأة حديدية على طول الخط، أم أن حقبة ميركل غير قابلة للتكرار؟.
تراهن الكاتبة الأولى ورئيسة تحرير هيئة الإذاعة الألمانية، دويتشه فيله، إينس بول، على أن طريق أنجريت كرامب- كارينباور، لخلافة أنجيلا ميركل، فى منصب المستشارة الألمانية، لا يزال طويلًا.. صحيح هى الأقرب لذلك بحكم موقعها الجديد، كرئيسة للحزب المسيحى الديمقراطى، إلا أن ذلك يظل مشروطًا بعوامل عدة.

التحدى الأكبر من وجهة نظر بول بالنسبة لرئيسة الحزب الجديد يظل ميركل نفسها، فبقدر ما منح التشابه الكبير بين الاثنين فى السياسة والاستراتيجية وطريقة التفكير والإيديولوجية، الفرصة لكرامب- كارينباور، كى تتصدر المشهد السياسى الأهم فى ألمانيا حاليًا، إلا أن الأخيرة مطالبة بتقديم طبعة ذاتية أكثر تحررًا وتعبيرًا عن نفسها كى تثبت جدارة فى الداخل والخارج.
تقول إينس بول بوضوح فى مقال لها بعنوان "ميركل ستظل مستشارة"، إنه "بالأساس يتعلق الأمر بما إذا كانت كرامب-كارينباور ستنجح فى تحرير نفسها ممن دعمتها وسلفها فى رئاسة الحزب أنجيلا ميركل، ونجاحها فى اكتساب خبرة دولية تؤهلها لتكون مرشحة مقنعة لمنصب المستشارية".

وظاهر الأمر، أن ما جرى فى مدينة هامبورج مطلع الشهر الجارى لا يعدو إلا مجرد انتخابات داخلية لأحد أكبر الأحزاب السياسية فى ألمانيا وقارتها العجوز، غير أن للقصة وجوه كثيرة أكثر عمقًا، لا تتعلق فقط بمستقبل بلد ميركل ولكن ربما أيضًا بمصير الاتحاد الأوروبى نفسه، ناهيك بانعكاسات لا أول ولا آخر لها على المنطقة العربية جراء التغييرات القيادية التى شهدها تيار المحافظين فى أحد أكثر الأقطاب الاقتصادية تأثيرًا حول العالم.
بفارق ضئيل للغاية تسلمت السياسية المخضرمة المقربة من ميركل، والأمينة العامة السابقة لأهم وأقوى أحزاب ألمانيا، الحزب المسيحى الديمقراطي، كرامب- كارينباور، قيادة الحزب فى وقت عصيب تعيشه ألمانيا والعالم.
هزمت منافسها المباشر، المصرفى ورجل الأعمال الثرى، فريدريش ميرتس، وبعد جولة إعادة، بفارق 35 صوتًا فقط "517 مقابل 482".

كرامب - كارينباور لم تحسم مقعد زعيمة الحزب لنفسها خلفًا لميركل وحسب، لكنها انتصرت للأخيرة ولسياستها ولو بصورة غير مباشرة، أوعبر وضع بعض من رتوش التجميل عليها.
البعض يقول تندرًا الآن أن ميركل ستحكم الحزب، وربما فيما بعد البلاد أيضًا، حتى بعد انسحابها من الحياة السياسية، ولكن من المنزل، فى إشارة إلى أنها ستكون خلف الكواليس فى ظهر كاتمة أسرارها كرامب - كارينباور.
القراءة الحصيفة والموضوعية لاختيار كرامب- كارينباور على رأس حزب قاد ألمانيا على مدار 40 عامًا كاملة "على فترات متقطعة منذ العام 1949، آخرها على يد ميركل بدءًا من عام 2005"، تقول بجلاء، إن تيار المحافظين يصر على التمسك بقيم الوسط، والنأى بنفسه عن الانحدار نحو اليمين المتشدد، فيما أن كيانات اليمين المتطرف والنازيين الجدد وجماعات الكراهية المحرضة على الآخر المسلم والعربى بصفة خاصة والأجنبى بصفة عامة، ستواصل ومن دون شك السباحة ضد أمواج عاتية من قيم تنشد فى مضمونها التسامح وقبول الاختلاف والاندماج، فى حين لا تزال ترفض الانقسام والعنصرية والتطرف والعنف.

أوروبا المتوترة من سترات فرنسا الصفراء وانسحاب بريطانيا من اتحادها القارى القوى، والعالم الأكثر قلقًا على نحو غير مسبوق على وقع الظاهرة الداعشية الدموية، وسياسات ملياردير البيت الأبيض، دونالد ترامب، الحادة والاستعراضية، وتوحش التنين الصينى، والعودة المزلزلة للقيصرية الروسية الجديدة بقيادة فلاديمير بوتين، وقبل هذا وذاك لهيب الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية والدولية فى الشرق الأوسط، ربما قد آن لهما أن يتمتعا وعلى الأقل بنوع من مسكنات "الثقة"، بأن المطبخ السياسى الداخلى لألمانيا، لا يزال يحتفظ بقيادات عاقلة.
صحيح أن خلافة كرامب- كارينباور لميركل، لا يعنى بالضرورة أن تستحوذ على إرثها كمستشارة للبلاد مستقبلًا، لكن زعامة الحزب المسيحى الديمقراطى، تتيح لصاحبها، ولو لم يكن ممثلًا بصورة مباشرة فى السلطة، أن يسهم وبتأثير وحسم كبيرين فى القرارات العليا الألمانية فى الداخل والخارج.
ولطالما تمتعت ميركل بنفوذ قوى فى عالم يسيطر عليه رجال أشداء من شاكلة بوتين وترامب، ومن قبلهما أوباما وبوش الابن وجاك شيراك ونيكولا ساركوزى وتونى بلير وغيرهم، ناهيك بطبقة حواة السياسة الجدد، على طريقة رجب طيب أردوغان.
المستشارة كانت دومًا وعلى طول الخط صوت التعقل وباعث التوازن فى جميع الأوقات والمناسبات، وأحد أقوى المناهضين والمكافحين لليمين القومى الشعبوى النازى الذى علا صوته كثيرًا فى ألمانيا عبر حزب البديل من أجل ألمانيا المتشدد وفى الكثير من البلدان الغربية.

على هذا النحو، يمكن القول أن كثيرين فى أوروبا والعالم العربى على وجه التحديد تنفسوا الصعداء لانتخاب كرامب- كارينباور لقيادة شعلة ميركل على مستوى تيار المحافظين.
ميركل وتلميذتها النجيبة مثلًا، يؤمنان بأهمية وأد الصراعات سياسيًا، لا عبر التدخلات العسكرية.. برلين دعت أوكرانيا وروسيا إلى التعقل فى أزمة "الزوارق" الأخيرة.. وبشأن الصراعات فى المنطقة العربية، وعلى رأسها ما يجرى بسوريا واليمن والعراق وليبيا، ترى كرامب- كارينباور أن الحلول الناعمة غير الأمنية هى الملآذ الآمن من أى انقسامات أو تناحر طائفى أو أيديولوجى أو على السلطة، مع التشديد على أهمية مواجهة الإرهاب "الداعشى وغير الداعشى" بكل تنويعاته بمنتهى صرامة.
وبالنسبة للاجئين وما يدور فى ألمانيا وأوروبا عن إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، وبخاصة إلى سوريا، تسير كرامب- كارينباور على خطى ميركل مع بعض التعديلات البسيطة.

هى كانت ولا تزال من أقوى المدافعين عن سياسة ميركل الخاصة بالباب المفتوح للاجئين والتى تكبدت ألمانيا على إثرها مشقة استقبال ما يصل إلى مليون ونصف المليون لاجئ منذ العام 2015 وحتى الآن، غير أنها قررت أن تمنح ذلك النهج مزيدًا من التشديدات والصرامة فيما يخص مراقبة الحدود وضبطها وسرعة ترحيل مقدمى طلبات الإقامة المرفوضة.
تقول دويتشه فيله، فى ملف سياسة اللجوء "تُعتبر أنجريت كرامب-كارنباور، براجماتية، إذ دعمت مبادرة ميركل فى خريف عام 2015 وما زالت تؤيدها إلى اليوم، وأوضحت أن ألمانيا بلد هجرة، لكنها أكدت مراراً وتكراراً على ضرورة تنظيم الهجرة بشكل أفضل مما كانت عليه فى الماضى".
وتضيف: "لكن لا تتفق ميركل الصغيرة مع مسار ميركل بالكامل. فى نهاية عام 2017، على سبيل المثال، تحدثت عن ضرورة إجراء اختبارات طبية موحدة على المهاجرين الشباب للتحقق من سنهم. كما طالبت بإنشاء مراكز الترحيل فى فترة توليها منصب رئاسة الوزراء فى ولاية زارلاند.
كما أنها تؤيد فرض حظر العودة مدى الحياة فى منطقة شنجن على المجرمين الذين ارتكبوا مخالفات، وهو الطلب الذى أثار حفيظة منتقدى المستشارة أنجيلا ميركل. أما الخط الأحمر، الذى لا يمكن تجاوزه بالنسبة لكرامب -كارنباور فيتعلق بالحق الأساسى فى اللجوء، وهو غير قابل للمساس بالنسبة لها: إن من وضعوا قانون اللجوء، وضعوه بهذا الشكل لسبب وجيه، كما نعرفه".
هذا يعنى ببساطة، أن ميركل جنت ثمار دعمها المباشر لكرامب- كارينباور، إذ أن انتخاب الأخيرة يعنى بصورة مباشرة التصويت أيضاً لصالح إتمام المستشارة ولايتها حتى نهايتها فى خريف العام 2021.
وتحكم ميركل ألمانيا من خلال تحالف يجمع التحالف المسيحى المكون من حزبها "المسيحى الديمقراطي" وتوأمه الصغير القابع بولاية بافاريا "الحزب المسيحى الاجتماعي" من جانب، والحزب "الاشتراكى الديمقراطي" من جانب آخر.

وثارت خلاقات حادة بين شريكى الائتلاف على مدار العام الجارى بسبب سياسات اللجوء، الأمر الذى هدد مرارًا بانهياره، ومن ثم فقد ميركل وحزبها للحكم، قبل أن تأتى الهزائم المدوية للجميع "المسيحيون الديمقراطيون والمسيحيون الاجتماعيون والاشتراكيون الديمقراطيون" فى الانتخابات البرلمانية لولايتى بافاريا وهيسن، قبل بضعة أسابيع، لتضع المستشارة أمام المحك الصعب، فإما أن تضحى بنفسها لإنقاذ مركب المحافظين، أو أن الغرق سيطول الكل.
على هذا النحو، تخلت ميركل طواعية عن عدم الاستمرار فى زعامة المسيحيين الديمقراطيين بعد 18 عامًا من توليها المنصب، لتفتح الطريق بصورة غير مباشرة لثانى قيادة نسائية فى رئاسته، وهى كرامب- كارينباور، وفى الوقت ذاته لتحافظ على تماسك الائتلاف الحاكم بطمأنة الجميع على أنها لن تستمر فى الحكم بعد نهاية ولايتها بعد أقل من 3 أعوام من الآن.
مع ملاحظة أن بقاء ميركل فى السلطة كمستشارة قد يتقلص إلى عام واحد فقط بدلًا من ثلاثة، حيث ينص اتفاق الائتلاف الحاكم مع الحزب الاشتراكى الديمقراطى، أن للأخير الحق فى إجراء مراجعة فى خريف العام 2019، لتقرير البقاء أو الانسحاب ومن ثم الدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة واختيار مستشار جديد للبلاد.
ميركل بدت أكثر وعيًا من غيرها بتلك النقطة، فآثرت الانسحاب من المشهد الحزبى لتعتليه أحد أكثر المقربين والمدافعين عن سياستها مع بعض التغييرات الجوهرية، ناهيك بتحضيرها وبلا أدنى شك لخلافتها سواء بقت هى فى السلطة حتى عام 2021 أو اقتصر الأمر على نهاية العام المقبل وحسب.
إذن، كرامب - كارينباور، 55 عامًا، كانت فى منافسة ثنائية الأبعاد على كرسى رئاسة الحزب، إذ أنها هزمت صوت الشاب الصارخ المتمرد ممثلًا فى منافسها الأضعف على الموقع، وزير الصحة يانس شبان، والتوجهات المحافظة المتشددة واليمينية، متمثلة فى الملياردير فريدريش ميرتس.
وبحسب التقييم العام فقد كان خطاب كرامب-كارنباور من أقوى خطابات المرشحين الثلاثة، فى حين بدا ميرتس خلال خطابه أكثر توتراً.
فى خطابها الأخير قبل انتخاباها أطلقت كرامب- كارينباور حزمة من الرسائل التى تلخص سياستها الحزبية المقبلة: "سيبقى الحزب المسيحى الديمقراطى "كيانًا شعبيًا قويًا".. "ستنطلق استراتيجيته من مرتكز أساسى فى صناعة السياسة، مفاده أن يبقى هو وحده حزب الشعب".
قالت أيضًا إنه لا مفر إلا أن تبقى "أوروبا قوية، منفتحة على الداخل وآمنة خارجيًا".. وحددت الأطراف الدولية التى ستتعاون معها برلين فى "مجلس الأمن الأوروبى والجيش الأوروبى".
السؤال، هل كرامب - كارينباور مؤهله لتركة ميركل المثقلة بالهموم والطموحات؟.. هل هى قادرة على توحيد الحزب المنقسم، واستمالة نصف أعضائه المعارضين له، ومن ثم قيادته للاستمرار على رأس السلطة فى ألمانيا؟.. والأهم هل لديها الخبرة اللازمة لذلك؟

على عكس المتوقع، تبدو الإجابة فى صالحها، إذ أنها تمتلك خبرة كبيرة كوزيرة ورئيسة وزراء لسنوات طويلة بولاية زارلاند، فضلًا عن أن توليها منصب سكرتير عام الحزب قبل أشهر قد منحها فرصة الولوج إلى أشد الملفات حساسية على المستوى الداخلى وكذا فيما يخص الحكومة وائتلاف السلطة.
كما أن تجربة ميركل، التى كانت وصلت قبل سنوات بعيدة إلى رئاسة الحزب ثم إلى منصب المستشارة، فيما لم يكن فى جعبتها من المؤهلات والخبرات، غير لقب "التلميذة النجيبة" لمستشار الوحدة الراحل، هيلموت كول، إنما هى قابلة للتكرار مع كرامب- كارينباور، على أساس أن الأخيرة كانت تحظى بدعم وقرب كبيرين من قبل المرأة الحديدية التى حكمت ألمانيا وأوروبا منذ 13 عامًا.
لكن تكرار التجربة يظل مشروطًا بعبور العديد من الحواجز والأسوار العالية لعل أهمها، أن كرامب- كارينباور لا يؤيدها تيار عريض واضح داخل معسكر المحافظين، وهو ما بدا من الفارق الضئيل الذى اقتنصت به رئاسة "الحزب المسيحى الديمقراطى"، كما أنه يفسر طلبها لجموع الأعضاء بالحفاظ على استمرار الأخير كـ"ممثل موحد للشعب".
من الحرى بها العمل وبسرعة فائقة على توحيد فرق الحزب الداخلية المتناحرة لإنقاذ الانتخابات التشريعية المقبلة، وكذا منح أمل للأحزاب المنافسة، سواء كانت معارضة أو حليفة، للثقة فى قدرتها على إبقاء ألمانيا القوية الموحدة قلب أوروبا والعالم وكحليف سياسى واقتصادى معتبر ومستقر يعتمد عليه، تحت أى ظرف وكما كان الحال أيام ميركل السعيدة.
فى هذا الشأن هى مطالبة نوعًا ما بتحرير نفسها من استراتيجيات عمل ميركل ولو على مستوى الشكل لا المضمون، وبالأخص فى ملف اللاجئين، فضلًا عن اكتساب الخبرة الدولية المطلوبة لتأهيلها لخلافتها كمستشارة مقنعة وجديرة للبلاد لا تهاب عالم يحكمه وينظم حساباته رجال أقوياء.

على المستوى الداخلى، لا تزال كرامب - كارينباور قادرة على مغازلة المحافظين ممن لا يزالون يتمسكون بتماسك المجتمع وقيم الوحدة، وفى تلك النقطة تتشبث تلميذة ميركل بمواقف متشددة تجاه قضايا اجتماعية كزواج المثليين الذى تراه خطرًا على المجتمع، فضلًا عن دعمها التام للأسرة، وهى هنا متأثرة بجذورها ككاثوليكية من أقصى وسط ألمانيا وأم لثلاثة أطفال تفرغ والدهم "مهندس التعدين الذى تزوجته قبل 34 عامًا" لرعايتهم ورعاية المستقبل السياسى لوالدتهم.
رغم كل انشغالات كرامب - كارينباور بالسياسة طيلة السنوات الماضية، إلا أنها طالما كانت تشاهد بصحبة أسرتها وهى تلعب كرة القدم أو الهوكى، فيما أنها قائدة درجات نارية ماهرة تشهد لها بذلك شوارع مدينة مانهايم الألمانية، بيد أن تدشينها مساء الجمعة الماضية أولى خطوات السير فى طريق ميركل من قيادة الحزب إلى مكتب المستشارية فى برلين، إنما يحتم عليها حاليًا الاستعداد لقيادة من نوع جديد، ألا وهى قيادة السفن الضخمة المبحرة فى أعلى وأعتى بحار السياسة والاقتصاد والأمن على المستويين الأوروبى والعالمى.