أردوغان
بينما اعتبرت مجلة "دير شبيجل"، وصحيفة "بيلد" الشهيرتين أردوغان ديكتاتورًا مُستبدًا من طراز مُعتبر.
على مدار عام 2018، ظل ذلك السجال المحموم متصاعدًا بين الصحافة الألمانية من جانب، وأردوغان من جانب آخر.
الإعلام فى بلد أنجيلا ميركل صار على قناعة بفساد حكم الباشا العثمانى "الإخوانى" الجديد.. وعلى هذا النحو لم ترحمه من الهجوم، ورصد الأخطاء، وفضح خطاياه.

من اللعب فى سوريا والبحر المتوسط، مرورًا، بدعم "داعش"، وممارسة حفلات الابتزاز فى قضية مقتل الصحفى السعودى، جمال خاشقجى، وصولًا إلى عمليات القمع الواسعة للصحافة والمعارضين فى بلاده.. كلها نماذج سوداء لحكم أردوغان، لم تتردد وسائل الإعلام الألمانية فى مطاردتها، طيلة العام الذى يشرف على نهايته.
لكن يبقى فى زحام كل هذا القمع الأردوغانى بعض القصص المعتم عليها أو المنسية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، قصة جرت فصولها فى ملاعب كرة القدم، وليست فى حلبة السياسة.
عن اللاعب الألمانى من أصل تركى "كردى" دينيز ناكى نتحدث، ذلك اللاعب الذى كاد أن يدفع حياته مطلع العام الجارى ثمنًا لمعارضته العلنية لأردوغان، قبل أن تنتهى حياته الكروية فى بلاده إلى الأبد، ومرة أخرى بناءً على رغبات الباشا المتجبر القابع فوق هضبة الأناضول.
وحسب بيان رسمى للشرطة الألمانية، وتقرير لهيئة الاستخبارات الداخلية فى برلين "هيئة حماية الدستور"، أطلع عليهما وترجمهما وقت ظهورهما كاتب هذه السطور، فإن اللاعب الشاب دينيز ناكى، 26 عامًا، نجا من محاولة اغتيال غامضة.. ربما ترتبط بآرائه السياسة المعارضة لأردوغان".

اللاعب وفق البيان والتقرير يُعد من أبرز الوجوه فى دورى الدرجة الثالثة لكرة القدم بألمانيا، وتعرض لإطلاق نار أثناء قيادته سيارته، مساء الأحد الثالث فى شهر يناير 2018، فى الطريق السريع المتاخم لمسقط رأسه بديورن.
لم يتعرض اللاعب لأى أذى، قبل أن يتهم هو وأسرته ومحاميه جماعات قومية متطرفة، ربما كان بعض عناصرها على علاقة بالاستخبارات التركية، لاستهدافه؛ نظرًا إلى آرائه السياسية الداعمة للأكراد وحزب العمل الكردستانى، الذلا تعتبره أنقرة إرهابيًّا.
وفى حوار له مع هيئة الإذاعة الألمانية "دويتشه فيله"، اشتكى اللاعب بشكل كبير من أنه لم يتمتع بأى حماية أو حراسة من قِبل الشرطة، وأنه أقام لفترة مع أصدقائه، بعيدًا عن عائلته المقيمة فى ديورن، خوفًا على حياته".
وأشار اللاعب إلى أنه تحرك إلى كولونيا بحثًا عن مكان آمن يقيم فيه بعد ساعات من إطلاق النار عليه، دون أى حماية من الشرطة، قبل أن يُبدى تذمره من الطريقة التى تعاملت بها السلطات الأمنية، إذ تم استجوابه من جانب فرق البحث الجنائى على مدار 9 ساعات متواصلة.
كما خضع والده وشقيقه وعدد كبير من أصدقائه لتحقيقات مكثفة، فضلًا عن مصادرة هاتفه الجوال، وعدم استعادته منذ أكثر من 4 أيام.
ووجه اللاعب انتقادًا حادًّا إلى جهات التحقيق الجنائى، كاشفًا عن استجوابه دون حضور محامٍ، ورغم أنه طلب دعمًا قضائيًّا، لم يستجب له أحد، ناهيك عن تخصيص نحو 7 ساعات كاملة من أصل 9 قضاها فى الاستجواب للتفتيش فى توجهاته ونواياه السياسية من جانب المحققين.
كان لافتًا له الإصرار على استجوابه بشأن تصويته فى الانتخابات التركية الأخيرة، وعما إذا كان على اتصال بحزب العمل الكردستانى من عدمه.
وواقع الأمر أن اللاعب دفع ثمنًا كبيرًا لمعارضته الديكتاتور التركى، وتدخلاته العسكرية فى عفرين السورية، ويكفى أن أسرته طالما تم التنكيل بها كلما خرج بانتقاد أو بشعار مناهض لأردوغان.

فى المقابل قررت هيئة كرة القدم فى تركيا القضاء على مستقبله نهائيًا، إذ قررت لجنة نظام كرة القدم للمحترفين فى تركيا، وقف اللاعب الألمانى ذى الأصول الكردية المحترف فى صفوف نادى عمد سبور 3 سنوات و6 أشهر، ليمنع بذلك من اللعب نهائيًا لتخطى مدة الوقف 3 سنوات كاملة، وفق النظام المعمول به، بالإضافة إلى غرامة مالية قدرها 273 ألف ليرة تركية "نحو 70 ألف دولار"، وفق "دويتشه فيله".
ولم يكن اللاعب الكردى هو الضحية الوحيدة لأردوغان فى ملاعب الكرة هذا العام، فهناك ضحية أخرى لكن من نوع مغاير، وهو النجم منتخب ألمانيا الشهير ولاعب أرسنال الإنجليزى، مسعود أوزيل.
وسبق أن ظهر أوزيل إلى جانب زميله السابق فى منتخب الماكينات، تركى الأصل أيضًا، إلكاى جوندوجان، فى مايو الماضى، فى صورة دعائية مع أردوغان، غير أن الصحافة وقوى حزبية ألمانية اعتبراتها مناصرة صريحة من لاعبين ألمانيين لديكتاتور قمعى.

بعدها فُتحت أبواب جهنم على اللاعبين فى ألمانيا، وفى السياق اشتعلت موجة انتقادات عنصرية كبيرة ضد أوزيل على وجه التحديد، وتصاعدت مطالب بإبعادهما عن منتخب ألمانيا المشارك فى مونديال روسيا الأخير، الأمر الذى تفاقم فى أعقاب الخروج المخجل للفريق من العُرس الكروى الكبير، ليعلن أوزيل اعتزاله اللعب الدولى نهائيًا، يظل اسم أردوغان كلمة السر فى الأمر.