نساء داعش
وتبدو عمليات التجنيد متدرجة ومتتابعة على نحو ملفت، ففى البداية تصطاد الشبكات السلفية فرائسها، ثم ما تلبس تلك العناصر الجديدة أن تصبح بدورها فريسة مرة أخرى، ولكن هذه المرة لرجال أبوبكر البغدادى، وتحديدًا ضمن جناح الذئاب المنفردة.
وحصل "مبتدا" على تقرير مهم صادر بالألمانية والعربية والإنجليزية عن مؤسسة "كاريتاس"، فى مدينة "بون"، والمهتمة بتأهيل العائدين من مناطق الصراع على إثر انضمامهم إلى صفوف "داعش".
وفى التقرير تشير المؤسسة إلى تلك السلاسل المتصلة لعمليات التجنيد والانتقال من جماعة متشددة إلى أخرى مُتطرفة أو إرهابية.

يقول التقرير: "إن كثيرًا من الشباب تعرفوا على الشبكات السلفية من خلال الإنترنت، بعضهم يتم استدراجهم من قبل أصدقاء وصديقات، إلا أن السلفيين يستخدمون أيضًا العلاقات الشخصية، وينشطون أيضًا فى الكثير من مجالات العمل الاجتماعى، مثل رعاية الشباب والصغار لكى يقدموا البديل المناسب لجيل الشباب، وفى بعض الأحيان يستخدمون المساجد أيضًا من أجل الدعاية لكسب المناصرين".
ويضيف التقرير أيضًا: "الشباب الذين يعانون ظروفًا أسرية صعبة غالبًا ما يبحثون عن بنية وهيكلية بديلة، وهذا ما يجدونه فى دوائر المجتمعات السلفية، وعندما يقع أحدهم ضحية الحاجة المالية، فإنه يجد المساعدة اللازمة بين الأوساط السلفية، من "الإخوة" و"الأخوات"، خلال ساعات معدودة فقط، وهذا ما يدفعه للاعتقاد فى أن هؤلاء أناس يمكن التعويل عليهم".
هكذا تبدأ حلقات انجراف الشباب الغربى فى تيارات الإخوان والسلفية والإسلام المتشدد، قبل أن تلتقطهم أعين "داعش" المتعطشة لمزيدٍ من العناصر المطلوبة لحرق الأرض.
ولكل فريسة مدخل يمكن النفاذ من خلاله إليها.. البعض يبحث عن المال، والبعض الآخر، خصوصًا التعيس منهم، ينشد الحب أو التحقق أو القوة، فى حين أن آخرين يبحثون عن لفت الانتباه، ولو بالتشبث بالوهم والبطولات الزائفة.
فى هذا الشأن، يقول تقرير المؤسسة الألمانية: "قبل كل شىء تسيطر على النساء الصورة المثالية للرجل القوى المقاتل الجسور، الذى يحارب فى النهار على الجبهة، فى سبيل الله، ويعود فى المساء إلى بيته وإلى زوجته الحبيبة، غالباً ما يتم تقديم هذه الصورة إلى الرجال والنساء على حد سواء، أما فى الواقع، فغالبًا ما تتجلى الصورة الحقيقية، وهى أن كثيرًا من النساء تعانين من العنف الجنسى، وليس لهن أى حقٍ فى المشاركة أو الشكوى. وإذا ما نجحت إحداهن فى الهروب، فإنها غالبًا ما تصل إلى ألمانيا، وهى تعانى نفسيًا من الصدمات الشديدة.

ما سبق هى الفكرة ذاتها التى قام عليها كتاب شهير للفرنسية المتخصصة فى مكافحة التجذر، دنيا بوزار، بعنوان "بحثوا عن الجنة فوجدوا جهنم"، وهو متاح فى عروض وقراءات عدة على الإنترنت، بمختلف اللغات، وسبق لكاتب هذه السطور أن تناوله مرارًا بالقراءة والتحليل، وفيه تقول المؤلفة صراحة إن المعنيين بالظاهرة الجهادية متنوعون اجتماعيًا وطائفيًا، وإنهم يتجذرون نتيجة شعورهم بالهشاشة والرغبة فى الإفلات من الواقع الاجتماعى الذى لا يرتبطون به، وإن بعضهم يسعى الى المغامرة وممارسة النفوذ والقوة، وأن المواقع الجهادية تقنع الشاب الذى يشعر أن العالم ينبذه بأن هناك عالمًا آخر يعطيه مكانة مميزة.
ويشير متخصصون فى تحليل مضمون تجنيد الفرائس الشابة نحو السلفية أو الأفكار المتطرفة والإرهابية، وفق الكتاب الفرنسى، إلى أن هذه المواقع تعمل على تذويب الهوية الفردية واستقطابها نحو التطرف والتجذير، خلال مهلة تتراوح بين 6 و8 اشهر، وفقًا لشخصية الشاب أو الشابة.
وبالتالى فإن الجهاديين يستخدمون أكثر وسائل التواصل حداثة لجذب الشباب نحو واحدة من أكثر القضايا تخلفًا وبربرية.

على هذا النحو تبدو مهمة احتواء كل شاب أو فتاة ممن وقعوا كضحية لعملية تجنيد مجنونة غاية فى الصعوبة، وتستدعى التمكن من أدوات ناجعة وقادرة على تنظيف عقول تم تعتيمها عن عمدٍ.
ذلك هو التحدى الكبير الذى تعيشه أوروبا فى الوقت الراهن، وخصوصًا مع استمرار تدفق موجات العائدين من أبناء القارة العجوز من سوريا والعراق، على أمل مواجهة مخزون الأفكار "الداعشية" الإرهابية المجنونة بأقصر الطرق وأكثرها نفعًا.