الرئيس السادات يصلى فى المقر البابوى
كان ذلك فى ظل وجود مشروع قومى لجميع المواطنين المصريين على اختلاف انتماءاتهم السياسية، وفى ظل التركيز على الخطاب السياسى الوطنى وتأكيده، وليس الخطاب الدينى والطائفى.
بعد رحيل الزعيم
رحل الرئيس جمال عبد الناصر فى 28 سبتمبر سنة 1970، وتم ترشيح أنور السادات ليكون رئيسًا للجمهورية.. فتوجه البابا كيرلس السادس على رأس وفد من الكنيسة القبطية مؤيدين ترشيح أنور السادات رئيسًا للجمهورية، وأثناء ذلك حدث حوار سريع بين أنور السادات والبابا كيرلس.. أكد فيه السادات على معرفته بالبابا كيرلس جيدًا منذ فترة طويلة.. خصوصًا أنه حضر حفل تنصيبه بنفسه كمندوب عن رئيس الجمهورية فى 11 مايو سنة 1959، وحينما مرض البابا كيرلس السادس.. أرسل الرئيس أنور السادات الدكتور محمود فوزى، رئيس الوزراء حينذاك، للاطمئنان على صحته، وأمر بوضع كل إمكانات أطباء رئيس الجمهورية تحت تصرفه.

فى 9 مارس 1971 رحل البابا كيرلس السادس، وهو ما ذكرته "إذاعة صوت أمريكا" تحت عنوان "لقد توفى الصديق الوفى لعبد الناصر"، وفى 14 نوفمبر 1971 وصل إلى الكرسى البطريركى البابا شنودة الثالث، وبدأت مرحلة جديدة داخل الكنيسة من جانب، وفى علاقتها بالدولة من جانب آخر.
* فصل من كتاب "الكنيسة المصرية.. توازنات الدين والدولة"، دار نهضة مصر، ط 1 – 2012.

ورغم استقرار العلاقة بين البابا شنودة الثالث والرئيس أنور السادات طيلة الستة شهور الأولى منذ تولى الأنبا شنودة الكرسى البابوى، فإن بوادر الأزمات ظهرت من خلال شائعة ضخمة تم الترويج لها على اعتبار أنها حقيقة مطلقة لدرجة أن تناقلتها تيارات الإسلام السياسى، بل وترتب على ذلك اتخاذها لردود أفعال عنيفة ضد المواطنين المسيحيين المصريين وكنائسهم.
التقرير المزور
تعود بدايات القصة الشائعة إلى نهاية شهر مارس سنة 1972، حيث تناقل تقرير نسب إلى الأجهزة الأمنية المصرية عن اجتماع للبابا شنودة الثالث بالكنيسة المرقسية بالإسكندرية فى 15 مارس سنة 1972، وقد تمت صياغته بشكل يوحى بصحته كتقرير رسمى متضمنًا أقوالاً نسبت إلى البابا شنودة الثالث.
أهم ما جاء بالتقرير المزور.. الدعوة إلى تشجيع النسل عند المسيحيين وتحريمه عند المسلمين ليتساوى تعداد المسيحيين بالمسلمين، والعمل على إفقار المسلمين ونزع الثروة من أيديهم من أجل إثراء المسيحيين المصريين حتى تعود البلاد إليهم من أيدى الغزاة المسلمين.
وقد استغل المتطرفون هذا التقرير، المنشور المزور، لتوزيعه على أكبر نطاق ممكن فى المجتمع، وترتب على ذلك نوع من رد الفعل أثناء الإعداد للدستور الدائم بعد حركة 15 مايو سنة 1971 يطالب باعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا وحيدًا للتشريع فى مقابل دعوة المواطنين المسيحيين المصريين إلى التمسك بحرية العقيدة والأديان من خلال قيام رجال الدين المسيحى بعقد مؤتمر بالإسكندرية يومى 17 و18 يوليو سنة 1972، حيث اتفقوا فيه على عدة قرارات، أرسلوها إلى مجلس الشعب والجهات المسؤولة.
وقد أعربوا فيما أرسلوه إلى تلك الجهات عن أهمية حماية حقوقهم وعقيدتهم المسيحية، وأنه من دون ذلك سيكون "الاستشهاد" أفضل من حياة ذليلة، وهو موقف سلبى ترتب عليه نوع من الاستياء لاستدعاء ثقافة الاستشهاد فى عصر غلب عليه المناخ الطائفى.. دون أن يغلب عليه تداعيات دعوة كهنة الإسكندرية.

قانون الوحدة الوطنية
هيأت الظروف السابقة المناخ السياسى فى مصر إلى قيام الرئيس بدعوة المؤتمر القومى العام للاتحاد الاشتراكى العربى إلى أن يبحث موضوع "الوحدة الوطنية" وما يهددها من مخاطر فى 24 يوليو سنة 1972، ثم دعا أنور السادات مجلس الشعب إلى عقد دورة طارئة فى شهر أغسطس سنة 1972، حيث تم إقرار قانون رقم 34 لسنة 1972 بشأن "حماية الوحدة الوطنية".
وقد أكد القانون على أن الوحدة الوطنية هى القائمة على احترام المقومات الأساسية للمجتمع كما حددها الدستور، ومنها على وجه الخصوص حرية العقيدة وحرية الرأى بما لا يمس حريات الآخرين أو المقومات الأساسية للمجتمع.
ورغم صدور القانون، فقد تم الاعتداء على جمعية النهضة الأرثوذكسية "جهة سنهور بالبحيرة" فى 8 سبتمبر سنة 1972 "الجناية 3103 لسنة 1972 جنايات مركز دمنهور"، ثم تم القبض على بعض الأشخاص فى 29 أكتوبر سنة 1972 "القضية رقم 654 لسنة 1972 أمن دولة عليا"، حيث قاموا بطبع التقرير المزور المنسوب للبابا شنودة الثالث، وتوزيع حوالى 100 نسخة منه.
وسرعان ما وقع واحد من أهم التوترات الطائفية، والذى يعد من المراحل الفاصلة الجديدة فى تاريخ الأزمات الطائفية.. وهى أحداث الخانكة التى وقعت فى 6 نوفمبر سنة 1972 حينما قام بعض المواطنين المسيحيين بتحويل قاعة إحدى الجمعيات المسيحية إلى كنيسة، وصلوا فيها.. وهو ما اعتبرته بعض الجماعات المتطرفة هناك، والتى خرجت من السجون بعد ثورة التصحيح.. أنه ضد القانون، فحرقوا الكنيسة.
هى القصة نفسها التى ذكرت بتفاصيل أخرى على اعتبار أنها قطعة أرض تم شراؤها، وأحيطت بسور من الدكاكين، ثم أصبحت الأرض الفضاء فى قلبها ملعبًا، ثم مدرسة، ثم ملتقى دينيًا، ثم جاءها المذبح ذات ليلة، ودشنها أحد الأساقفة، وفتحت لإقامة الصلوات، وطبقت وزارة الداخلية عليها أحكام الخط الهمايونى وشروطه.. فأزالت بعض المنشآت ومنعت استعمالها للغرض الذى كان مقررًا لها.

وكان رد فعل البابا شنودة الثالث بأن وجه مجموعة من الأساقفة أن يتقدموا موكبًا ضخمًا من الكهنة، ويسيروا صفًا بعد صف إلى ما تبقى من مبنى الكنيسة.. ليقيموا قداس صلاة على أطلاله، وأن يواصلوا التقدم بغض النظر عما يمكن أن يحدث لهم، وحدث بالفعل أن تقدم الموكب حتى النهاية، وكانت عواقبه المحتملة خطيرة.
وأيًا كان دقة الروايتين، فإن العواقب التى ترتبت على ذلك.. كانت الأساس الذى وصل بالحال إلى ما حدث فى سنة 1981، وصدور القرار الجمهورى بتحديد إقامة البابا شنودة الثالث فى دير الأنبا بيشوى بوادى النطرون.
لجنة تقصى الحقائق
ترتب على ما سبق، أن قام الرئيس أنور السادات بإرسال خطاب إلى مجلس الشعب، بناء على اقتراح شخصى من محمد حسنين هيكل، يطلب فيه تشكيل لجنة خاصة للتحقيق فى ملابسات حادث الخانكة، وهو التحقيق الذى كشف أن الأمر أبعد بكثير من حادث عارض واحد "الخانكة"، بل هو أمر لا يتداركه سوى رئيس الجمهورية من خلال مسؤوليته التنفيذية عن جميع المواطنين المصريين.
آثرت أن أتناول هنا بالعرض والشرح والتعليق.. ما قدمه التقرير الشهير الذى عرف بـ "تقرير لجنة تقصى الحقائق لمجلس الشعب 1972" أو كما يطلق عليه البعض "تقرير العطيفى" من جانب، ورصد العديد من عوامل التوترات الطائفية التى حدثت فيما بعد من جانب آخر.
كان هذا التقرير نتاجًا للمناخ الطائفى المتأزم، حيث أصدر مجلس الشعب، بناء على طلب من الرئيس الراحل أنور السادات كما ذكرنا من قبل، قرارًا بجلسته المعقودة بتاريخ 13 نوفمبر 1972 بتشكيل لجنة خاصة لإظهار الحقائق وبيانها حول الأحداث الطائفية التى وقعت حينذاك فى منطقة الخانكة، وقد تشكلت اللجنة برئاسة الدكتور جمال العطيفى، وكيل المجلس، وعضوية كل من: محمد فؤاد أبو هميله، وألبرت برسوم سلامة، وكمال الشاذلى، والدكتور رشدى سعيد، وعبد المنصف حسن زين، والمهندس محب أستينو.
ورغم أن قرار تشكيل اللجنة كان منوطًا به بشكل أساسى إظهار الحقائق فى أحداث منطقة الخانكة، فإن اللجنة قد تناولت فى تقريرها ذلك الحادث باعتباره يعبر عن مناخ غير صحى، ثم تناولت العلاقات بين طوائف الشعب وما يهدد الوحدة بينها من خلال تحليل الواقع وتقديم اقتراحات محددة لعلاج هذا المناخ المتأزم.

الطريف فى الأمر أن التقرير سجل ملاحظة جيدة، وهى أن اللجنة قد بدأت عملها باجتماع عقده الدكتور جمال العطيفى، مقرر اللجنة البرلمانية، مع نائب رئيس مجلس الوزراء، ووزير الداخلية، والنائب العام، حينذاك، فى صباح اليوم التالى فقط لصدور قرار تشكيلها من مجلس الشعب للوقوف بشكل سريع على ظروف ما حدث ولأهميته.
وقدم الدكتور جمال العطيفى، مقرر اللجنة، تقريرًا لما وصلت إليه اللجنة المذكورة بتاريخ 26 نوفمبر 1972 "أى بعد 13 يوم فقط من قرار تشكيل اللجنة"، حيث تم عرضه على مجلس الشعب بتاريخ 28 نوفمبر 1972، حسبما جاء فى المضبطة الرسمية لمجلس الشعب "الجلسة الثالثة عشر"، وهو ما يؤكد على أهمية استشعار تلك اللجنة لخطورة ما يحدث.
ولقد أخذت لجنة تقصى الحقائق على عاتقها أن تسجل شهادات، وترصد أحداثًا، وتقوم بعقد مقابلات مع جميع الأطراف ذات الصلة بالقضية لكى تصل للحقيقة الكاملة، وهو ما سجله التقرير من خلال وقائع حوادث الخانكة، حسبما تمت باليوم.
وعبورًا فوق تفصيلات كثيرة جدًا رصدها التقرير، نتوقف هنا أمام القسم الثانى.. الأكثر أهمية فى تقديرى فى التقرير، والذى تناول "مقدمات أسباب حوادث الإثارة الطائفية"، حيث تحدث عن تقرير "مزور" نسب لجهات الأمن الرسمية عن اجتماع عقده البابا شنودة الثالث فى 15 مارس سنة 1972 بالكنيسة المرقسية بالإسكندرية، وقد وجد هذا التقرير سبيله للتوزيع بشكل كبير.. خصوصًا أن صياغته قد جاءت على نحو يوحى بصحته ودقته كتقرير رسمى.
وقد تسبب هذا التقرير الذى نسب للبابا شنودة الثالث، حسبما يؤكد تقرير لجنة تقصى الحقائق، ما لم يقوله أو يصرح به.. تصورًا خاطئًا لدى البعض فى المجتمع المصرى بأن هناك مخططًا لدى الكنيسة القبطية من أجل أن يتساوى المسيحيون بالمسلمين فى مصر من حيث العدد، بالإضافة إلى السعى من أجل إفقار المسلمين وإثراء الشعب القبطى لكى تعود البلاد إلى أصحابها المسيحيين من أيدى الغزاة المسلمين.. كما عادت إسبانيا النصرانية بعد الاستعمار الإسلامى الذى دام ثمانية قرون.
ورغم خطورة هذا المنشور "المزور" وأثره الشديد التأثير فى تأجيج المشاعر الطائفية ضد المسيحيين فى مصر، فلم يتم اتخاذ أى إجراء حاسم وحازم لتنبيه المجتمع المصرى لخطورته.. للدرجة التى جعلت الدكتور محمد عمارة، الذى تحول من اليسار إلى الإسلام السياسى، يكتب عنه فى عام 2006 ويروج له كأنه حقيقة مطلقة، مثلما ما حدث فى عام 1972 حينما تم توزيع هذا التقرير مع إضافة بعض التعليقات التى تساعد على تأجيج المناخ الطائفى بين المصريين، مسيحيين ومسلمين، وهو ما قام به الكثيرون بعد ذلك.
وعلى الرغم من أن الاتحاد الاشتراكى قد أصدر حينها بيانًا يوضح فيه عدم صحة هذا التقرير المزعوم، فإن توجيهه قد اقتصر على القواعد التنظيمية بالاتحاد الاشتراكى، ولم يجد طريقه للقاعدة الجماهيرية العريضة.

لماذا لا نقرأ؟!
هذا هو الانطباع الذى يبقى لدى كل من يقرأ تقرير لجنة تقصى الحقائق، والطريف فى الأمر.. أن تقرير لجنة تقصى الحقائق لسنة 1972 تناول الأسباب التى عملت على تأجيج المناخ الطائفى بين المصريين، وهو ما تم حصره فى ثلاث قضايا أساسية، هى: الترخيص بإقامة الكنائس، والدعوة والتبشير، والرقابة على نشر الكتب الدينية.
أولاً: الترخيص بإقامة الكنائس
رصد التقرير فى هذا الصدد خضوع تنظيم إقامة الكنائس أو تعميرها أو ترميمها لأحكام الخط الهمايونى الذى صدر سنه 1856، ومن بعده لائحة وكيل وزارة الداخلية، العزبى باشا، وهى المعروفة بـ"الشروط العشرة لبناء الكنائس" التى صدرت فى شهر فبراير سنه 1934، وهى تعتمد على نصوص الخط الهمايونى، ولكن بصيغة متشددة.
وقد حددت اللجنة أن أحد أسباب التى تؤدى إلى حدوث التوترات والاحتكاكات الطائفية هو عدم وضع نظام ميسر لتنظيم هذه التراخيص دون تطلب صدور قرار جمهورى فى كل حالة، وتقترح اللجنة إعادة النظر فى نظام التراخيص بغية تبسيط إجراءاته.
ثانيًا: الدعوة والتبشير
لاحظت اللجنة أن هناك عددًا كبيرًا من المساجد لا يخضع لإشراف وزارة الأوقاف.. وبالتالى، لا يوجد بها من يحمل مسؤولية التعليم والإرشاد، وما يترتب على ذلك من انتقاص قيمة التوجه الدينى وضعف الثقة برسالة المساجد.. على اعتبار أن كل ما يقال فوق منابر المساجد إنما يقال باسم الله.
وأكدت اللجنة أن إشراف وزارة الأوقاف الكامل على المساجد من شأنه أن يمنع التجاوزات، كما اقترحت أن يكون تعيين الأئمة بموافقة وزارة الأوقاف طبقًا لشروط التعيين ومعاييره، وهو ما ينطبق أيضًا على الكهنة فى الكنائس.. غير أن مسؤولية متابعة أدائهم وواجباتهم تقع على عاتق البطريركية أو المطران المختص ليمكن مراجعتهما عند رصد أى تجاوز.

وقد تبينت اللجنة أن بعض الجمعيات، المسيحية والإسلامية على حد السواء، تورطت فى توجيه مطاعن أو توزيع نشرات تتضمن إساءة للدين الثانى أو القائمين عليه، وتحذر من تزايد هذه النوعية من الجمعيات، وما يتطلب ذلك من توافر الإدراك السليم لأحكام الدين ومعتقداته لدى القائمين عليها.
وأكدت أنه بعد أن أصبحت التربية الدينية مادة أساسية فى مناهج التعليم العام طبقًا للمادة 19 من الدستور الجديد، فإن المدارس قد أصبحت من مؤسسات الدعوة.. إذ يجب إتاحة الفرص لدروس دينية منظمة للتلاميذ المسيحيين المصريين فى المدارس يتعلمون فيها أحكام دينهم، كما يجب أن تتسم دروس الدين جميعها بعرض لحقائق الأديان بحسن إدراك وسعة أفق وبعد عن التعصب.

ثالثًا: الرقابة على نشر الكتب الدينية
رصدت اللجنة فى هذا الصدد العديد من الكتب الدينية التى تنشر فى مصر، ويكون بها مساس وازدراء للدين الثانى، والعكس.. وأوصت بوضع نظام محكم وفعال ومستنير لرقابة الكتب الدينية بسعة أفق.. بحيث لا تتحول هذه الرقابة لتصبح سلاحًا أمام حرية البحث العلمى أو لإحياء نزعات الجمود والتقليد.
قرار السادات
كان ما سبق، عرض موجز وشامل لتقرير لجنة تقصى الحقائق لسنة 1972.. هذا التقرير الذى يمكن أن نصفه بأنه التقرير المخفى والمنسى فى التوترات الطائفية، والذى اعتبره الرئيس أنور السادات لم يصل إلى نتيجة حقيقية.. بعد أن بعثت له اللجنة بالتقرير، ومرفق معه خطاب موجه لرئيس الجمهورية مباشرة يؤكدوا فيه أن "هذا الأمر لا يتداركه إلا رئيس الدولة بحكمته وبمسؤوليته عن كل مواطنيها، وكونه الحارس لوحدتها الوطنية".
وبناء عليه، قام الرئيس أنور السادات فى يوم واحد بزيارة لمشيخة الأزهر، حيث التقى بشيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء، ثم انتقل من هناك إلى المقر البابوى، حيث التقى البابا شنودة الثالث وأعضاء المجمع المقدس، وقد حمل معه للاثنين "الأزهر والكنيسة" رسالة قال فيها "إن الوطن أحوج ما يكون الآن إلى وحدته الوطنية، ثم أن التسابق فى بناء المساجد والكنائس تسابق حافل بدواعى الإثارة، وإن احتياجات التطور الاجتماعى لا تتطلب فقط بناء مساجد وكنائس جديدة، ولكنها تتطلب أيضاً بناء مدارس ومستشفيات جديدة".
وهو اللقاء الذى تم بحفاوة شديدة من الكنيسة، حيث وصف البابا شنودة الثالث شخص الرئيس أنور السادات بأنه زعيم الشعب وأب كل طوائف الأمة وراعيها جميعًا، وهو اللقاء الذى شهد التقاط الصورة الشهيرة للرئيس أنور السادات وهو يصلى صلاة الظهر، ويظهر خلفه البابا شنودة الثالث وبعض أعضاء المجمع المقدس.

دولة أسيوط
ربما يكون من أهم ما أثير فى عهد الرئيس أنور السادات، ووجد نوعًا من الصدى دون التفكير النقدى له هى فكرة تأسيس دولة للمسيحيين فى أسيوط، وهى فكرة فاسدة لا تعنى بشىء سوى إحداث حالة من التأجيج الطائفى بين المواطنين المصريين.. المسيحيين والمسلمين، رغم كونها لا تتفق مع أبسط قواعد المنطق لكونها دعوى تدعو لتقسيم مصر بين "شمال" دولة أسيوط المزعومة و"جنوبها".. وما يترتب على ذلك من تكوين حكومة جديدة وشرطة مستقلة وجيش لحماية الدولة الجديدة، بالإضافة للدخول فى مفاوضات بين الدولة المصرية ودولة أسيوط للوصول لاتفاقات حول نقل ملكية الأراضى والمقابر، والتعامل مع المقدسات دور العبادة المسيحية من خارج أسيوط، ودور العبادة الإسلامية فى داخل أسيوط، وهى من أسوأ أنواع الشائعات التى ترتب عليها العديد من التداعيات عند رجل الشارع العادى.
قانون الردة
دخلت مصر بعد ذلك فى مرحلة حرب أكتوبر 1973، وما تبعها من إعلاء القضية الوطنية المصرية من خلال نشوة الانتصار فى الحرب.. بعد الهزيمة والانكسار. ولكن سرعان ما تلبدت سماء العلاقة بين الرئيس أنور السادات والبابا شنودة الثالث بالغيوم.. خصوصًا فى سنة 1977، والدعوة لإقرار قانون تقدم به الأزهر الشريف إلى مجلس الشعب لإعدام المرتد وإقامة الحدود، والذى تم تجميده بعد الاعتراض عليه لما يمكن أن يترتب عليه من المزيد من التوترات الطائفية.. خصوصًا أن القانون قد استهدف بشكل أساسى المواطنين المسيحيين المصريين على اعتبار أنه لا يوجد ما يهدد الإسلام فى مصر، وبالتالى فهو موجه للمواطنين المسيحيين المصريين. كما أنه لا يوجد فى مصر دين ثان سوى المسيحية. بالإضافة لكونه ضد المبدأ الإسلامى: لا إكراه فى الدين. كما أنه ضد جميع المواثيق الخاصة بالحقوق والحريات.
لقد كشف قانون الردة للمرة الأولى عن قيام الكنيسة برد فعل منظم حينما دعت إلى عقد مؤتمر دينى مسيحى بالإسكندرية فى 17 يناير سنة 1977 حيث ناقش المؤتمر العديد من الموضوعات الجدلية، على غرار: حرية العقيدة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وحماية الأسرة والزواج المسيحى، والمساواة وتكافؤ الفرص، وتمثيل المسيحيين فى الهيئات النيابية. كما قرر المؤتمر توصية تنفيذية يقوم المواطنون المسيحيون المصريون بمقتضاها بالصيام الانقطاعى فى الفترة من 31 يناير وإلى 2 فبراير 1977. وقد هدأت الأجواء فى هذا الملف بسبب انتفاضة يناير 1977 والتى تعرف سياسيًا وإعلاميًا بأحداث 18 و19 يناير 1977.
ازدادت أجواء المناخ الطائفى فى مصر، ودخل المهاجرون المسيحيون المصريون.. كفاعل شريك فى هذا الجدل. وتم عقد مؤتمر الهيئات والجماعات الإسلامية فى شهر يوليو سنة 1977 تحت رعاية الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر حينذاك، ونشر فى الجرائد المصرية حينذاك خبرًا يقول "أحال مجلس الدولة إلى وزارة العدل المشروع الخاص بإقامة حد الردة تمهيدًا لإحالته إلى مجلس الوزراء، وبالتالى إلى مجلس الشعب. وقد وافق المجلس على المشروع الخاص بحد السرقة، وصرح المستشار على محمد بأن مشروع إقامة حد الردة ينص على أن يكون مرتدًا كل من بلغ 15 سنة مسلم أو مسلمة رجع عمدًا عن دين الإسلام ويعاقب بالإعدام ويشترط لعقاب المرتد أن يستتاب لمدة 30 يومًا ويصر على ردته ويحظر على المتهم بالردة التصرف فى أمواله أو إدارتها وتعين المحكمة المختصة قيمًا على أمواله بناء على طلب النيابة".

وقد نشرت مجلة "الكرازة" التى يرأس تحريرها البابا شنودة الثالث على صفحتها الأولى خبرًا يقول "اجتمع المجمع المقدس صباح الثلاثاء 30 أغسطس 1977، واستعرض الحالة الراهنة بكل تفاصيلها، وعقدوا اجتماعًا ثانيًا يوم الأربعاء 31 أغسطس 1977، ثم جلسة ثالثة يوم السبت 3 سبتمبر 1977. وأعلن المجمع المقدس الصوم الانقطاعى حتى الغروب من يوم الإثنين 5 سبتمبر 1977 وإلى الجمعة 9 سبتمبر 1977.. وبناء على تكليف المجمع المقدس توجه أصحاب النيافة إلى القصر الجمهورى حيث سلموا خطابًا معينًا".
وبدأت المصادمات الطائفية بين المواطنين المسيحيين والمسلمين فى صعيد مصر.. خصوصًا فى كل من محافظتى المنيا وأسيوط، ونتج عن تلك المصادمات إحراق عدد من الكنائس ومهاجمة بعض القساوسة، وعلى سبيل المثال: قتل قسيس فى مدينة سمالوط بالمنيا، وحرق كنيسة أبو زعبل، وحرق كنيسة قصرية الريحان الأثرية بمصر القديمة. ثم بدأت سلسلة متوالية من حوادث الاعتداء على الكنائس والأديرة، وعلى محلات الصاغة، وعلى الطلبة المسيحيين فى الجامعات والمدن الجامعية.
وأثناء تصاعد الصدام الطائفى واستمراره خلال عامى 1978 و1979 تم استدعاء المطالبة مرة ثالثة باستعجال إصدار قانون الردة، ثم النقاش حول الدستور الإسلامى المصرى. وكان للبابا شنودة الثالث رد فعل غاضب من خلال ما صرح به فى 26 مارس 1980 بمعارضته أن تكون الشريعة الإسلامية أساسًا لقوانين تطبق على غير المسلمين، وأبدى مخاوفه من أن يحل الدين محل الوطنية. وهو ما دعا المجمع المقدس إلى أن يصدر بياناً فى 26 مارس سنة 1980 يقول فيه: "إننا أمام ضمائرنا لن نستطيع أن نقبل مشروع قانون الردة ولن نخضع له إذا نفذ، وبحكم ضمائرنا سنسعى وراء كل من يسعى لترك مسيحيته لكى نرده إلينا مهما حكمت مواد هذا القانون بالقتل على الشخص. ونحن مستعدون أن ندخل فى عصر استشهاد جديد من أجل ديننا والثبات فيه، ولا تلومنا ضمائرنا إن تركنا إنسانًا يرتد عن مسيحيته دون أن نحاول إرجاعه".
وترتب على ما سبق، أن قرر المجمع المقدس عدم إقامة مراسيم واحتفالات بعيد القيامة المجيد لسنة 1980، وذهاب البابا شنودة الثالث والأساقفة إلى الدير، وعدم تقبل التهانى بعيد القيامة. وهو ما أدى إلى تصاعد الصدام بين البابا شنودة الثالث والرئيس أنور السادات بشكل مباشر، واختزال الأزمة فى شخص البابا شنودة الثالث، وتصدير الصدام إعلاميًا.. كأنه تحدٍ من الكنيسة للدولة المصرية. وهو ما ترتب عليه تأجيج طائفى للشارع المصرى بين أبناء الوطن الواحد.

زيارة المسيحيين المصريين للقدس
نصت اتفاقية كامب ديفيد الموقعة بين مصر وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأمريكية فى 17 سبتمبر سنة 1978 على التطبيع بين البلدين من خلال قيام علاقات دبلوماسية واقتصادية وثقافية وإنهاء المقاطعات الاقتصادية والحواجز أمام حرية حركة السلع والأشخاص والحماية المتبادلة للمواطنين وفقًا للقانون.
ومن الواضح أن تمسك البابا شنودة الثالث بقراره بمنع زيارة المواطنين المسيحيين المصريين إلى القدس، كان له رد فعل غاضب من الرئيس أنور السادات الذى كان يعتبر فتح باب السفر إلى القدس لزيارة المقدسات المسيحية.. سيحدث نوعًا من التوازن فى التطبيع بين مصر وإسرائيل مع تدفق زيارة السياح الإسرائيليين إلى مصر، وهو ما اعتبره الرئيس أنور السادات نوعًا من تحدى البابا شنودة الثالث له.
سقوط دولة العلم والإيمان
كانت نهاية هذا الصدام بين البابا شنودة الثالث وبين الرئيس أنور السادات حينما أعلن فى خطابه أمام مجلس الشعب فى 14 مايو سنة 1980 بأن لديه معلومات عن المطامع السياسية للبابا شنودة الثالث الذى يريد أن يكون زعيمًا سياسيًا للمواطنين المسيحيين فى مصر، ولا يريد أن يكتفى برئاسته الدينية لهم، وأن التقارير تشير إلى أن البابا يعمل من أجل دولة للمسيحيين فى صعيد مصر تكون عاصمتها أسيوط.
وقال الرئيس أنور السادات بغضب شديد "إن البابا يجب أن يعلم أننى رئيس مسلم لدولة مسلمة"، ثم حدثت أزمة الزاوية الحمراء فى يونيو سنة 1981، والتى تعد مرحلة ثانية رئيسية فى التوترات الطائفية.. بعد أن تحول شجار شخصى إلى صدام مسلح. وازدادت الأجواء مشاحنات طائفية.. وصلت إلى أن أعلن الرئيس أنور السادات أنه عندما يعود من زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى شهر أغسطس 1981.. سوف يقدم تقريرًا إلى الأمة عن الفتنة الطائفية. ولقد حمل الرئيس أنور السادات مسؤولية ردود الأفعال الغاضبة من أبناء مصر من المواطنين المسيحيين المصريين المهاجرين على ما يحدث للمسيحيين فى مصر على شخص البابا شنودة الثالث.
ورغم توتر العلاقات بين البابا شنودة الثالث وبين الرئيس أنور السادات، فإن البابا شنودة الثالث قد كتب رسالة نقلها الأنبا صموئيل، أسقف عام الخدمات الذى لقى حتفه أثناء اغتيال الرئيس أنور السادات فى حادث المنصة فى 6 أكتوبر 1981، وقد تضمنت الرسالة كلمات للتهدئة وللترحيب بالرئيس أثناء زيارته.
وفى المقابل صعدت الجمعيات المسيحية فى المهجر الصدام مع الرئيس أنور السادات، ونشرت إعلانات موجهة عن اضطهاد المواطنين المسيحيين فى مصر، فى كل من: الواشنطن بوست، والنيويورك تايمز. وقد تواكب مع وجود الرئيس أنور السادات فى الولايات المتحدة الأمريكية أن تم تفجير قنبلة بكنيسة السيدة العذراء مريم بمسرة "شبرا - القاهرة" أثناء حفل زفاف ما أدى إلى وفاة ثلاثة مواطنين مسيحيين مصريين وإصابة 59 غيرهم.

أحداث 1981
فى 4 سبتمبر سنة 1981 صدر قرار الرئيس أنور السادات لأكبر حملة اعتقالات طالت جميع رموز الوطن من سياسيين وكتاب ومفكرين، بالإضافة إلى العديد من رجال الدين المسيحى والإسلامى. وقامت الأجهزة الأمنية بتنفيذ القرار والقبض على 1536 شخصية من جميع التيارات السياسية والدينية "منهم 24 كاهنًا و8 أساقفة".
وفى اليوم التالى الذى يوافق 5 سبتمبر سنة 1981 أصدر الرئيس أنور السادات 12 قرارًا.. يأتى من ضمنها إلغاء قرار رئيس الجمهورية رقم 2782 لسنة 1971 بتعيين الأنبا شنودة.. بابا للإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وما ترتب على ذلك من تحديد إقامة البابا شنودة الثالث فى دير الأنبا بيشوى. وتشكيل لجنة خماسية للقيام بالمهام الباباوية. وهى اللجنة المكونة من: الأنبا مكسيموس، أسقف القليوبية، والأنبا صموئيل، أسقف عام الخدمات العامة، والأنبا غريغوريوس، أسقف عام الدراسات العليا اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمى، والأنبا أثناسيوس، أسقف بنى سويف والبهنسة، والأنبا يوأنس، أسقف الغربية وسكرتير المجمع المقدس، حينذاك. لكى لا تبقى الكنيسة دون من يمثلها لدى الدولة. ولقد تحدث الكثيرون فى هذا الصدد عن تأثير العلاقة الوطيدة بين الرئيس أنور السادات والقمص متى المسكين فى شكل اتخاذ هذه الإجراءات وفى تشكيل اللجنة الخماسية لإدارة الكنيسة بعد تحديد إقامة البابا شنودة الثالث فى الدير.
ويلاحظ فى هذه المرحلة، أنها قد شهدت توترًا غير مسبوق فى علاقة الرئيس أنور السادات، رئيس الجمهورية، بالبابا شنودة الثالث، بابا وبطريرك الكرازة المرقسية، وهو ما انعكس بأشكال عديدة على علاقة مكونات المجتمع المصرى، المسيحيين والمسلمين، ببعضه البعض. وقد دعم التوتر فى هذه العلاقة ما شهده المجتمع المصرى من احتقان طائفى وصل إلى ذروته فى نهاية السبعينات والذى أدى فى نهاية الأمر إلى اغتيال الرئيس أنور السادات نفسه فى بداية الثمانينات، وسقوط دولة العلم والإيمان التى بشر بها.. فى مقابل ازدهار الخرافات والإرهاب.
فى الوقت نفسه، كانت هناك حالة من تصاعد "كاريزمة" البابا شنودة الثالث لدى المواطنين المسيحيين المصريين باعتباره رمزاً للصمود، وهو ما ترتب عليه ظهور العديد من بيانات التأييد والتمسك برئاسته للكنيسة القبطية رغم قرار الرئيس أنور السادات بتحديد إقامته فى الدير.
ورغم أن الرئيس أنور السادات قد قال للبابا كيرلس السادس رداً على تأييده له رئيساً للجمهورية فى 12 أكتوبر سنة 1970: "لقد آن الأوان لكى تأخذ كنيسة الإسكندرية مكانها كما كانت عبر التاريخ فى العالم المسيحى. لقد كانت منارة فى عالم المسيحية قبل كنائس كثيرة. وإنى أثق أن قداسة البابا يحمل فى عنقه هذه الرسالة وهو خير من يحملها. وإنى أثق أيضًا أنه بإدراككم لمعركتنا القومية، سوف تحافظون على وحدتنا الوطنية.. حتى نخلص وطننا من عدونا الذى حلت عليه اللعنة فى الإنجيل والقرآن"، فإنه، فى نهاية الأمر، رأى أنه يجب الإبقاء على خلفه البابا شنودة الثالث فى الدير وتحديد إقامته من أجل عمل توازنات.. بعد أن أوعز الكثيرين للسادات ضد البابا.
شهادات
أعتقد أنه من المهم، أن أتوقف هنا أمام شهادتين معاصرتين عن مرحلة الرئيس أنور السادات، وهى لكل من: موسى صبرى من خلال كتابه "السادات.. الحقيقة والأسطورة"، والدكتور غالى شكرى من خلال كتابه "الثورة المضادة فى مصر". وهما فى اعتقادى وجهان لعملة واحدة هى الصدام بين الكنيسة والدولة.
إن شهادة موسى صبرى تؤكد على أن جزءًا من المسؤولية يقع على البابا شنودة الثالث نفسه سواء من خلال بعض تعبيراته عن "عنف موقف البابا شنودة" أو "بسبب المعلومات التى كانت تصل للبابا عن موقف السادات المعادى له". أما شهادة الدكتور غالى شكرى فهى تحمل السادات أسباب الأزمة والصدام ليس مع الكنيسة فقط، بل مع جميع التيارات الفكرية والسياسية المصرية.
وإن كنت أتفق هنا مع النتيجة النهائية لتحليل الشهادتين بأن الأسباب الحقيقية للأزمة والصدام تقع على عاتق الطرفين معاً البابا شنودة الثالث والرئيس أنور السادات بوجه عام، وبين الكنيسة والدولة بوجه خاص. إن اختزال الصدام، كما أراد الرئيس أنور السادات أن يبرزه، هو تعبير عن توجهات وآراء يتبناها التابعين للكنيسة من رجال الدين فى الأساس من جانب، وتوجهات وتعليمات للتابعين للدولة من جانب آخر، وانتهى المشهد باغتيال الرئيس أنور السادات فى 6 أكتوبر سنة 1981 بتوجهات فكرية.. ممن قام بإطلاق سراحهم قبل ذلك.