الدكتور أحمد الطيب - شيخ الأزهر
الطيب: مسألة تعدد الزوجات شهدت تشويهًا للفهم الصحيح للقرآن الكريم والسنة
كريمة: للرجل أن يقتصر على زوجة واحدة تجنبًا للظلم وفقا للشافعية والحنابلة
داعية سلفى: التعدد يصون الفتاة فى بيت الزوجية الآمن
عباس العقاد: الشريعة الإسرائيلية أباحت تعدد الزوجات بمشيئة الزوج
الدكتور أحمد الطيب، قال فى أحد الحوارات، إن أولى قضايا التراث التى تحتاج إلى تجديد قضايا المرأة، باعتبارها نصف المجتمع، وعدم الاهتمام بها يجعلنا كما لو كنا نمشى على ساق واحدة.
وأكد أنه لا يوجد تشريع اهتم بقضية ظلم المرأة مثلما توقف القرآن والشريعة الإسلامية، فمن يقول إن الأصل فى الزواج التعدد مخطئون، وعلى مسؤوليتى الكاملة، فإن الأصل فى القرآن الكريم هو: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً".
وأضاف أن تراثنا يتضمن وجهات نظر مختلفة فى فهم "اشتراط الكفاءة بالزواج"، فالبعض يرى أنه لا بد أن يكون الشاب فى نفس المستوى الاجتماعى للفتاة، لكن الفهم الأقرب للنصوص الصحيحة هو أن الكفاءة تكون فى الدين، بمعنى التقوى، وهى لا تعنى التزام المسجد أو اللحية فقط، إنما التقوى ممثلة فى حسن الخلق، فلا يمكن أن يوصف شخص بأنه تقى وهو ساقط فى ميزان الأخلاق.
وذكر أن مسألة تعدد الزوجات تشهد ظلماً للمرأة وللأولاد ومن الأمور التى شهدت تشويهًا للفهم الصحيح للقرآن الكريم والسنة النبوية، لذا علينا أن نقرأ الآية التى وردت فيها مسألة تعدد الزوجات بشكل كامل، فالبعض يقرأ "مثنى وثلاث ورباع"، وهذا جزء من الآية، وليس الآية كاملة، فهناك ما قبلها وما بعدها.
وتساءل فضيلته: هل المسلم فعلًا حر فى أن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة على زوجته الأولى؟ أم أن هذه الحرية مقيدة؟ بمعنى أن التعدد "حق مقيد" أو نستطيع أن نقول إنه رخصة، والرخصة تحتاج إلى سبب، فمثلا الذى يقصر الصلاة رخصته مشروطة بالسفر، وإذا انتفى السبب بطلت الرخصة، فالتعدد مشروط بالعدل، وإذا لم يوجد العدل يحرم التعدد، والعدل ليس متروكًا للتجربة، بمعنى أن الشخص يتزوج بثانية فإذا عدل يستمر وإذا لم يعدل فيطلق، وإنما بمجرد الخوف من عدم العدل أو الظلم أو الضرر يحرم التعدد، فالقرآن يقول: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً".

وحمل بيان للأزهر أمس، التأكيد على أن الإمام الأكبر لم يتطرق مطلقاً إلى تحريم أو حظر تعدد الزوجات، بل سبق له أن قال، خلال كلمته أمام مؤتمر الإفتاء العالمى، ما نصه:
"أنَّنى لا أدعو إلى تشريعاتٍ تُلغى حقَّ التعدُّدِ، بل أرفُضُ أى تشريعٍ يَصدِمُ أو يَهدِمُ تشريعاتِ القرآنِ الكريمِ أو السُّنَّةِ المُطهَّرةِ، أو يَمسُّهمَا من قريبٍ أو بعيدٍ، وذلك كى أقطعَ الطريقَ على المُزايِدِينَ والمُتصيِّدين كلمةً هنا أو هناك، يَقطَعونها عن سِياقِها، ليتربَّحوا بها ويتكسَّبوا من ورائها"، ولكنِّى أتساءلُ: ما الذى يَحمِلُ المُسلمَ الفقيرَ المُعوِزَ على أن يتزوَّجَ بثانيةٍ -مثلًا- ويتركَ الأولى بأولادِها وبناتِها تُعانى الفقرَ والضَّياعَ، ولا يجدُ في صَدْرِه حَرَجًا يردُّه عن التعسُّفِ فى استعمالِ هذا الحقِّ الشرعى، والخروجِ به عن مقاصدِه ومآلاتِه؟".

وفى السياق ذاته، قال الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، إن التعدد له حكمان أصلى وآخر تبعى، الحكم الأصلى بالإباحة "جائز"، ودليله قول الله تعالى" فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع".
وأوضح أن الحياة العملية التطبيقية للنبى تؤكده، حيث أمر المسلمين من كان عنده أكثر من أربع زوجات ليمسك الأربع ويسرح الباقيات، وكان قبل التشريع الإسلامى التعدد دون عدد محدد من النساء فقصر على أربع زوجات، كما أن معظم الصحابة عددوا فكان إجماعًا منهم.
وأضاف كريمة فى تصريحات لـ "مبتدا"، أن التعدد واجباً فى أحوال خصوصًا مثل شعب ودول تحتاج النسل وسترة وإعفاف أرامل الشهداء كفلسطين، ودول بها نسب عالية من الإناث، وقد يكون مندوباً إذا وجدت دواعى كأن يكون الرجل عنده طاقة جنسية شديدة، فالإعفاف نفسه يكون مندوباً، وقد يكون حراماً إذا تيقن الظلم كالعجز الجنسى أو عدم التمكن من الإنفاق، وقد يكون مكروهاً إذا لم يقتض أو قد يؤدى التعدد إلى عدم العدل، حيث قال النبى " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل".
وشدد أستاذ الشريعة الإسلامية أن الشافعية والحنابلة ذهبوا إلى القول بأنه يسن للرجل أن يقتصر على زوجة واحدة تجنبًا للظلم، وقد قال تعالى "ولن تعدلوا بين الناس ولو حرصتم"، وأيضاً " وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة".

ووفقاً لدار الافتاء فإن تعدُّد الزوجات كان شائعًا بين العرب قبل الإسلام، وكذلك بين اليهود والفرس، والتاريخ يحدِّثنا عن الملوك والسلاطين بأنَّهم كانوا يبنون بيوتًا كبيرةً تسع أحيانًا أكثر من ألف شخص، لسكن نسائهم وجواريهم، وفى شريعة اليهود وقوانينهم حتى الآن يبيحون تعدد الزوجات، ولا يجرؤ أحد أن يهاجمهم فى عقيدتهم ودينهم وشرعهم، ومن باب تصحيح المفاهيم وإرساء الحقائق يجب علينا أن نعلم أن الإسلام جاء بالحد من تعدد الزوجات، ولم يأت بتعدد الزوجات كما يظن الآخرون.
فعن سالم، عن أبيه، أن غيلان بن سلمة الثقفى رضى الله عنه أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا" أخرجه أحمد فى "مسنده"، وابن ماجه فى "سننه"، فالحديث أمر بالحد من عدد الزوجات لمن كان يزيد على أربع، وفى المقابل لم يرِد ما يدل على أنه يجب على من تزوج واحدة أن يتزوج أخرى، وذلك لأن تعدد الزوجات ليس مقصودًا لذاته، وإنما يكون تزوج الرجل مرة أخرى لأسباب ومصالح عامة.
وتابعت الفتوى رقم 2621 لعام 2015، الغريب أن أمر تعدد النساء فى حياة الرجل يجد قبولًا عند من يهاجمون الإسلام في تشريعه لإباحة تعدد الزوجات، حيث يقبلون بتعدد الخليلات والعشيقات، ويرفضون أن يعطوهن صفة الزوجة، إذن هم يرفضون التعدد فى إطار النظام والدين والقانون، ويدْعون إلى تعدد فى غير إطار، وهو التعدد الذى لا يكفل للمرأة أى حق، بل يستعبدها الرجل، ويقيم معها علاقة غير رسمية ويسلب زهرة حياتها، ثم يرمى بها خارج قلبه وحياته.
ويتسبب لأسرته فى أمراض جنسية خطيرة إلى جانب أطفال السفاح الذين لا يعترف بهم فى أكثر الأحيان، فزواج الرجل من إمرأة أخرى حتى أربع نساء حكمه فى الإسلام الإباحة إن كان قادرًا عليه، ولا يؤثر بالسلب والضرر البالغ على حياته الأخرى.
وأما تفسير قوله تعالى: "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ"، فقد قال الإمام الطبرى فى تفسيره "جامع البيان في تأويل القرآن": "اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك: فقال بعضهم: معنى ذلك: وإن خفتم، يا معشر أولياء اليتامى، أن لا تقسطوا فى صداقهن فتعدلوا فيه، وتبلغوا بصداقهنَّ صدقات أمثالهنَّ، فلا تنكحوهن، ولكن انكحوا غيرَهن من الغرائب اللواتى أحلَّهن الله لكم وطيبهن، من واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة فلا تعدلوا، فانكحوا منهن واحدة، أو ما ملكت أيمانكم".
وأشارت الفتوى إلى قول الإمام الطبرى فى تفسيره "7/ 534": وقال آخرون: بل معنى ذلك النهى عن نكاح ما فوق الأربع، حِذارًا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم، وذلك أن قريشًا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدمًا مال على مال يتيمه الذى في حجره فأنفقه أو تزوج به، فنهوا عن ذلك، وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها فلا تعدلوا فيها، من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مُؤن نسائكم فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربعٍ، وإن خفتم أيضًا من الأربع أن لا تعدلوا فى أموالهم، فاقتصروا على الواحدة، أو على ما ملكت أيمانكم.
وذكرت الفتوى أنه مما سبق يتبين أن الإسلام جاء ليحد من تعدد الزوجات بالطريقة التى كانت سائدة فى هذا العصر عند العرب والفرس والروم، وأن الإسلام لم يوجب على المسلم الزواج من أربع، بل جعل ذلك على الإباحة، وهذا لا شك أفضل من تعدد العشيقات والخليلات، والذى ينتج منه أولاد الزنا، ويؤثر ذلك على المجتمعات بالأمراض الأخلاقية بل والجسدية.

من جانبه، قال الشيخ محمد أبو زهرة، أحد كبار علماء الأزهر الراحلين، ردًا على دعوات تقييد تعدد الزوجات التى خرجت في العشرينات، مطالبة بنص قانونى ملزم، استنادًا لقوله "وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع".
حيث جاءت فى صيغة شرطية من جواب شرط لخوف القسط فى اليتامى، وذهبوا أيضاً أن الإباحة ليست مطلقة وإنما مقيدة بشرطى العدالة والقدرة على الإنفاق، وإن المفسرين انتهوا بخصوص الآية إلى تخريجين:
أحدهما أن بعض الأولياء كانوا يتزوجون يتامى فى ولايتهن كابن العم يتزوج بابنة عمه ولا يعطيها مهرها، والآية تنهى صراحة عن ذلك، والآخر أن الآية تطالب بالعدالة مع النساء، فالمعنى وإن كنتم تخافون ألا تقسطوا مع اليتامى فى المعاملة فخافوا ألا تقسطوا مع النساء فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، ومهما يكن من التخريج فالآية كما يستنتج دالة دلالة قطعية على جواز التعدد، وأكدته السنة المتواترة وإجماع المسلمين حتى ليكاد أن يكون معلوماً من الدين بالضرورة.
وذكر الراحل فى المسألة الثانية المتعلقة باشتراط العدالة والقدرة على الإنفاق، فهذا أمر مقرر فى الشريعة بنص حديث الرسول "من استطاع منكم الزواج فليتزوج"، والباءة هى تكاليف الزواج ونفقاته، ولكن الخلاف فى كيفية إثبات القدرة والعدالة قضاء أم ديانة.
وشدد أنهما مطلب دينى وليسا من تعلقات القضاء، ويستدل على ذلك بأنه ليس هناك قانون من قوانين العالم اشترط إثبات عدالة الزوج وقدرته على الوفاء بالتزامات الزوجية.

وذهب عباس محمود العقاد، إلى القول بأن الشرائع المدنية عامة قبل الإسلام، كانت تبيح تعدد الزوجات واقتناء السرارى بغير تحديد للعدد، ولا التزام بشرط من الشروط، غير ما يلتزمه الزوج من المئونة والمأوى، والشريعتان الدينيتان السابقتان للإسلام وهما الإسرائيلية والمسيحية مختلفتان فى أحكام الزواج وفى النظر إلى معناه وغايته من الوجهة الروحية.
وأوضح أن الشريعة الإسرائيلية أباحت تعدد الزوجات بمشيئة الزوج حسب رغبته واقتداره، ويفهم من أخبار العهد القديم أن داود وسليمان عليهما السلام وهما ملكان نبيان جمعا بين مئات من الزوجات الشرعيات والإماء، ولم يلحق بهما اللوم إلا لما نسب إلى داود من الزواج بامرأة قائدة أوريا الجميلة بعد تعرضه للقتل فى الحرب، وما نسب إلى سليمان من مطاوعته لإحدى زوجاته فى إقامة الشعائر المخالفة للدين.
ففى الإصحاح الثانى عشر من سفر صمويل الثانى يقول النبى ناثان لداود: أنا مسحتك ملكا على إسرائيل وأنقذتك من يد شاول وأعطيتك بيت سيدك ونساء سيدك.. لماذا أخذت امرأة أوريا لك امرأة؟
وفى الإصحاح الحادى عشر من سفر الملوك الأول أن الملك سليمان: أحب نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون ملك مصر التى تزوجها موآبيات وعمونيات وأورميات وصيدونيات وحيثيات، فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة، وكانت له سبعمائة من النساء السيدات وثلاثمائة من السرارى، فأمالت نساؤه قلبه.
ويقول نيوفلد صاحب كتاب "قوانين الزواج عند العبرانيين الأقدمين" إن التلمود والتوراة معا قد أباحا تعدد الزوجات على إطلاقه، وإن كان بعض الربانيين ينصحون بالقصد فى عدد الزوجات، وأن قوانين البابليين وجيرانهم من الأمم التى اختلط بها بنو إسرائيل كانوا جميعًا على مثل هذه الشريعة فى تعدد الزوجات والإماء.

على الجانب الآخر، لم تقف الدعوة السلفية أمام تصريحات الطيب طويلاً، لتقرر إطلاق دعوة للتعدد مخاطبة الرجال بأن التعدد حل مجتمعى لمشكلة العنوسة، لتحمل المبادرة شعار "خليه يعدد".
وقال الداعية السلفى، سامح عبد الحميد حمودة، إن الحملة السلفية تُخاطب الرجال للرد على ما ورد من حديث شيخ الأزهر عن التعدد، مؤكداً أنه كان يتعين على الشيخ أن يُشجع الرجال على تعدد الزوجات، خصوصًا وأنه هو الحل المجتمعى لمشكلة العنوسة التى تفاقمت بصورة مُخيفة.
وتابع حمودة، التعدد مصلحة للمرأة فى الأساس، وعلينا أن نُحفز الرجال القادرين ونحضهم عليه، حتى تحظى أعداد كبيرة من الفتيات بزوج وبيت وأولاد، موضحاً عندما تُصبح المرأة زوجة ثانية، فهذا أفضل لها من أن يضيع شبابها وتذبل ويفوتها قطار الزواج، وتكون فى ألم نفسى هى وأسرتها.
وأوضح أن التعدد يصون الفتاة فى بيت الزوجية الآمن، بدلاً من أن تصبح فريسة لذئاب تعبث بعقلها وعفتها، مؤكدًا أنه كان يتعين على شيخ الأزهر توضيح مقصده، لأن هناك من طار بكلامه وزعم أن الشيخ يقول إن التعدد فيه ظلم للمرأة، وهذا غير صحيح وغير وارد فى كلامه، ولكن حديثه اكتنفه بعض الغموض، مما أدى إلى التفسيرات الخاطئة لكلامه.