لقاء السيسى والممثل الخاص لبابا الفاتيكان
ولأن أهل الشر طوال التاريخ دائمًا ما يبحثون عن المغالين والمتشددين، فإنهم الآن وجدوا ضالتهم فى البعض ممن جُرفت عقولهم، وضاعت ثقافاتهم بين الأضداد، وانتُزعت ضمائرهم وتسامحهم، فجعلوهم وقود نيران يشعلونها وقتما يشاءون، ويطفئونها وقتما يشاءون، غير أن الوسطيين كانوا لهم بالمرصاد، فوقفوا أمامهم فكريًا ينشرون أفكار السماحة والسلام، يُعلمون الأجيال والنشء الجديد معنى الوسطية والتسامح وعدم المغالاة، حتى فى المعتقد.
وكان الأزهر الشريف شاهدًا على ذلك طوال سنوات عمره، بينما كان الفاتيكان يخوض حروبًا ضروس ضد التشدد فى العالم المسيحى.
ثقافة التسامح
الرئيس عبدالفتاح السيسى لا يفوت مناسبة إلا وتحدث عن الوسطية والاعتدال فى الأفكار، وإرساء قيم التعايش وحرية العبادة، حيث استقبل الكاردينال ليوناردو ساندرى رئيس مجمع الكنائس الشرقية بالفاتيكان وزير دولة الكرسى الرسولى والممثل الخاص لقداسة البابا فرانسيس بابا الفاتيكان، يوم الأحد الماضى، وقال خلال اللقاء إن ثقافة التسامح بدأت بالفعل تنتشر فى مصر، ومن المتوقع أن تنتشر كذلك فى المنطقة التى تموج بموجات إرهابية عاتية، منوهًا إلى توقيع شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان وثيقة "الأخوة الإنسانية" مؤخرًا، بما يساهم فى تعزيز تلك الثقافة.
خصوصية ثقافة المنطقة
وأوضح الرئيس أهمية تفهم خصوصية ثقافة المنطقة بما تضمه من معايير ومبادئ وهو الأمر الذى يتطلب التفهم والتفاعل مع تلك الثقافة فى إطار من القبول والاحترام، وطلب الرئيس من ضيوفه نقل تحياته إلى قداسة البابا فرانسيس بابا الفاتيكان، مشيرًا إلى ما يحظى به قداسة البابا من تقدير واحترام لدى الشعب المصرى، ومنوها إلى التطورات الإيجابية التى شهدتها العلاقات الثنائية بين مصر والفاتيكان خلال الأعوام الماضية، خصوصًا الزيارة التاريخية للبابا فرانسيس إلى مصر 2017، وعودة الحوار بين الأزهر والفاتيكان.
وتحتفظ مصر والفاتيكان بعلاقات ودية منذ بدء إقامة العلاقات الدبلوماسية فى مايو 1947، كما يوجد توافق عام فى سياسة الدولتين تجاه قضايا أساسية، وعلى رأسها عملية السلام فى الشرق الأوسط والتوصل إلى حل نهائى بشأن وضعية القدس، وإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وتعضيد الحوار بين الأديان، والحفاظ على الترابط الأسرى، وتحريم الإجهاض والمحافظة على البيئة، ومكافحة الإرهاب.
الحوار بين الأديان
كذلك يوجد تنسيق دينى قائم بين الدولتين من خلال اللجنة المشتركة للحوار بين الأزهر الشريف والمجلس البابوى للحوار بين الأديان، والتى تم التوقيع على إنشائها فى 28 مايو 1998 بالفاتيكان، وفى أبريل 2010 عقدت لجنة الحوار أعمالها بمشيخة الأزهر الشريف، برئاسة الدكتور محمد عبد العزيز واصل، وكيل الأزهر ورئيس لجنة الحوار، والكاردينال جان لوى توران، رئيس المجلس البابوى للحوار بين الأديان، وتناول المشاركون تنامى ظاهرة العنف الدينى، وكيفية مكافحتها.
العلاقات القوية بين البلدين، خلال الفترة الأخيرة، ظهرت فى زيارة الرئيس السيسى للمقر البابوى بالفاتيكان بعد 5 أشهر فقط من توليه منصب رئيس الجمهورية، حيث اجتمع الرئيس مع البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، تلبية للدعوة الموجهة إليه من قداسة البابا، وأكد الجانبان خلال اللقاء على استئناف الحوار بين الأزهر والفاتيكان عن طريق إعادة تفعيل لجنة الحوار المشترك مع الأزهر الشريف للبناء على القواسم المشتركة التى تنطلق منها الديانتان الإسلامية والمسيحية والتى يمكن البناء عليها لتعزيز التعايش المشترك بين الشعوب وتدعيم جهودهما فى مواجهة الأفكار المتطرفة.
وبالفعل استجاب الأزهر للمبادرة وتجسدت أسمى معانى الود فى زيارة شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب للفاتيكان، واستقبله حينها البابا فرانسيس، وبحث الجانبان جهود نشر السلام والتعايش المشترك فى زيارة هى الأولى من نوعها فى تاريخ المؤسستين الدينيتين، كما ناقشا تنسيق الجهود بين الأزهر الشريف والفاتيكان من أجل نشر ثقافة الحوار والتعايش بين الشعوب والمجتمعات.
بابا الفاتيكان هو الآخر زار مصر فى 2017، بمناسبة مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وركزت وسائل الإعلام الأجنبية على ما جاء فى اللقاء بين بابا الفاتيكان وقداسة البابا تواضروس بطريرك الكرازة المرقسية وشيخ الأزهر فضيلة الإمام أحمد الطيب، خصوصًا المشاعر الطيبة التى تكنّها مصر، بلد الأزهر والكنيسة المرقسية، لشخص بابا الفاتيكان، وتقديرها لمكانته المعنوية والروحية ومواقفه الشجاعة تجاه القضايا الدولية، خصوصًا قضية مكافحة الإرهاب والغلو.
الأرضية مشتركة بين البلدين وممهدة لمزيد من التعاون ضد أهل الشر والإرهاب والتطرف، خصوصًا مع تميز العلاقات بين القيادات.