الاستثمار فى إفريقيا
إلا أن هذه المقومات الكبيرة كادت أن تضيع هباءًا بسبب انتشار حركات العنف والصراع والتطرف داخل القارة السمراء، سواءً حركات دينية متطرفة أو صراعات عرقية، ومن بينها حركات حاولت زعزعة استقرار المنطقة العربية، الأمر الذى جعل العرب ينتبهون لأهمية القارة الإفريقية كبعد أساسى لعملية الأمن القومى العربي.
ولا يوجد أفضل من الاستثمار لانتشار القارة الإفريقية ومنطقة الشرق الأوسط من براثن التطرف والجهل والمرض،وبدأت معدلات الاستثمار تتزايد بحلول العقد الأخير، لتتجاوز عملية الاستثمار والتنمية المرحلة الحرجة، وباتت إفريقيا فى طريقها لتحقيق معدلات نمو اقتصادية أشد ثباتا وأكثر سرعة، للتخلص من مستويات الفقر المرتفع وإنقاذ القارة من الصراعات والتطرف.
وقال نائب رئيس البنك الدولى لمنطقة إفريقيا، أنه: "على مدى العقد الماضى، سجلت أفريقيا معدل نمو متوسط بلغ 5.4% التى هى على قدم المساواة مع بقية العالم".

ثروات القارة السمراء
تنبهت الكثير من الحكومات ما تمتلكه البلدان الإفريقية من موارد كبيرة وفى جميع الميادين، لا أنه للأسف لم يكن تجهيز هذه الموارد يجرى داخل إفريقيا، ما أضاع على أبناء إفريقيا الكثير من فرص التنمية والنمو، وشهدت الأونة الأخيرة استنفار الكثير من الدول للاستثمار فى إفريقيا بمواردها الطبيعية والبشرية، هذا إلى جانب الفرص المتاحة فى مجال بناء المنشآت الأساسية والبنى التحتية، كبناء الطرق والسكك الحديدية والمطارات والموانئ، وتوليد الكهرباء والسدود والخزانات وإمداد الماء، ومنشآت أساسية أخرى فى مجال الخدمات المختلفة، أو إعادة تأهيل وبناء لما تقادم عهده من ذلك.
وعلى مستوى الموارد البشرية تمتلك إفريقيا أكثر من 934 مليون نسمة، وهى أهم العوامل التى تفتح مجالات الاستثمار، وتمتلك القارة مساحة 30.190 مليون كم مربع، تزخر بمخزون من الثروات والمعادن الاستراتيجية، ومن بين 50 معدنًا هامًا فى العالم يوجد 17 معدنًا على الأقل منها فى إفريقيا وباحتياطات ضخمة، مثل احتياطى "البوكسيت والفروكروم، والكوبلت، والماس، والذهب، والمنجنيز، والفوسفات، والمعادن البلاتينية، والتيتانيوم، والفاناديوم".
وبالإضافة إلى اكتشافات المعادن والثروات النفطية تتمتع إفريقيا بإمكانيات هائلة فى مجال الزراعة، بما يؤهلها لتصبح سلة الغذاء العالمى كما يرى الكثير من الخبراء، ويجرى بها 13 نهرًا بالإضافة إلى ارتفاع معدلات سقوط الأمطار ببعض مناطقها المناخية المتنوعة، ومخزون المياه الجوفية، وتقدر الطاقة الكامنة للرى فى إفريقيا بنحو 42.5 مليون هكتار، إضافة إلى الأحواض والموارد المتجددة.
ووفقًا للتقديرات العلمية، فإن إفريقيا تتميز بأقاليمها المناخية المتنوعة التى تؤهلها لمواسم زراعية متنوعة فى ذات الوقت، علاوة على أن 35% من أراضيها تصلح بالفعل للزراعة، ولم يستغل منها سوى 7% فقط.

نفط هائل ومخرجات صناعية محدودة
وأصبحت دول وبلدان إفريقيا موطنًا لاكتشافات النفط الهائلة فى السنوات الأخيرة، وهى المنطقة الأخيرة للعالم فى احتياطيات هائلة من النفط والغاز، إذ يقدر الخبراء حجم النفط الإفريقى بين 7 و9% من إجمالى الاحتياطى العالمى، ما يوازى ما بين 80 إلى 100 مليار برميل خام، حيث تنتشر حقول النفط داخل القارة فى كثير من دولها وعلى شواطئها الغربية، وهو أسهل وأسرع فى استخراجه، وسهولة نقل الخام المتدفق من الآبار إلى سفن راسية عند السطح تقوم بأعمال التصفية والتكرير، بحيث تصبح مشتقاته جاهزة للتحميل والتصدير مباشرة، وهو ما يحقق وفراً اقتصادياً مشجّعً للمستثمرين.
وبالرغم من هذه الإمكانات الهائلة التى تحظى بها إفريقيا، إلا أن مخرجات القارة من القطاع الصناعى لا تتعدى نسبة 2% من الإنتاج العالمى، وصادراتها لا تبلغ نسبة 1% عالميًا، ما يعنى أن القارة فرصة لاستثمار إمكانات فنية ومالية ومعلومات وخبرات لتسريع التنمية الصناعية فى إفريقيا.

نحو شراكات عربية واستثمارات صديقة
وتطمح القارة الإفريقية نفسها إلى الاستثمارات العربية، فقد اعتبرها جان بينح، رئيس الاتحاد الإفريقى السابق، أن الاسثمارات العربية هى أفصل وسيلة لتخفيف حدة الفقر والتوترات، للحفاظ على أمن وسلامة المجتمعات الإفريقية وتحقيق النمو بها، وينظر الكثير من أبناء القارة السمراء إلى الاستثمارات العربية على أنها استثمارات شريكة لا أطماع فيها، وأنها تحقق توازن مصالح مشتركة لبناء الحضارة الإنسانية.
ولأن القارة الإفريقية هى مطمع استراتيجى لكل الدول القوية، تطمح لاستغلالها كعمق استراتيجى لها، نظراً للموقع الجغرافى المهم الذى يؤثر على حركة السياسة الدولية والإقليمية، وممرات الملاحة الدولية، وإطلالة إفريقيا على الممرات الملاحية الرابطة بين قارات العالم، فقد كان لها أثرًا واضحًا فى تأمين صادرات النفط الخليجية، التى تعتمد بنسية 90% على عائدات النفط، وكذلك واردات السلع والخدمات، علاوة على أهمية سوقية حقيقية فى مواجهة أى تحرك عسكرى فى المنطقة.
وبلغة الأرقام، تشير بيانات الوكالة الإقليمية للاستثمار التابعة لدول "الكوميسا"، بلغت استثمارات الصين فى إفريقيا 40 مليار دولار، فى حين بلغ إجمالى استثمارات السعودية والإمارات 14.8 مليار دولار، وهى إحصائيات قديمة، تضاعفت خلال السنوات الأربعة الأخيرة بمعدل فاق 700% على الأقل.
السعودية تستثمر 685 مليون دولار جنوب إفريقيا
أعلنت شركة أكواباور السعودية، عزمها استثمار 9.6 مليار راند ـ أى ما يعادل 658 مليون دولار ـ فى جنوب إفريقيا.
وتخطط السعودية لبناء مصفاة نفطية ومصنع للبتروكيماويات فى جنوب إفريقيا كجزء من برنامج استثمارى عالمى تبلغ قيمته 10 مليارات دولار.

السودان عمق استراتيجى
كانت خطوة لافتة من المملكة العربية السعودية الدخول إلى السودان ودعمها بمنحة عسكرية كبيرة، بالإضافة إلى التدريبات العسكرية المشتركة، والاستثمارات الاقتصادية، فقد تنبهت المملكة للمحاولات التركية للسيطرة على جزر سودانية تمثل عمقًا أمنيًا للمنطقة العربية، وسط مساعى التصدى للأطماع الاستعمارية التركية،
الأمر أعاد السودان إلى الشراكة العربية، إذ يشارك بقوات من الجيش السودانى فى مناورات "رعد الشمال" فى منطقة حفر الباطن شمالى السعودية ضمن 20 دولة.
التصدى لإيران.. تحرير اليمن يبدأ من جيبوتي
وفطنت كلاً من السعودية والإمارات للمحاولات الإيرانية لاستئجار جزر إريترية للاستخدام العسكرى، فأسرعت السعودية لبناء قاعدة عسكرية لها فى جيبوتى، الدولة المطلة على الجانب الغربى من مضيق باب المنتدب، لتأمين المضيق الذى يوصل نفطها إلى العالم.
وبدأت التحركات السعودية نحو جيبوتى بمنحة 5 زوارق بحرية سريعة ومتطورة قدمتها لجيبوتى، وبالفعل ساهمت جيبوتى كثيراً فى نجاح عمليات السفن والبوارج العسكرية لقوات التحالف العربى فى تحرير جزيرة ميون اليمنية من سيطرة الحوثيين، فاستعادوا السيطرة على مضيق باب المندب، واستلمته قوات الجيش الوطنى اليمنى الذى وصل هناك عبر جيبوتي.
وخلال زيارة للرئيس الإريترى، أسياس أفورقى، إلى الرياض، توصلت معه السعودية إلى اتفاق تعاون عسكرى وأمنى واقتصادى لمحاربة الإرهاب والتجارة غير المشروعة والقرصنة فى مياه البحر الأحمر، وعدم السماح لأى تدخلات أجنبية فى الشأن اليمني.

نيجيريا.. حليف الأوبك
وكانت التحالفات السعودية مع نيجيريا بداية السيطرة على أسعار النفط المنهارة، ويعتبر الرئيس النيجيرى، محمد بخارى، حليفًا استراتيجيا للمملكة، بعدما أدى انخفاض أسعار برميل النفط إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 13 عاماً، إلى تراجع حاد فى إيرادات الدول المنتجة، ودفع الدول الخليجية إلى اتخاذ إجراءات تقشف وخفض الدعم عن مواد أساسية.

استثمارات الإمارات ترتفع 700%
ويؤكد المدير العام لغرفة تجارة وصناعة دبى حمد بوعميم، أنه على الرغم من أن استثمارات الشرق الأوسط عموماً ودول الخليج خصوصاً، تركز عادة على شمال أفريقيا، فإن المستثمرين اليوم يتحركون نحو الجنوب، لافتًا إلى أن حجم التجارة غير النفطية بين إفريقيا والإمارات بلغ 24 بليون دولار، بزيادة تتجاوز 700% على مدى السنوات العشر الماضية، وأنه لدى غرفة تجارة دبى الآن مكاتب جديدة فى إثيوبيا وغانا وموزمبيق وكينيا.
وأضاف أن شركة "أبراج" استثمرت إحدى شركات الأسهم الخاصة التى تتخذ من دبى مقراً لها، أكثر من 3 بلايين دولار فى أكثر من 60 شركة إفريقية، وخصصت شركات الخليج 19 بليون دولار عام 2014 ، للاستثمار فى مشاريع البنية التحتية فى القارة السمراء. كما تملك "موانئ دبى العالمية" ثالث أكبر مشغل عالمى للموانئ فى القارة، وأكثر من 30 مشروعاً استثمارياً، بما فى ذلك المحطات البحرية فى داكار ومابوتو، ومحميات الحياة البرية فى رواندا وجنوب إفريقيا. وتعهدت "موانئ دبى العالمية" باستثمار 1.5 بليون دولار أخرى فى السنوات الخمس المقبلة، من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص.
وفى جيبوتى الصغيرة غير المستقرة، استثمرت الشركة أكثر من 1.1 بليون دولار. وفى صومالى لاند أنشأت مشروعاً مشتركاً بقيمة 442 مليون دولار لتطوير ميناء بربرة.
وفى مجال الزراعة، تستثمر دول الخليج المزيد فى إفريقيا للتحوط من أخطار الأمن الغذائى الوشيكة، وبحلول عام 2020، ستتخطى فاتورة واردات دول مجلس التعاون الخليجى 53.1 بليون دولار، أى نحو 8 فى المئة من الواردات.
