البث المباشر الراديو 9090
أردوغان
هوت الليرة التركية، يوم الجمعة الماضى، لتسجل أكبر هبوط لها فى يوم واحد، منذ أن استحكمت أزمة العملة فى أغسطس الماضى، وبتراجعٍ 5% أمام الدولار الأمريكى، الأمر الذى دفع الأتراك للتهافت على شراء العملة الأجنبية فى محاولة لتأمين مدخراتهم أو استثماراتهم، وهو ما هدد الاقتصاد التركى بتراجع مستمر لم يسبق له مثيل منذ عشرات السنين!

وتأتى الهزة الاقتصادية العنيفة فى وقت شديد الحساسية للرئيس التركى رجب طيب أردوغان، وحكومته من أعضاء حزب "العدالة والتنمية"، حيث يواجه انتخابات محلية ربما تحدد مستقبله السياسى، ووسط حالة من السخط الشعبى والتراجع الاقتصادى الذى لم تشهد تركيا مثيلاً له من قبل.

"ثمن باهظ".. أردوغان يهدد الأتراك

ولم يجد لنفسه طريقًا فى مواجهة الأزمة سوى تهديد المواطنين وترهيبهم، لاسيما وأن السوق التركية تعبر بجدية أزمة اقتصادية مستفحلة، حيث ارتفعت ودائع الأفراد الأتراك بالنقد الأجنبى، وسجلت مستوى قياسيا يوم 15 مارس الجارى، قبل أيام قليلة من انتخابات صعبة يواجهها أردوغان وحزبه، ما يشير إلى عزوف عن العملة المحلية ودخول تراجع الاقتصاد التركى إلى منحنيات أشد صعوبة.

وهدد أردوغان، من يشترون العملات الأجنبية توقعا لهبوط الليرة، بأنهم سيدفعون "ثمنا باهظا للغاية"، مضيفًا أن وزارة المالية تتعامل مع هذا الأمر.

وقال أردوغان، يوم الأحد الماضى، متحدثا خلال تجمع انتخابى فى أسطنبول، إن "بعض الأشخاص" بدأوا فى استفزاز تركيا، ويحاولون دفع الليرة للهبوط أمام العملات الأجنبية مع معاونيهم فى تركيا.

أردوغان

"خونة الخارج".. شماعة أردوغان

ودائمًا ما يحاول أردوغان اللعب على وتر إثارة القومية والنزعات الداخلية، فى محاولة لاستنزاف مخاوف قومية لدى الأتراك، فيسعى الرئيس التركى لإيجاد أطراف من الخارج يعلق عليها شماعة الفشل الاقتصادى المتواصل، وهو ما اتضح فى تصريحاته خلال مؤتمر اسطنبول، حيث قال: "أقول للذين ينخرطون فى مثل هذه الأنشطة قبيل الانتخابات، نعرف هوياتكم جميعا.. ونعلم ما تفعلونه جميعا.. فلتعلموا أنه بعد الانتخابات سنقدم لكم فاتورة ثقيلة".

ولم يحدد أردوغان من يستهدف بتعليقاته، لكن الجهات التنظيمية المسؤولة عن القطاع المصرفى والسوق، أشاعت أنها بدأت تحقيقا فى شكاوى من أن تقريرا لبنك "جيه.بى مورجان" أثار مضاربات فى بورصة اسطنبول، وأضر بسمعة البنوك التركية.

وجاءت المزاعم التركية ردًا على تقرير أصدره البنك لتقييم وضع الاقتصاد التركى والليرة، وتقديم النصح لعملائه فيما يتعلق بالتعاملات السوقية.

وكان التقرير أكد توقعات بأن الليرة ستواصل الهبوط حتى بعد الانتخابات المحلية، علاوة على أنه أوصى عملاءه ـ حرصًا على مصالحهم ـ بشراء الدولار وتجنب الليرة التى تواصل الهبوط، وهى التوقعات التى أكدها هبوط الليرة الأكبر يوم الجمعة الماضى.

وعلى الجانب الآخر، أحجم متحدث باسم "جيه.بى مورجان" للمنطقة، عن التعليق على أنباء تلك التحقيقات التى زعمها مسؤولو القطاع المصرفى فى تركيا.

الليرة التركية

الأتراك لا يثقون بالليرة

والحقيقة أن تراجع ثقة عملاء المصارف والسوق فى الليرة التركية لم يأت من فراغ، ففى يوم الجمعة الماضى تحديدًا كانت الليرة التركية تتجه لتسجيل أدنى مستوى إغلاق منذ دخولها على خط الأزمات فى أغسطس الماضى، حيث سجلت العملة التركية 5.7500 للدولار، منخفضة 5.22% عن مستوى الإغلاق السابق لها، والذى بلغ 5.4650 .

وفى اليوم ذاته، وفى نفس الجلسة، هوت الليرة مرة أخرى إلى 5.75 للدولار، وخسرت العملة التركية 30% من قيمتها مقابل الدولار عما كانت عليه فى التوقيت ذاته من العام الماضى، الأمر الذى أثار حالة من الفزع والقلق لدى المستثمرين، وتشككوا فى قدرة البنك المركزى على كبح التضخم.

ولم تفلح دعوات أردوغان وتوجهياته للبنك المركزى التركى، لخفض تكاليف الاقتراض ووقف تدهور الليرة، فقد أدرك المتعاملون فى الأسواق أنها توجيهات غير منطقية فى ظل عدم وجود إجراءات سياسية أو اقتصادية من شأنها تعزيز دعم العملة.

أزمة الليرة التركية

إرباك المستثمرين

ويسعى المركزى التركى لخلق حالة من الثقة فى العملة المحلية للبلاد، فى محاولة للقفز على الأزمة التى يواجهها الاقتصاد، إلا أن الإجراءات المتسارعة والسطحية فى حقيقتها لم تفلح، اليوم الثلاثاء، إلا فى خلق حالة من الإرباك لدى العملاء والمستثمرين، حيث اتخذ البنك قرارًا بخفض أسعار الفائدة فى الشهور المقبلة، ليقفز المؤشر بشكل طفيف، إلا أنه لم يكن قادرًا على استعادة ثقة الأتراك فى عملة بلادهم، واستمر الاقبال على شراء النقد الأجنبى والعزوف عن الليرة.

ويشير خبراء اقتصاد إلى أن هذه التعاملات المتقلبة تعزز فقدان الثقة فى العملة المحلية، وتزيد من موجة عاتية من الاقبال على النقد الأجنبى، خاصة وأن الظروف الاقتصادية المحيطة وارتفاع الأسعار لا يشى بأى تغيير جذرى جاد أو مضمون.

البنك المركزى التركى

استقطاب سياسى لتسويغ الفشل

والحقيقة أن الاستقطاب السياسى داخل تركيا، يدفع بعددٍ من الموالين للخليفة المزعوم إلى محاولات لتبرير الفشل الاقتصادى، حيث يحاول أفراد من "العدالة والتنمية" الإيحاء بأن خسائر الليرة المتعاقبة تُعزى إلى تصريحات أردوغان العنترية، بشأن رفضه لتصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب واعترافه بالسيطرة الكاملة لإسرائيل على الجولان السورى، وهو ما ينافى المنطق وتسلسل الأحداث، فالكثير من الدول رفضت تصريحات ترامب وذمتها، ولازال اقتصادهم فى نمو أو فى استقرار على الأقل!

والحقيقة أن فقدان الثقة الداخلى فى سياسات الرئيس التركى هو أهم ما يدفع على طريق تهاوى الاقتصاد والعملة المحلية، فإلى جانب مؤشرات الخسائر السياسية التى يواجهها أردوغان وحزبه فى الانتخابات المحلية المقبلة، فهناك أيضًا تاريخ من السياسات الاقتصادية الخاطئة لأردوغان وجماعته جنت على الاقتصاد التركى، وهوت به إلى هوة سحيقة من التراجع والارتباك.  

أسطول سيارات أردوغان

وعلى سبيل المثال، ارتفعت تكلفة تأمين الانكشاف على الديون السيادية التركية لأعلى مستوى منذ منتصف يناير الماضى، فى ظل تنامى التوترات الخاصة بوضع حكومة أنقرة، وتعرض أصول الأسواق الناشئة لضغوط أوسع نطاقا.

كما قفزت عقود مبادلة مخاطر الائتمان التركية لأجل خمس سنوات 12 نقطة أساس إلى 363 نقطة أساس مقارنة مع 351 نقطة أساس عند الإغلاق، ما بين يومى الجمعة والخميس الماضيين، حسبما أكدت بيانات "آى.اتش.اس ماركت".

ولم تتوقف السياسات الاقتصادية الخاطئة، فقد أربك رد فعل الحكومة، مطلع الأسبوع الجارى، المستثمرين على نحو يجلب المشاكل لاقتصاد يعانى ركودًا بالأساس، ويعتمد على التمويل الأجنبى.. وكان أبرز ردود فعل الحكومة التركية تهديد المصرفيين والتحقيق فى عملياتهم الخاصة بالعملة، أى أن الاقتصاد التركى أصبح قائمًا على الشكوك وفقدان الثقة!

أردوغان
تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً