الجيش الباكستانى
- مقابر وأضرحة القتلة تحولت لمزارات تجتذب الآلاف يوميًا
- لا أحد يبكى على اغتيال دعاة التحرر ومواجهة التشدد على يد الإرهابيين
- "هراء" المتطرفين يحظى برواج شعبى.. وجنرالات يستخدمونهم كمرتزقة
معضلة الإرهاب فى باكستان معقدة وبشدة، فربما هى الدولة الوحيدة فى العالم الذى يجد الإرهابيون تشجيعا ممن حولهم، فسوق كوثر فى العاصمة إسلام أباد مكان رائع فى كل تفاصيله، وذات يوم كان شاهدًا على ذلك التعقيد الصادم المتصل بملف الإرهاب بباكستان.
فى السوق هناك صف من المتاجر التى تضم المطاعم والمقاهى والبازارات ومحال البقالة التى تبيع المنتجات الغربية، مثل نوتيلا وفلتركافى، أمامه مساحة شاسعة متخمة بالطاولات والكراسى والمظلات، بينما تخترقها نباتات فى أوانٍ فخارية زاهية الألوان، وفى نهاية الشارع مسجد صغير.
فى سوق الكوثر يجد المرء بسهولة البيتزا، فهناك يتوافد الأثرياء، وكذا السياسيون والعسكريون، فهو مكان مناسب للمحادثات واللقاءات، إذا ما كانوا لا يودون التحدث فى مكاتبهم.
هناك يحتسى الدبلوماسيون ورواد التنمية والاستثمار والصحفيون، وكذا الجواسيس، من جميع أنحاء العالم القهوة، هناك ينتشر عملاء جهاز الاستخبارات الباكستانى لتسجيل التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، يعدون أنفاس الجميع حرفيًا.

فى 4 يناير 2011، وفى نفس المكان، قُتل سلمان تيسير حاكم البنجاب، أكثر مقاطعات باكستان من حيث عدد السكان والأقوى اقتصاديًا، بالرصاص، فى أثناء مغادرته مقهى موكا بسلام آنذاك، قبل أن يباغته حارسه الشخصى، ممتاز قادرى، بإفراغ سلاحه الرشاش فى جسده الضخم ليرديه قتيلًا فى الحال.
كان قادرى عضوًا نجيبًا فى القوات الخاصة بشرطة البنجاب، وقد قتل الرجل الذى يفترض أنه يحميه بلا تردد وبصلابة نادرة، أطلق عليه 26 رصاصة ثم أشاح ببندقيته بعيدًا وأسقطها على الأرض، ليرفع يديه عاليًا، تاركًا نفسه ليتم اعتقاله بينما دماء ضحيته لا تزال تتدفق ساخنة أمام عينيه.
تيسير المقتول لم يجد من يتعاطف معه، على الأقل شعبيًا، فقد كان ليبراليًا ومؤيدًا للغرب ودنيويًا، وطالما نسجت عنه قصص نسائية، وكان يحتسى الخمر وجريئًا على عكس الملالى فى بلاده، ومع ذلك، فقد أصدر حارسه ونفذ حكمًا فوريًا بالإعدام العلنى ضده لا على أى من الأمور السابقة، وإنما لأنه تعاطف مع "آسيا بيبى"، وهى امرأة مسيحية كان قد حكم عليها آنذاك بالإعدام بتهمة "التجديف" أو "ازدراء الأديان" وتوجيه إساءات للإسلام ونبيه الكريم، حيث قام بزيارتها فى السجن وطالب جهرًا بإطلاق سراحها مبررًا ذلك بأنها أهينت من قبل جيرانها المسلمات، وتم وصمها بالنجاسة من قبلهن، وأنها لم تكن تقصد الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، منتقدًا بشدة هدر حقوق الإنسان فى قانون "التجديف".

جارات "لبيبى" عنفها لشربها من بئر مياه بالحى، بدعوى أنها "مسيحية نجسة"، قبل أن تدعوها بعضهن لاعتناق الإسلام، فردت بدورها على إحداهن قائلة: "المسيح قد مات على الصليب فداءً لخطايا المسيحيين، فماذا فعل النبى محمد من أجل المسلمين"، اعتبر ذلك إساءة للنبى محمد، حيثُ ألقى القبض عليها وتم سجنها، وفى نوفمبر 2010 حكم القاضى عليها بالإعدام، (تم تبرئة آسيا بيبى في 31 أكتوبر 2018 من تهمة الإساءة للإسلام وأفلتت من حكم الإعدام، وذلك بعد نحو 7 أعوام من مقتل سلمان تيسير وتدويل قضيتها عالميًا).
وهكذا، وبعيدًا عن جدلية إساءة المرأة للإسلام من عدمه، رأى قادرى فى مهاجمة قانون التجديف من قبل تيسير، مبررًا كافيًا لاقترافه فعل القتل الذى حظى بحفاة وترحيب واحتفالات صاخبة من قبل الآلاف من الباكستانيين.
كان المشهد سرياليًا بشدة فى المحكمة، مئات المحامين يتطوعون للدفاع عن القاتل المباهى بجريمته.

السؤال، ما الذى يعيد الحديث مجددًا عن تيسير وقاتله قادرى؟، فى واقع الأمر أن سوق الكوثر هو الرابط الرئيسى فى هذا الشأن، فمسرح الجريمة عاد ليضج بعشرات الساسة والمسؤولين والضباط الباكستانيين ممن ينشغلون حاليًا فى شرح جهود إسلام أباد فى مكافحة التطرف والإرهاب للصحافة الغربية من جهة، ومن جهة أخرى لغسل يد البلاد من الاتهامات الهندية بإشعال أجواء حرب نووية بسبب كشمير المتنازع عليها مع نيودلهى، وذلك على خلفية ما يتردد عن ضلوع البلد المسلم فى تمويل هجوم إرهابى فى الشطر الهندى من المنطقة، كان قد وقع فى 14 فبراير الماضى.
يقول جنرال كبير بالجيش الباكستانى لمراسل مجلة "دير شبيجل" الألمانية، حسنين كاظم: "لا علاقة لنا به (هجوم كشمير)".
لم يشأ الجنرال الكشف عن اسمه، لا أحد يتحمل الظهور الإعلامى العلنى فى ذلك الوقت الحساس، يقول متحسرًا على ما يبدو: "نحن نقاتل ضد المتطرفين والمتشددين منذ سنوات".
ومنذ العام 2017، وسع الجيش الباكستانى المعركة على نطاق كبير، ويؤكد الجنرال أن إسلام أباد فقدت آلاف الجنود فى السنوات الأخيرة، وأن "عشرات الآلاف من المدنيين لقوا حتفهم نتيجة للهجمات الإرهابية"، غير أن مراسل "شبيجل" يباغت الجنرال بسؤال "مسموم": "ولماذا لا يزال الكثير من الناس فى باكستان يحتفلون بالقتلة مثل قادرى؟"، يهز المسؤول العسكرى البارز رأسه: "نعم ، لدينا مثل هؤلاء الناس بين سكاننا، ولكن الأمر سيستغرق بعض الوقت بالنسبة لنا لهزيمة المتطرفين"، فى حالة قادرى على سبيل المثال "لم يكن كل الدعم (الشعبى) ذى فائدة"، كما يقول، "حُكم عليه بالإعدام وتم تعليقه (على حبل المشنقة) فى 29 فبراير 2016".
لكن ما لم يشر إليه الجنرال، أنه فى إحدى ضواحى إسلام أباد السكنية، والتى لا تبعد كثيرًا عن سوق الكوثر، وخلف أسوار عالية، يقبع مزار غاية فى الشهرة، هناك يرقد ممتاز قادرى، تضىء الأنوار المشعة المبنى، ويزين السقف بقبة وبرجين، إنه نصب تذكارى للقاتل فوق مقبرته، فى الخارج، بجانب الحائط تتصدر المشهد ملصقات ضخمة تُظهر قادرى بصحبة نجله، كلاهما ارتديا العمامة، والرسالة المبتغاة "القديس بصحبة طفله".

عندما اقترب موعد إعدامه احتج ملايين الأشخاص في جميع أنحاء باكستان، لقد رأوا قادرى غير مخطئ، رغم أنه قتل "مجددا" باسم الدين، فيما توافد مئات الآلاف على قرية بهارا كاهو، مسقط رأسه، لحضور جنازته، تتحدث بعض المصادر عن أكثر من مليونى شخص.
حتى يومنا هذا، يقوم أتباعه بالحج إلى مقبرته إن جاز التعبير، وتظهر العلامات الطريق إليها، فوق القبر تم تثبيت عمامة، وتم نثر الذهب والمساحيق اللامعة بجنبات الغرفة، وحول حجرة الدفن، وتحديدًا فى الممرات المتاخمة لها يتكدس العشرات وأحيانًا المئات، يدورون حول بطلهم الراقد تحت الأرض.
هناك يقف رجلان متجهمان يرتديان عمامة خضراء، حيث يراقبان المدخل ويستلمان تبرعات، يقول أحدهما، إن قادرى "رجل الله"، ومرة أخرى وعلى طريقة ما جرى مع الجنرال يجادل مراسل المجلة الألمانية: "لكنه أدين بارتكاب جريمة قتل"، يرد صاحب العمامة: "هذا يوضح كيف أن المسؤولين فى هذا البلد أشرار؟"، قالها متأففًا، ثم تحول بوجهه بعيدًا، فى إشارة إلى أن أى سؤال آخر غير مرحب به.

المثير للشفقة، أن باكستان "الرسمية" تعترف بوجود الضريح، رغم أنه تحول لرمز لتكريم القاتل من قبل الناس، وقد زاد من كرامات ذلك الأخير أنه أحد أبناء طريقة صوفية تميل إلى العنف تعرف بـ"البريلويّة"، وهى واسعة الانتشار فى باكستان.
وبينما يتم هدم العشرات من المبانٍ فى إسلام أباد وحولها هذه الأيام، لأن المالكين ليس لديهم إذن تخطيط أو تشييد، يبقى الضريح فى أمان تام، حتى المنزل السابق لزعيم تنظيم القاعدة الراحل، أسامة بن لادن فى أبوت آباد، أقدمت الحكومة على هدمه لقطع الطريق على تحويله لمكان للحج من قبل متطرفين، لكن مع قادرى فتلك قصة أخرى.
وقد تم تمويل ضريح قادرى من قبل أحد أبرز أبناء الطريقة "البريلويّة"، وهو خادم حسين رضوى، الذى أسس حركة "لبّيك يا رسول الله"، فى أعقاب اغتيال سلمان تيسير، وكان هدفه تعظيم عقوبات "التجديف"، كما أنه مؤسس الحزب الدينى "تحريك لبيك باكستان"، وقد نزل وأنصاره للشوارع وشلوا الطرق الرئيسية واحتشدوا فى مظاهرات حاشدة للضغط لمنع إعدام قادرى، ابن طريقتهم "البطل"، وهو المشهد الذى تكرر بعد تنفيذ الحكم أيضًا.
وبالمثل، فقد شلت الحياة العامة فى عدة مدن لأسابيع عندما بُرئت "آسيا بيبى" من تهمة "التجديف"، فى المقابل دخل رئيس الوزراء عمران خان، فى بادئ الأمر فى مفاوضات مع المحتجين، لكن وبمجرد أن طالب حسين رضوى بقتل قائد الجيش الباكستانى، الجنرال قمر جاويد باجوا، اختفت المظاهرات بسرعة على يد قوات الأمن، فيما تم سجن القيادى الصوفى المثير للجدل.

ومن هنا، يتضح أمرين، أولاً لا يمكن لأحد فى باكستان أن يفلت من العقاب إذا ما دخل فى مواجهة مع الجيش، ولا حتى المتطرفين أنفسهم، وثانيًا يمكن للجيش أن يوقف أى احتجاج فى أقصر وقت ممكن، إذا ما أراد ذلك فقط: وهو غالبًا ما لا يريد ذلك.
يعرف الجنرالات أن ملايين الناس يتقبلون رسائل الإسلاميين ولو كانت هراء، والد قادرى ما يزال يروج قصة خيالية عن ابنه، فيزعم أنه وبعد تلقيه جثته عقب إعدامه، فإنه قام من مرقده داخل سيارة الإسعاف واستقام فى جلسته وقال له: "لا تبكى يا أبى، أنا بخير"، قبل أن يفتح شخص ما باب السيارة، فاستلقى نجله من جديد، وبعد الجنازة وضع الأب سيفين داخل المقبرة، ليرمزا إلى ما يعتبره "نضال ابنه العادل".
يقول الجنرال فى سوق الكوثر لـ"شبيجل": "يعتقد الناس فى مثل هذا الهراء"، وتابع: "سيستغرق الأمر بعض الوقت حتى يتعلم هذا المجتمع ومن ثم يصل إلى درجة لا يتقبل معها الأشخاص استخدام الدين كأداة للإغواء"، فحتى داخل الجيش نفسه، هناك أشخاص يعتبرون أنه من الجيد استخدام المتطرفين كمرتزقة: "لكن هذا بالتأكيد لا يمثل الأغلبية"، حسب قوله.
غير أن الجنرال يقول هذا الكلام فيما أن ضريح القاتل لا يزال يجتذب مزيدًا من المريدين، وفى المقابل يجلس هو فى مقهى بسوق الكوثر وعلى بعد أمتار من المكان الذى شهد اغتيال سلمان تيسير، فى حين، وعلى عكس ما جرى مع قادرى، لا توجد لافتة تخلد الرجل، ولا مقبرة تعكس قضية الحريات التى مات من أجلها، لا توجد حتى زهور ولا شموع، وتلك هى ربما معضلة باكستان، دعاة التحرر من الرجعية والظلامية منبوذون أحياءً وأمواتًا، والقتلة يعاملون كقدسين وشهداء.