صورة تذكارية لقمة تونس
تلك الحالة قد تكون معبرة عن لا مبالاة بالنتائج تكريسا لماض من "الشجب والإدانة" فقط، وقد تكون معبرة أيضا عن إيمان راسخ داخل المواطن العربى بفقه الأولويات، أو بمعنى أدق وتجسيدا للمثل الشعبى القائل "اللى يحتاجه البيت يحرم على الجامع".
الشارع العربى قد يكون للمرة الأولى منقسم لأن نغمة شكوى عدم تلبية القمة العربية لطموحات الشعوب بدأت تخف نسبيا، نظرا للتحديات الكبرى التى اجتاحت بلداننا العربية، ومنها الأزمات الاقتصادية القوية والحرب التى تشنها قوى التطرف والإرهاب، إضافة إلى ترصد بعض القوى الإقليمية بنا.

ولكن هل فى إمكان القادة العرب أفضل مما كان؟
بقراءة هادئة لإعلان تونس نجد أن الموضوع الرئيسى "اعتراف ترامب بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان" قد تم الرد عليه بشكل دبلوماسى قوى، حيث رفض البيان بشكل قاطع قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، والتمسك بالثوابت العربية وعلى رأسها عدم المساس بسيادة الدول العربية على أراضيها كمبدأ أساسى فى العمل المشترك.
واعتبر القادة العرب القرار باطلا شكلا ومضموما، ويمثل انتهاكا خطيرا لميثاق الأمم المتحدة الذى ينص على عدم جواز الاستيلاء على أراضى الغير بالقوة، ولقرارات مجلس الأمن الصادرة بالإجماع، وعلى رأسها القرارين 242 لعام 1967 و497 لعام 1981 اللذين أشارا بصورة لا لبس فيه إلى عدم الاعتراف بضم إسرائيل لهضبة الجولان السورية، خصوصا وأن أمريكا كعضو دائم فى مجلس الأمن، كان الأجدر بها احترام ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، منتقدين ما أسموه بـ"الانتكاسة الخطيرة" فى الموقف الأمريكى، ومساسا جوهريا بمبادئ القانون الدولى، بما يزيد التوتر فى المنطقة.
وأكد القادة أيضا على الدعم الكامل لحق سوريا فى استعادة الجولان المحتل، واستعادة لبنانى لأراضيها المحتلة أيضا فى "مزارع شبعا وتلال كفر شوبا والجزء الشمالى من قرية الغجر".

وكلف القادة العرب، وزراء خارجيتهم، بالعمل بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية والقانونية للاستمرار فى مجابهة الاعتراف الأمريكى بسيادة إسرائيل على الجولان، وتكثيف الاتصالات الثنائية والجماعية مع المجتمع الدولى، بما فى ذلك التقدم عبر الممثل العربى فى مجلس الأمن "دولة الكويت" بمشروع قرار للرفض، وكذا استصدار رأى من محكمة العدل الدولية تؤكد عدم شرعية وبطلان الاعتراف الأمريكى، وكذلك تكليف الأمين العام للجامعة العربية، السفير أحمد أبوالغيط بمتابعة التطورات فى هذا الشأن وتقديم تقرير حولها إلى مجلس الجامعة على المستوى الوزارى.
يواجه الوطن العربى فى هذا الوقت تحديات عدة، ذكرها القادة العرب فى بيانهم، ومنها قضية فلسطين التى اعتبروها مركزية بالنسبة للأمة العربية، مؤكدين على الهوية العربية للقدس الشرقية المحتلة، عاصمة دولة فلسطين، مشددا على أهمية السلام الشامل والدائم فى الشرق الأوسط كخيار عربى استراتيجى تجسده مبادرة السلام العربية التى تبنتها جميع الدول العربية فى قمة بيروت فى العام 2002، وأكد المجتمعون بطلان وعدم شرعية القرار الأمريكى بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، مع الرفض القاطع الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وناشد القادة، دول العالم، بعدم نقل سفاراتها إلى القدس أو الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، كما طالبوا المجتمع الدولى بتحمل مسؤولياته إزاء الاتهاكات الإسرائيلية والإجراءات التعسفية التى تطال المسجد الأقصى والمصلين فيه.
ورفض إعلان تونس التدخلات الإيرانية فى الشؤون الداخلية للدول العربية وأدان المحاولات العدوانية الرامية إلى زعزعة الأمن وما تقوم به من تأجيج مذهبى وطائفى فى الدول العربية بما فى ذلك دعمها وتسليحها للميليشيات الإرهابية، كما أعلنوا الالتزام بتهيئة الوسائل الممكنة وتكريس الجهود اللازمة للقضاء على العصابات الإرهابية وهزيمة الإرهابيين فى جميع ميادين المواجهة العسكرية والأمنية والفكرية.
البيان، وفقا لعلوم السياسة، ينحاز كثيرا للدبلوماسية فى واقع متغير ومتقلب، لكنه فى الوقت نفسه يحافظ على نبرة قوية محافظة على الثوابت، خصوصا فى ظل وضع غير مسبوق على المستوى السياسى، سواء العربى أو العالمى.