مفتى الجمهورية
جاء ذلك فى الحوار الأسبوعى من حلقة برنامج "مع المفتى" المُذاع على "قناة الناس" الذى يُقدِّمه الإعلامى شريف فؤاد، مضيفًا أن ترتيب الأمور أو أقسام المقاصد فى الشريعة الإسلامية يكون على درجات مختلفة، فأعلاها مرتبة الضرورة والتى إذا لم يفعلها الإنسان يكون معرضًا للهلاك والدمار والزعزعة فى الأمن والاستقرار، وهناك مرتبة أخرى أقل منها فى الرتبة وهى مرتبة الحاجيات التى يكون الإنسان فيها فى مشقة شديدة إذا لم يفعل أشياء معينة، ثم رتبة التحسينيات وتشمل أمورًا تحسينية أو ترفيهية كمسألة تنظيم النسل قياسًا على مراد الصحابة فى مسألة العزل واستنادًا إلى أقوال أهل العلم، ووفقًا لترتيب المقاصد، فإذا كان التحسين جائزًا، فمن باب أولى يكون الضرورى جائزًا وهو ما ينطبق على مسألة تنظيم النسل فتشير الدراسات المعتمدة إلى أنه ضرورة.
وأوضح المفتى أن الإيمان بالقضاء والقدر مكون من مكونات الإيمان ويجب أن يؤخذ فى الاعتبار عند النظر إليه بالأخذ بالأسباب. والإيمان بالقضاء والقدر لا يتعارض مطلقًا مع مسألة تنظيم النسل وهى المباعدة بين الولادات المختلفة وتنظيمها وليس المنع أو القطع المطلق للنسل والذى يرفضه الشرع الشريف ولا يجيزه إلا لضرورة قصوى تتعلق بحياة الأم.
ولفت مفتى الجمهورية النظر إلى أن تنظيم النسل لا يكون اعتراضًا ولا تدخلًا فى قدر الله تعالى، لأنه من باب الأخذ بالأسباب، فقد أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمال الصحابة لوسائل تنظيم النسل المتاحة فى عصرهم وفق معارفهم الطبية، حيث سأله أحد الصحابة عن شىء من هذا، كما فى الصحيح، فأرشده صلى الله عليه وسلم إلى العَزْل، وقال صلى الله عليه وسلم: «سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا»، وفيه دلالة على أنه لا تعارض بين الأخذ بالأسباب العادية وبين جريان الأقدار ووقوعها، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وشدد علام على أن الغرض التحسينى من مسألة تنظيم النسل لا يجيز الإجهاض بدعوى الخوف على جمال المرأة أو إصابتها بالإرهاق أو الانشغال، فهذا لا يجوز بعد تكون الجنين، فالشريعة الإسلامية تحمى الجنين فى بداياته الأولى وهو مشروع إنسان، واتِّخاذ الأسباب يكون قبل تكوُّن الجنين.
وأشار إلى أن الرزق هو كالقضاء والقدر مقدر عند الله عز وجل، فالإنسان وغيره من المخلوقات رزقهم مكفول مسبقًا فى علم الله ولكن علينا جميعًا الأخذ بالأسباب كما فعلت السيدة مريم عليها السلام عندما أمرها الله عز وجل بهز جذع النخلة، فالعمل أو الأخذ بالأسباب هو جزء من العبادة ولا يتعارض مع القضاء والقدر، فتحديد الله عز وجل للرزق ليس معناه عدم الأخذ بالأسباب أو عدم السعى.
واختتم مفتى الجمهورية حواره مؤكدًا على عدة أمور قائلًا: "لا مانع شرعًا من تنظيم النسل أيًّا كان السبب سواء لحاجة أو لأمر ضرورى أو تحسينى، فهذا السبب لا يمنع ولا يتعارض أبدًا مع قضاء الله وقدره، فالرزق مكفول لكل إنسان، ولكن على الإنسان أن يسعى فى تحصيل هذا الرزق، وأن يبذل كل وجه متقن والذى يتوافق مع الحياة والواقع، ثم يتوكل بعد ذلك على الله عز وجل".