الحركات الجهادية فى غرب إفريقيا
وفى النهاية انتصرت تلك الحركات المسلحة على المستعمر، إلا أنها لم تنتصر على نفسها وتشرذمها إلى عرقيات وقبائل متناحرة فرقها الاحتلال، الكثير من هؤلاء المحاربين ألقوا بالسلاح وتخلوا عنه، وانخرطوا فى الحياة العامة، إما موظفين أو منضمنين لجيوش بلدانهم، إلا أن آخرين رفضوا إلقاء السلاح، واستمرت حالة التصدع والصراع بسبب توزيع الملكيات أو الحدود أو الصراعات العرقية والإثنية والمذهبية.
ومن رحم الصراعات ولدت جماعات مسلحة، وشاءت ظروف القارة البائسة أن تلتقى هذه العوامل مع السلفية الجهادية، بالإضافة إلى مواجهة أنظمة استبدادية، فتحولت المسألة إلى أجنحة مدججة بالسلاح، لها هياكل إعلامية تتحدث باسمها، ومنها خرجت أيضًا الجماعات المتشددة، لتمارس الإرهاب فى العديد من دول الغرب والوسط الإفريقى "نيجيريا، والنيجر، ومالى، وتشاد، والصومال، وكينيا، وأوغندا، والكاميرون، هذا إلى جانب جماعات أخرى كانت فى الشمال الإفريقى تغذيها بالإيديولوجية فى الجزائر والمغرب وتونس ومصر وليبيا.

أرضية ممهدة للعنف والإرهاب
ولم يُخّلف الاستعمار فى القارة السمراء إلا عوامل جبارة تستطيع أن تفتك بأى كيان أممى أو دولى منظم، وتعصف به، فإلى جانب تلك الجماعات المسلحة والفرقة العرقية وصراعات الحدود، كانت المشكلات الاقتصادية والفقر والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية دافعًا لنمو الإرهاب وتجليه على أرض القارة السمراء.
وتركت ممارسات الاحتلال والاستعمار العدوانية بحق القارة تراكمًا ثقيلاً فى وجدان شعوبها، ما يجعلهم يئنون بمشاعر الظلم والاضطهاد، حالة مستمرة من شعور بأمر يهدد وجودهم الاجتماعى، وخصوصياتهم الثقافية، المحلية والإنسانية، فيدفعهم للعنف والضلوع فى المجازر، وأعمال السلب والنهب، والعبودية، وهو ما يهيج الصراعات الطائفية والعرقية والإثنية والقومية بصورة مستمرة لا تتوقف.
هذا بالإضافة إلى ما لحق بإفريقيا من غياب العدالة وصراعات على الحكم وغياب التعبير عن الذات، وعدم التكافؤ فى الحصول على فرص تعليم، كل هذه الأمور دفعت بالشباب للانخراط فى جماعات إرهابية كانت تفتح أذرعها لضم المزيد واستقطاب أبناء القارة المنكوبة، لاسيما وأن انضمامهم كان مدعومًا بأيديولوجية فكرية مثلت لهم القيم والهدف فى غياب التعليم والقيم السليمة، وهو ما أعطى هذه الجماعات المتطرفة قوة فى مواجهة النظم السياسية.
والمشكلة الحقيقية التى تواجه إفريقيا فى ظل هذا الوضع المتأزم هو غياب الرؤية الأمنية القارية الناجعة التى تمكن من انتشال القارة من براثن التطرف والفكر المنحرف ولغة السلاح التى تسود إفريقيا وتقضى على أى جهود أو برامج تنموية لخدمة أبنائها.

ذريعة للتدخل الغربى
ورغم الخلاص من الاستعمار فى القرن الماضى، إلا أن هذه الجماعات المسلحة النشطة فى بعض الدول الإفريقية كانت ذريعة للغرب ليعيد التدخل فى شؤون بلدان إفريقيا، ويسطو على مقدراته مرة أخرى، فهناك التدخل العسكرى لفرنسا فى مالى، وكذلك التدخل العسكرى الأمريكى فى الصومال، والتهديد بتدخلات فى نيجيريا لمواجهة حركة بوكو حرام، وهو ما يثير شكوكًا لدى بعض المراقبين حول علاقة هذه المجموعات المسلحة بالدول الغربية، فى ظل حالة من الفوضى وانعدام الأمن وانتشار العنف العابر للحدود والأوطان فى بعض الدول الإفريقية، وهو ما يجعل الأبواب مفتوحة لإعادة الاستعمار مجددًا بمزاعم الأمن والسلم الإفريقى والسلم العالمى.
ظاهرة الإرهاب تتوغل فى الغرب الإفريقى
انتشرت العمليات الإرهابية ضد القوات الدولية وقوات الجيش المالى وفى منطقة الساحل الإفريقى بصفة عامة مع مطلع الألفية الثالثة، فقد توغلت مظاهر الإرهاب، وخصوصًا فى منطقة أزواد التى تضج بمكونات قبلية متعددة، وهى المكونات التى تمددت عبر الحدود الجغرافية والعرقية المتاخمة لدول جوار مالى بسبب تركيباتها الاجتماعية والسكانية المتعددة والمتشابكة.

أزواد.. «القاعدة» أم «التوحيد والجهاد»
وفى منطقة أزواد سيطر التيار السلفى الجهادى للمجموعات العربية، لتظهر حركة باسم "التوحيد والجهاد"، والتى جاء الإعلان عنها فى أكتوبر 2011، ويمكن القول بأنه تمخضت أيديولوجية تنظيم "القاعدة" القريب فى بلاد المغرب الإسلامى، فولدت "التوحيد والجهاد".
برزت حركة "التوحيد والجهاد" فى غرب إفريقيا، عندما أعلنت تبنيها عملية اختطاف ثلاثة من عمال الإغاثة من مخيمات اللاجئين الصحراويين، جنوب غرب الجزائر.
وكان قائدها الأول سلطان ولد بادى، وانضم العشرات من أبناء القبائل العربية فى شمال مالى لحركة "التوحيد والجهاد". ويتكوّن جناحها العسكرى من أربع سرايا، هي: سرية عبد الله عزام، سرية أبو مصعب الزرقاوى، سرية أبو الليث الليبى، وسرية الاستشهاديين، هذا بالإضافة إلى تشكيل آخر يُعرف بـ "كتيبة أسامة بن لادن"، بقيادة عضو مجلس شورى الجماعة، أحمد ولد عامر المعروف بأحمد التلمسي.
وكان من أبرز عمليات الحركة اختطاف سبعة دبلوماسيين جزائريين من قنصلية بلادهم بمدينة غاو، يوم5 أبريل عام 2012، كما تبنّت الجماعة الهجوم الذى استهدف مقراً للدرك الوطنى فى مدينة ورقلة الجزائرية، فى أواخر شهر يونيو عام 2012.
ويقودها حاليًا ولد محمد، المكنى أبو قمقم، وتنشط فى جنوب الجزائر وشمال مالى، ولا تتوفر الكثير من المعلومات حول عدد المقاتلين فى الحركة، أو مصادر تمويلها، وتم إدراج الحركة فى قائمة المجموعات الإرهابية من قبل الحكومة الكندية فى العام 2014. خرجت هذه الجماعة من رحم الحرب الأهلية فى الجزائر.

«أنصار الدين»
وإلى جانب "التوحيد والجهاد"، ضمت أزواد حركة "أنصار الدين" التى تتبع السلفية الجهادية أيضًا، وتأسست فى 2011 فى كيدال، وتزعمها إياد آغا غالى، من أبناء قبيلة إفوغاس الطارقية التى حارب أبنائها ضد حكومة مالى فى التسعينات من القرن العشرين ضمن صفوف "الحركة الشعبية لتحرير أزواد".
ولا يعرف العدد الحقيقى لأعضاء الحركة، لكنها خاضت عدة صراعات مسلحة مع حكومة مالى فى الشمال، انفصل عنها بعض الأعضاء وانضموا إلى مجلس وحدة أزواد، لكن مازالت الجماعة وزعيمها يحتفظون ببعض القوة والنفوذ فى تلك المناطق.
تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى
وكانت "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" الجزائرية، هى المنبع الأساسى الذى نهل منه تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى، إلا أنه غير اسمه فيما بعد ليصبح "تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامي"، ويقود التنظيم حاليًا عبد المالك دروكدال، المكنَّى "أبو مصعب عبد الودود"، حيث انخرط فى صفوف "الجماعة الإسلامية المسلحة" عام 1993، وتمتلك الجماعة مؤسّسة "الأندلس"، التى تنشر إصدارات التنظيم، وتعدّ الذراع الإعلامى والدعائى له.

«الملثمون» و«الموقّعون بالدماء»
تمثل كتيبة "الملثّمين" أحد الكتائب العسكرية التابعة لـ "تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامي"، وتتبع إمارة الصحراء فى البنية الهيكلية للتنظيم، بقيادة أمير منطقة الصحراء، يحيى أبو الهمام، وقد تولّى إمارة الكتيبة قبله، مختار بلمختار، لكن تصدّعت علاقته مع القاعدة، ما أدّى إلى عزله عام 2012، فقام بتأسيس كتيبة جديدة أطلق عليها اسم "الموقّعون بالدماء"، وهو ما يؤكد منهجية العنف التى أعلنتها تلك الحركات فى خطابها الداخلى والعام.
وفى فى 22 أغسطس عام 2013، تأسّست جماعة "المرابطون" بعد التحاق كتيبة "الموقِّعون بالدماء" و"حركة التوحيد والجهاد فى غرب إفريقيا"، وصدر بيان عن "المرابطون" بتاريخ 17 يوليو، يعلنون فيه من جديد عدم ارتباطهم بتنظيم "داعش"، وولاءهم للقاعدة، ووقّعت بيانها باسم "المرابطون- قاعدة الجهاد فى غرب إفريقيا".

لأول مرة.. المرابطون يبايعون «داعش»
وبعدما نأت الحركات الجهادية فى غرب إفريقيا بنفسها عن تنظيم داعش، جاءت جماعة "المرابطون" لتعلن أول مبايعة من طرفها للتنظيم الإرهابى فى مايو 2015، حيث بايعت البغدادى وتم تعيين أمير للتنظيم، وهو عدنات أبو الوليد الصحراوى، وكان هذا أول وجود لتنظيم داعش فى منطقة أزواد.
فيما بعد، اتفق مجلس شورى الكتيبة على مبايعة مختار بلمختار، وتنظيم القاعدة، وعزل أبو الوليد، وإلغاء بيعته لتنظيم داعش.
وتشهد الحدود بين هذه الدول، لاسيما مع دول المغرب العربى، حالة مستمرة من التوترات، فهى نقاط التماس مع تلك الحركات المتمردة، علاوة على الثورات التى يثيرها الطوارق ضد النظم الحكومية فى مالى وتشاد والنيجر، ولم تستطع أى اتفاقات من حل تلك النزاعات أو التنبؤ بثورة براكينها.
عمومًا يحارب متمردى الطوارق فى مالى، ويتزعمها حاليًا بيلا آغ شريف، من أجل تأسيس دولة خاصة بهم يطلقون عليها اسم ازاواد، ففى غرب القارة الإفريقية تظهر النزعات الإنفصالية هى السبب المباشر لحمل السلاح من قبل معظم الجماعات حتى لو أظهرت بعض الشعارات الدينية.

«بوكو حرام».. نسخة متشددة
وفى نيجيريا كان الظهور المرير لجماعة "بوكو حرام" ذات الصبغة الدينية، والتى تأسست 2002 على يد رجل الدين محمد يوسف، وللحركة أيديولوجية متشددة للغاية، فهى تقاتل من أجل منع التعليم الغربى وانتشار الثقافة الغربية بشكل عام، ومن أجل تطبيق الشريعة الإسلامية فى نيجيريا.
ومحمد يوسف كان واحدًا من مجموعة من الشباب الذين كانوا طلاب متشددين للشريعة غير مسلحين بداية، أطلقت على نفسها جماعة "أهل السنة للدعوة والجهاد"، واسم "بوكو الس حرام" هو كناية عن رفضهم الثقافة الغربية ونمط الحياة الغربي.
ويقول بعض المنتمين للجماعة أن المحليين هم من أطلقوا هذا الاسم عليها، إذ أنها رفضت واقع الفقر والحرمان فى شمال نيجيريا، لذلك حملت السلاح وخاضت مواجهات دامية مع رجال الشرطة المحلية ومع الجيش النيجيرى الذى قتل زعيمها ومؤسسها، وردت الحركة بالقيام بمجموعة أعمال انتقامية، من تفجير مقرات حكومية إلى مهاجمة مبنى الأمم المتحدة، واختطاف طلاب مدارس، الأمر الذى دفع المجتمع الدولى بتصنيف الجماعة بأنها منظمة إرهابية.

حركة «الشباب المجاهدين».. نارٌ تكوى الصومال
وهم حركة صومالية متشددة تأسست العام 2006، إثر الغزو الأثيوبى للصومال، وبايعت الحركة تنظيم القاعدة، وتعتمد العمل المسلح، ونفذت عدة هجمات على المقرات الحكومية.
ويعانى الصومال من وضع أمنى مترهل بسبب حركة الشباب المجاهدين التى ما زالت تقاوم الحكومة الصومالية وتستهدف مؤسساتها وأعضاءها بذريعة التدخل الأجنبى للبلاد، ولم يكتوِ بنيران الحركة الصومال فقط، بل تجاوز الأمر إلى دول الجوار، وفى مقدمتها كينيا التى تلقت عدة ضربات موجعة، أبرزها الهجوم الدامى الذى شنَّته الحركة 21 سبتمبر عام 2013، وراح ضحيته زهاء 70 شخصًا على الأقل.

إرهاب عابر للأوطان
وعلى الرغم من رفض الغالبية الإفريقية لهذه الحركات المتشددة والإرهابية، إلا أنها باتت واقعًا يتهدد القارة، فهى حركات تستهدف الاستقرار السياسى والاقتصادى والاجتماعى، وهو فى إرهاب عابر للأوطان، ينتشر كالسرطان بين مختلف البلدان الإفريقية عبر الحدود المشتركة وارتباط الجغرافيا السياسية لهذه البلدان.
وكان هذا الانتشار الإرهابى سببًا مباشرًا للتنسيق الأمنى والاستخبارى والعسكرى بين إسرائيل، الدولة اليهودية، وإثيوبيا، الدولة المسيحية، اللذان يتشاركان المخاوف من تمدد ونمو هذه الحركات.
ويحذر خبراء أمنيون من أن انتهاء التنظيم الإرهابى "داعش" وانحساره فى العراق وسوريا يهدد بعودة أفراد التنظيم الأفارقة إلى بلدانهم بما يحملونه من إرث داعشى قد يزيد الطين بله فى إفريقيا، وهو ما ينذر بساحة مواجهة مفتوحة فى الساحل الإفريقى ووسط وغرب إفريقيا.
تعيش إفريقيا اليوم فى منحدر خطير، فالقارة المكلومة تعيش بين طعنات الإرهاب والحركات العرقية وأصوات التفجيرات والسطو والقتل، وبعين أخرى تتطلع بأمل إلى استراتيجية أمنية قارية ناجعة تنتشلها من الظلام الذى فرضته عليها سنوات الاستعمار وبقيت أثاره عالقة بها حتى يومنا هنا، ولن يتحقق هذا إلا بتحديد موقفًا إفريقيًا موحدًا تجاه قضايا الهوية والمواطنة.
