قائدا الكوريتين يصعدان إلى قمة جبل بيكدو معا
ولم تكن فكرة زيارة القرية منزوعة الأسلحة بين الكوريتين جديدة بالنسبة للرئيس الأمريكى، فقد كشف مسؤول من كوريا الجنوبية عن أن ترامب كان يفكر فى زيارة إلى المنطقة منذ نوفمبر 2017، مما أثار تكهنات وقتذاك بإمكانية عقد اجتماع مع كيم ولم تكن أى لقاءات رسمية جرت وقتها بينهما، وحاول ترامب أن تكون الزيارة مفاجئة، إلا أنه اضطر إلى التخلى عن الفكرة بسبب سوء الأحوال الجوية.
ولم تتأخر بيونج يانج فى الرد على عرض الرئيس الأمريكى، فقد اعتبرته عرضًا مهما للغاية، وفى المنطقة التى تقسم الكوريتين كان لقاء بين الزعيمين بعد شهور من الجفاء والتصريحات العدائية أعقبت انهيار القمة الأخيرة بين البلدين فى العاصمة الفيتنامية هانوى.

لقاء قصير ومؤشرات خطيرة
ورغم قصر مدة اللقاء الذى توقع ترامب نفسه ألا يتجاوز دقيقتين، إلا أنه كان له مدلولات ومؤشرات هامة للغاية، وإذا كان أول هذه المؤشرات هو عودة المفاوضات الأمريكية الكورية الشمالية بشأن النووى وإنهاء التجارب النووية لبيونج يانج، فهى أيضًا تعد إذن أمريكى واضح لكوريا الجنوبية باستعادة الدفء مع جارتها الشمالية، فى محاولة من الرئيس الأمريكى لكسب الوقت أمام كيم الذى أقدم على إجراءات مرعبة ـ بالنسبة لكوريا والولايات المتحدة ـ خلال الفترة الماضية.
وحسبما توقع المحللون، فعلى الرغم من أن هذا اللقاء لم تسبقه ترتبيات دبلوماسية، إلا أنه مهد الطريق لمحادثات مستقبلية، وربما كانت مسألة استعادة الدفء مع كوريا الشمالية هى محور عشاء البيت الأزرق فى سول بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وحليفه مون جيه إن، زعيم كوريا الجنوبية.
إجراءات مرعبة لزعيم متهور
الإجراءات التى أقدم عليها الزعيم الكورى الشمالى خلال الفترة الماضية تؤكد أنه لم يعد يعبأ بمعايير أو قوانين دولية، من بينها سلسلة الإعدامات التى نفذها كيم بحق المسؤولين والجنرالات الكوريين، والسبب وراء أغلب هذه الإعدامات هو اكتشاف خياناتهم أو كونهم عملاء لدول أجنبية، وكان أبرزها تقديم أحد جنرالاته لأسمالك البيرانا المفترسة، إذ اكتشف أنه كان يخطط لانقلاب عليه.
تلك الإجراءات المتهورة تكشف فى حقيقتها عن عمق الخلاف والصدع بين كوريا الشمالية وجارتها الجنوبية، فالمسألة أعمق من مجرد حرب تاريخية تعود جذورها إلى عام 1950، وليست سهلة رغم الجذور المشتركة للبلدين.

سرب الطيور يثير الفزع
ورغم توقعات البعض بأن يحل السلام يومًا بين الكوريتين كما كان بين ألمانيا الشرقية والغربية بمجرد هدم سور برلين، إلا أن توجس الخيفة المستمر بين البلدين يوحى بغير ذلك، ففى اليوم التالى للقاء كيم وترامب على الحدود، كان مجرد سرب للطيور كفيلاً بإثارة الفزع فى كوريا الجنوبية التى رصدت رادراتها جسمًا غامضًا وغريبًا يحلق فوق القرية منزوعة السلاح، وأخذ الأمر ساعات حتى تم التأكد من حقيقته.
الملف النووى ومغازلات ترامب الانتخابية
وصلت العلاقات الكورية الشمالية مع الولايات المتحدة إلى طريق مسدود بعد انهيار قمة ترامب وكيم فى هانوى، ولم يتحقق أى تقدم فى الملف النووى لكوريا الشمالية بالنسبة للولايات المتحدة، فقد أصر ترامب مرارًا وتكرارًا على أنه يتعين على كوريا الشمالية تفكيك ترسانتها النووية قبل رفع العقوبات الاقتصادية عنها.
لكن كوريا الشمالية لا تجد فى يديها ما يكفى من الضمانات للتخلى عن نظامها النووى، فالأمر يتهدد نظام كيم جونغ أون برمته، وهو ما جعل الإصرار الأمريكى يقف فى مواجهة الرفض الكورى، بل وتخاطر بيونج يانج بإثارة غضب إدارة ترامب، منذ قمة هانوى، من خلال اجراء العديد من الاختبارات الصاروخية قصيرة المدى.
لكن ترامب، الذى هدد كوريا الشمالية ذات مرة "بالنار والغضب"، تحدث بلهجة أكثر تصالحية مؤخرًا، واصفا كيم بأنه "رجل ذكى جدًا" وأنه يتوقع "الكثير من الأشياء الجيدة" من كوريا الشمالية، فى محاولة من الرئيس الأمريكى لإرسال رسالة طمأنة للداخل الأمريكى بأن الأمور لاتزال فى يده قبل الانتخابات الرئاسية 2020.
وكان ترامب أرسل، الأسبوع الماضى، خطابا شخصيًا للزعيم الكورى الشمالى، الذى أشاد من جانبه بمحتوى الخطاب ووصفة "بالممتاز".

الكوريتين.. مستقبل الجارتين
رغم أن دفء العلاقات بين كوريا الجنوبية وجارتها الشمالية شهد تعاونا غير مسبوق خلال فترة المحادثات والود الأمريكى مع بيونج يانج، إلا أن الأمور فجأة انقلبت إلى حالة من الجمود الذى أصاب كل شىء، ما يؤكد أن الحال بين الجارتين سيبقى رهينة القرار الأمريكى.
ويجنح الكوريون، سواء من الشمال أو الجنوب، إلى علاقات طبيعية من السلام بين الجارتين، بالرغم ما بينهما من حرب تاريخية، ففى النهاية تجمعهم جذور مشتركة ودوائر عرض وخطوط طول مشتركة.
وفى فترة الود الأمريكى القصيرة والتى سمحت فيها لكوريا الجنوبية بالتعاون مع جارتها الشمالية، كانت الخطوات متسارعة نحو إنجاز الكثير من الملفات العالقة، وكان أبرزها إزالة الألغام من قرية بانمونجوم، موطن اللقاء الأخير بين كيم وترامب.
ففى يوم 22 أكتوبر الماضى، اختتمت الكوريتان عمليات إزالة الألغام من قرية بانمونجوم الحدودية، فى عملية أشرفت عليها قيادة من الأمم المتحدة.

وفى الثالث من نوفمبر، توجه أعضاء المجلس الكورى الجنوبى للمصالحة والتعاون "كيه. سى. آر. سى"، إلى كوريا الشمالية لمشاركة نظرائهم فى حدث مشترك بمناسبة الذكرى الـ20 لتأسيس المجلس، والذى يدعو إلى تنفيذ اتفاق القمة الأخير بين زعيمى كوريا الشمالية والجنوبية.
كل ذلك تجمد فجأة بمجرد انهيار قمة هانوى، فبرغم التطلعات التى تبديها الكوريتان دائمًا نحو التعاون بكافة أشكاله، إلا أن هذه التطلعات تبقى رهينة القرار الأمريكى، خاصة وأنها قابلة للتعكير بين لحظة وأخرى باتهامات تاريخية، علاوة على ارتباط المصالح الكورية الجنوبية بالمدد الأمريكى على كافة المستويات، وارتباط كوريا الشمالية على الجانب الأخر بالصين كداعم رئيسى.