المملكة العربية السعودية
وثانيًا، لإيمانه وإيمان الكثيرين، بأن الغلو هو مفتاح التطرف، وأن التطرف هو باب الإرهاب الذى تنكوى بناره عدد من الدول فى الشرق الأوسط، إضافة إلى الوقوف ضد الأطماع الإيرانية فى غزو عقول المنطقة، وأن هذه المعركة لم تكن لتخاض لولا إصلاحات وتغييرات حقيقية فى كل ما هو موروث ومتوارث.
هكذا رأت السعودية نفسها، وهكذا كانت تجربتها محل إعجاب وتقدير من جيرانها، لا سيما آخر الحلقات والتى تتوجه إلى اعتبار فترة الغزو العثمانى فترة احتلال، والتوجه نحو كشف جرائم العثمانيين بحق العرب.

تنقية مناهج التعليم
الساحة الأكثر سخونة، والتى وجدت السعودية نفسها فى أزمة بها، هى التعليم، ففى أبريل من العام 2018 أشار وزير التعليم السعودى أحمد العيسى، إلى الهيمنة الإخوانية فى فترة مضت ودورهم فى تأليف المناهج والنفوذ على نظام التعليم، ووجه إلى ضرورة إدخال مواد للحوار واحترام الرأى الآخر لمناهج التعليم، وكذلك توجيه المعلمين بتجنب الصراعات الفكرية والاهتمام بالتدريس والالتزام بمحتوى المناهج.
المحاربة المنظمة الشاملة للفكر الإخوانى أمر فى غاية الأهمية، ولذلك كان على الرياض تشكيل لجانٍ تعنى بتقييم صلاحية المعلمين للتحكم بعقول الطلاب، وكذلك تمشيط المناهج التعليمية من جديد، ووضع مراقبين من جهاتٍ أمنية وفكرية وتربوية وسياسية لتعديلها أو تغيير بعضها، وذلك لمحو مرحلة الهيمنة الإخوانية التى أشار إليها الوزير.

من بين تمشيط المناهج كذلك، القرار الأخير بتنقية مناهج التعليم من مخلَّفات وفكر مشروع "الصحوة" السياسى، الذى ظل لعقود يوهم أجيال هذا الوطن بأن الدولة العثمانية هى امتداد للخلافة الإسلامية، ومزينًا لها، وممجدًا دون الكشف عن حقيقتها التاريخية وما ارتكبته من جرائم ضد أهالى المملكة، بل والعرب بشكل كامل.
وذلك ليس جهلاً بحقيقة الدولة العثمانية الغازية أو بسبب سقوط تلك الحقائق والمعلومات سهوًا من مؤلف كتب مناهج التاريخ السابقة، إنما ما كشفت عنه الأيام فيما بعد، خصوصًا بعد الدعم اللا محدود من أحفاد الدولة العثمانية الممثلة فى تركيا الحالية، لكل حركات الإسلام السياسى المسلحة فى الوطن العربى، ومع ما شاهدناه من تبشير لبعض رموزهم بقدوم الخلافة الإسلامية والتمجيد للدولة العثمانية وترميزهم السياسى المكشوف لها.
إن ما قامت به وزارة التعليم السعودية مؤخرًا من خطوة تطهيرية لما تلوثت به مناهج التاريخ من سرد تاريخى مضلّل وتوضيحها للحقائق بذكر جرائم الدولة العثمانية الغازية ومواقفها المعادية للمملكة، وتسمية الأشياء بمسمياتها بوصفها بالدولة العثمانية الغازية بمثابة تأسيس مرحلة جديدة من الوعى لأجيال هذه المرحلة تواكب طموح مملكة 2030.

تدقيق الأحاديث
خطوة اتخذتها السعودية لم تكن متوقعة على الإطلاق، حيث أمر الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، فى أكتوبر 2017 بإنشاء هيئة للتدقيق فى استخدامات الأحاديث النبوية،وقالت الرياض وقتها إن هدف الهيئة الجديدة "القضاء على النصوص الكاذبة والمتطرفة وأى نصوص تتعارض مع تعاليم الإسلام وتبرر ارتكاب الجرائم والقتل وأعمال الإرهاب".
الهيئة اتخذت من المدينة المنورة مقرًا لها، ويشرف عليها مجلس من كبار رجال الدين الإسلامى من مختلف أنحاء العالم.

تمكين المرأة
التعليم لم يكن الساحة الشائكة الوحيدة، بل أخذت المملكة على عاتقها مشروعًا طموحًا من أجل تمكين المرأة، بدأت بفتح المجال أمامها لممارسة أعمال لم تكن لتمارسها من قبل، ومن ذلك مثلاً اختيار السعودية للأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، سفيرة للمملكة فى واشنطن، لتكون بذلك أول امرأة تشغل هذا المنصب فى تاريخ البلد، التنصيب الذى حدث فى فبراير الماضى لاقى ترحيبًا واسعًا من طرف السعوديات، خصوصًا المناضلات من أجل المساواة بين الجنسين.
وفى سبتمبر 2017 كان الأمر الملكى الذى وصفه الكثيرون بـ"التاريخى"، والذى بمقتضاه صار مسموحًا للنساء بقيادة السيارات فى البلد المحافظ الذى تحكمه الشريعة الإسلامية.

المملكة أعلنت كذلك عن تعديلات على نظام وثائق السفر والأحوال المدنية بما يمنح المرأة حق الحصول على جواز السفر دون اشتراط موافقة "ولى الأمر"، وتقر للمرأة حقوقًا ضمن أنظمة الأحوال المدنية والعمل، وبموجب التعديلات الجديدة، أصبح للمرأة الحقوق ذاتها التى يكفلها القانون للرجل فى ما يتعلق بالسفر لمن تجاوزن 21 عامًا.
آخر خطوات تمكين المرأة فى المجتمع السعودى، هو القرار الذى اتخذ منذ يومين فقط، بفتح المجال أمامها للعمل فى مجالات التحقيق فى النيابة العامة وغيرها من الوظائف العدلية والقضائية.