اطلاق نار
"سيدة تسقط على الأرض وسط بركة من الدماء، وطفلة تصطادها طلقة حائرة، ضلت طريقها من أحد المعازيم الذين يحتفلون بعروسهم، وآخر يمر مصادفة بالقرب من فرح، فتغتاله طلقة الخرطوش وتصيب رأسه وتسقطه قتيلا".. جرائم كثيرة ومتنوعة، كان القاتل فيها "رصاصة طائشة"، باسم الموروثات والعادات القديمة المتناقلة من جيل لجيل دون معرفة الغرض من الاحتفال بإطلاق نار فى الأفراح.
ويرصد موقع "مبتدا" بعض الجرائم التى وقعت بسبب "طلقة طائشة"، وأبرز المحافظات التى تنتشر فيها مثل هذه الحوادث.
تراجع قليلا، خذ نفسا عميقا، أشرد بخيالك بعيدا، ضع راحة يديك على أذنيك، وأنت تقف وسط أحد الأفراح الشعبية أو التى تقام فى جنوب الصعيد أو الوجه البحرى بل والعاصمة، حينما تجد من يمسك بسلاح، متباهيا به، يرفع يديه إلى أعلى وابتسامته العريضة على وجهه، والعرق ينسال من جبينه، ربما تجده يمسك بطفل صغير ابنه أو حفيده، وربما تجده منفعلا، مندهشا، سعيدا على غير العادة، وهو يضغط على "الزناد" مطلقا عدة طلقات نارية من سلاحه، أو فرد خرطوشه، والمعازيم من حوله فى قمة "الانبساط" مهللين، منهم من ينظر لأعلى وكأن شيئا خارقا يحدث، ومنهم من يكتفى بالضحك، وهناك آخرين ليس لهم علاقة بصوت طلقات النار، فقط هم مشغولين مع العروس أو العريس فى الرقص والاحتفال.
وسط كل هذا اعطى لنفسك برهة من التفكير، عن الفائدة من إطلاق النار فى حفل الزفاف؟، دعك من ذلك كله، وتساءل هل هو شكل من أشكال الاحتفال؟، ستجد الإجابة ربما، عادات وموروثات خاطئة توارثناها وتناقلتها الأجيال عبر الزمن دون معرفة السبب ورائها؟، فالمعروف والمؤكد أن إطلاق النار كان فى الحروب لكن ما محله من الإعراب فى "الفرح"، ما بين هذا وذاك، تقع جرائم بسبب ذلك، الكثير منها خطأ وأخرى قليلة عمدا فى مشاجرة بين طرفين فى حفل الزفاف يمسك فيها أحد السلاح المتواجد ويصيب أو يقتل آخر، لينقلب الفرح إلى مأتم، يسقط ضحايا أو ضحية، منهم قتلى أو مصابين، ليصبح الفرح بدلا من فأل للسعادة والفرح إلى فأل للتشاؤم، لهذا نستذكر مقولة وليم شكسبير، وهو يردد عبارته الشهيرة، "هناك بعض التقاليد التى يكون خرقها أشرف من احترامها".
وربما عادة أو موروث إطلاق نار فى "الفرح" ضمن هذه الموروثات التى يجب التخلى عنها، بل نسيانها ومحوها من قاموس حياتنا، عادة سيئة يجب مسحها من ذاكرة مجتمعنا، حتى لا نرى مصابين وقتلى فى الأفراح، كما لا نعود الأجيال القادمة على موروثات نسيانها أفضل من استذكارها.

ولا يمكن أن نتناسى مقولة نجيب محفوظ الشهيرة، "الإبقاء على التقاليد البالية سخف ومهلك"، وإطلاق النار فى الأفراح، من التقاليد السخيفة والمهلكة، لهذا يجب منع إطلاق النار فى الأفراح، ونوجه هنا أعضاء البرلمان، بتولى مسؤولية تشريع يمنع ويحظر ويجرم إطلاق النار فى الأفراح، بينما على وزارة الداخلية، رصد كل ما تسول له نفسه أو يطلق النيران فى حفلات الزفاف، وضبطه، فى إطار من القانون إن وجد ضمن القوانين، إن لم يوجد فنحن ندق ناقوس الخطر أمام هذا الموروث الخطير، لا نقول عبارات جزافية أو نجلس داخل حجرة يثلج هوائها التكييف، لكن هذا بناءً على رصد لحوادث وقعت مؤخرا ربما منذ نهاية العام المنصرم حتى مانحن عليه الآن.
فالمعدل بمثابة جريمتين أو جريمة ونصف كل شهر، بل ويزيد فى أشهر معينة، ليس هذا فحسب، ولكن المحافظات التى تقع فيها جرائم الرصاصة الطائشة فى الفرح، ربما كان لمحافظات الصعيد والوجه البحرى النصيب الأكبر، بل ازداد عن تلك المحافظات مؤخرا محافظة القليوبية، التى احتلت المركز الأول، ثم تلاها بنى سويف وأسيوط والشرقية ودمياط.
شاويش الفرح.. قتيل
فى مركز الزرقا بدمياط، وتحديدا عزبة عطاالله لتابعة لقرية سيف الدين، ووسط الزحام، والصوت العالى، وموسيقى الـ"دى.. جى" التى تدوى فى المكان وتملأه ضجيجا، كان "النبطاشى" أو "شاويش المسرح" كما يطلقون عليه فى دمياط، وكعادته يصنع البهجة، يرتب كلماته لتحية المعازيم والحضور، فهو سلطان الفرح ومهندس الحفل، حينما يمسك "الحديدة" لا صوت يعلو فوق صوته، فهو مدير الحفل الأول.

وقف "محمد. ح"، 29 عاما، موظف بمكتب بريد صباحا، ويعمل فى هذه المهنة لزيادة دخله ليلا، كان ينظر هنا وهناك، وفجأة أصابته رصاصة طائشة، سقط محمد غارقا وسط دمائه، جميع "المعازيم" التفوا حوله، صرخات النساء تتعالى، تحول صوت الموسيقى إلى بكاء وعويل وصرخات تدوى فى المكان، البعض يهرول، وآخرون يحاولون إنقاذه، اتصلوا بالإسعاف والمستشفى فى محاولة لإسعافه، وبالفعل تم نقله إلى مستشفى الزرقا المركزى لكنه فارق الحياة قبل وصوله، وتحرر محضر بالواقعة، ولكن لم يستدل على مصدر إطلاق النار، وتولت النيابة التحقق.
رصاصة خرطوش طائشة
قتيل آخر بلا ذنب، كل ذنبه أنه كان واقفا لحظة الاحتفال بحفل زفاف أحد الشباب بشبرا الخيمة، كان "على. ق. م"، 48 سنة، يحتفل على طريقته، بحفل زفاف نجل شقيقه، بعزبة 6 أكتوبر التابعة لبهتيم، يرقص ويتمايل هنا وهناك، ف يده فرد الخرطوش، يرفعه تارة نحو السماء ويطلق أعيرة منه، وأحيانا يتمايل على شقيقه والد العريس فرحا واحتفالا به، فى نفس الوقت كان الشاب "على. ع. ر"، 19 عاما، سائق توك توك، يقف بالقرب من حفل الزفاف، لحظة إطلاق عيار نارى من فرده الخرطوش، لتصيبه الطلقة فى رأسه، ويسقط وسط بركة من الدماء، ليتحول الفرح إلى مأتم، ويكسو الحزن المكان، وتستبدل الزغاريد بصرخات وأصوات عالية.
يحاول الأهالى إنقاذ الشاب بنقله إلى مستشفى النيل لكنه فارق الحياة، تم إبلاغ اللواء طارق عجيز، مساعد الوزير مدير أمن القليوبية، وتم تشكيل فريق بحث بإشراف اللواء هشام سليم مدير إدارة البحث الجنائى، وتم ضبط المتهم، والتحرى حول الواقعة، وتبين صحة الحادثة، وتم ضبط المتهم، الذى قال: "لم أكن أقصد، الحادث قضاء وقدر، كنت أحتفل وأعبر عن سعادتى فى فرح ابن شقيقى، وأطلقت أعيرة نارية من سلاحى النارى، فأصابت طلقة الشاب، لكن دون قصد"، تحرر محضر رقم 8942 إدارى قسم ثان شبرا الخيمة لسنة 209، وتولت النيابة التحقيق.
قتيل فى الفرح
لم نذهب بعيدا، عاطل يسقط قتيلا بسبب إطلاق الأعيرة النارية فى أحد الأفراح بشبرا الخيمة، لكن هذه المرة القتيل، طالب بكلية الحقوق، يدعى إسلام، 18 عاما، نقله الأهالى إلى مستشفى المطرية لإسعافه لكنه فارق الحياة، سقط ضحية لعاطل كان يحتفل فى حفل زفاف، وأثناء تواجد المجنى عليه فى حفل الزفاف لمجاملة صديقه العريس، أطلق العاطل أعيرة نارية من سلاحه لتصيب بالخطأ الطالب، وفور ضبطه بعد أن فارق الشاب الحياة، اعترف بالواقعة، وأنه كان يحتفل بحفل زفاف شاب من أحد أقاربه، وذلك لأن من ضمن العادات والتقاليد التى تسيطر على عائلتهم ومنطقتهم، هى إطلاق النار تحية للعروسين، لكن لم يتوقع أنه سينجم عن ذلك قتيل، تحرر محضر بالواقعة وتولت النيابة التحقيق وتم التحفظ على السلاح.

ملاك قتيل
لا يمكن أن ننسى حادث مقتل شهد، التى لقت مصرعها بسبب طلقة طائشة استقرت فى وجهها، كما أصيبت شقيقتها، إيمان، ليتحول الفرح إلى أحزان وآلام، وما بين الأحزان والآلام كانت أم الطفلة شهد فى عالم آخر، دموعها تنهمر من عيونها وكأنها مياه شلال تفيض بغزارة، لم تكن تصدق أنها لن ترى ابنتها الصغيرة، حيث فارقت الحياة فى اليوم التالى، وأصيبت الفتاة بانفجار فى الجمجمة، والسبب استهتار الشباب الذى أطلق الأعيرة النارية فاستقرت فى رأسها، لكن الأم تتذكر شريط ذكريات ابنتها الصغيرة، وتفوقها وسط زملائها بالمدرسة، وطموحها الكبير، لكن اختارها الله لكى تذهب له وتكون فى عالم الحق، واسترجعت شقيقتها، المشهد الأخير، وقالت: "كنت أقف أنا وهى فى البلكونة لمشاهدة حفل الزفاف، وفجأة أصبنا وسقطنا على الأرض".
سقوط زوجة بـ"طلقة طائشة"
ومن القليوبية للجيزة، الساعة كانت تقترب من العاشرة مساءً، الزغاريد والأغانى تملئ الشارع، بالوراق، مصطفى وزوجته كان يقفان فى البلكونة، لمشاهدة الاحتفالات وأثناء ذلك فوجئ مصطفى أن زوجته تسقط من جانبه، دون أى سبب، غرقة فى دمائها، ولحظات إذ الدماء تغرق الشرفة التى كانت تقف عليها، أصيب بالاندهاش، الارتباك سيطر عليه، لم يعد قادرا على فعل شيء، حاول إسعافها لكنها فارقت الحياة، والسبب طلقة طائشة، من أحد المحتفلين بحفل الزفاف من أقارب العروسين.
حرر الزوج محضر بالواقعة، وكشفت تحريات لمباحث، ان المجنى عليها أصيبت بعيار نارى طائش صادر من أحد الأفراح الشعبية كان بالقرب من محل سكن زوج المجنى عليها، كما أكد شهود العيان أن أحد أقارب العريس أثناء مشاركته بزفافه، قتل المجنى عليها عن طريق الخطأ، وكشفت تحقيقات النيابة، أن المتهم "ناجى. س. إ"، هارب كان بحوزته سلاح نارى بندقية آلى، بدون ترخيص، وعدد من الذخائر مما تستعمل على هذا السلاح كما تسبب فى موت المجنى عليها "أميرة. ج"، بسبب إهماله ورعونته وعدم مراعاته للقوانين واللوائح، بأن أطلق من سلاحه النارى عدة طلقات فى الهواء ابتهاجا بأحد الأفراح فأصابها مما أد إلى فقدانها حياتها.
وفى النهاية تم إحالته إلى محكمة جنايات الجيزة، وحكمت هيئة المحكمة عليه، غيابيا بالسجن المؤبد لقتله ربة منزل بالخطأ.
الطفل يوسف
ومن الحوادث الشهيرة التى لا يمكن نسيانها ويجب التذكرة بها فى هذا التقرير، إصابة الطفل يوسف 13 عاما، بطلق نارى فى الرأس، بميدان الحصرى بمدينة السادس من أكتوبر.

يوسف، كان يقف فى ذلك اليوم برفقة أصدقائه يتناولون "سندويتشات" من أحد المطاعم بميدان الحصرى، فجأة ودون مقدمات سقط الطفل بين أقدام رفاقه، وعلى الفور نقلوه إلى أقرب مستشفى، وقتها كشفت وزارة الداخلية فى زمن قياسى لغز الحادث، وأغلقت الطريق على كل نشطاء السوشيال ميديا للسير خلف تكهنات وخيالات عقلية، لتكشف أن سبب الحادث، تلك الأعيرة النارية الطائشة التى أطلقت أثناء حفل خطوبة كان مقاما فوق أحد العقارات القريبة من موقع الحادث، وتزامن إطلاقها فى وقت وجود الطفل، وأمرت نيابة أول أكتوبر بالقبض على العريس، والذى اعترف بإطلاق تلك الأعيرة مع شخصين آخرين من سلاح آلى على سبيل المجاملة فى الحفل.