البث المباشر الراديو 9090
عنايات الزيات
صدرت الرواية الوحيدة للكاتبة عنايات الزيات، التى تحمل اسم "الحب والصمت" عن دار المحروسة.

عنايات الزيات هى أديبة شابة لا تعرفها الحياة الأدبية الدارجة بشكل واسع أو ضيق، أقدمت على الانتحار بعد أن رفض ناشر ما أن يطبع روايتها الوحيدة، كما كتب الناقد التقدمى محمود أمين العالم آنذاك، وأعاد نشر مقاله التعريفى فى كتابه "أربعون عاما من النقد التطبيقى".

واعتبر العالم أن الرواية هى قصة نضال جسور من أجل الحرية، إنها تحكى حكاية فتاة من أسرة غنيّة تبحث عن معنى للحياة، تجد المعنى فى البداية فى علاقتها الحميمة بشقيقها هشام، ثم ما تلبث أن تفقدها بموت هذا الشقيق.

وفى مقدمة الرواية اليتيمة لعنايات الزيات قال الشاعر والناقد شعبان يوسف إنها انتحرت فى منتصف عقد الستينات من القرن العشرين، فى حادث فريد من نوعه تشهده الحياة الأدبية، لافتا إلى أن الناقد الكبير محمود العالم استطرد فى الاحتفاء برواية "الحب والصمت" على طريقته الخاصة، تلك الطريقة التى تتلمس أحداث الرواية وتشرحها، والتى لا تغوص فى أعماق الرواية بشكل واسع وعميق، فالمقال كتبه الناقد لمجلة "المصور"، ولا مجال للفحص المسهب، وربما استعادة نشر الرواية مرة أخرى فى هذه الطبعة الجديدة، يعيد من جديد حولها الجدل والمناقشة الواجبتين، خصوصا أن التى كتبتها لن تسعد أو تحزن لأى وجهة نظر سوف تثار حول نصها الوحيد حتى الآن.

لن تستطيع الكاتبة عنايات الزيات أن ترد أو تعقب أو تقول أكثر مما قالت فى روايتها الوحيدة واللافتة، والتى أعتبرها بيانا واضحا وشاملا شديد اللهجة فى مواجهة الواقع الظالم للمرأة من طبقتها ومن المجتمع كله، رغم التصريح المناقض لذلك عند الناقد الكبير محمود أمين العالم، والذى أورده فى مقاله، والذى قال فيه: "..وبرغم أن المرأة قد نالت قسطا كبيرا من حريتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية فى عالم اليوم - لا حظ أن المقال كان مكتوبا عام 1967-، وهو أساس حريتها الحقيقية، فلا تزال قيود الماضى، من قيم وعادات وتقاليد ونظم اجتماعية متخلفة، تملأ فكرها بالضباب، وتشيع فى جسدها خدر الحريم، وتشل إرادتها عن المساهمة البناءة فى الحياة العامة".

هذا ما أورده الناقد الكبير محمود العالم، وهو ما يشى بأن الدولة أو المجتمع وفّرا قدرا كبير من الحريات، ولكن المرأة مازالت تصرّ على اعتناق "الحريم"، والخضوع للذكورية المتفشية أو السائدة، أو الموروثة، وربما تستعذبها كذلك، كما كان يشيعه بعض الكتّاب آنذاك، وهو ماتنفيه رواية "الحب والصمت" شكلا وموضوعا، وتقف كشاهد عيان على محاولة المرأة أن تصرخ فى وجه كل أشكال الظلم والعنت، ورغم أنها رواية وحيدة، لكاتبة تكاد تكون مجهولة، ولم تنل أى دعاية تطلقها جماعة ما، أو شلة معينة، أو توجه نقدى وأدبى مهيمن، إلا أنها ظلّت حاملة لقيم نضالية وفنية عتيدة فى تاريخ المرأة الكاتبة، لكن الرواية ظلّت مجهولة تماما حتى أيامنا هذه، وهذه المجهولية تعود إلى الحركة النقدية الظالمة، والتى تقودها كثيرا روح ذكورية قاتلة، فرواية "الحب والصمت" أصابتها تلك اللعنة الذكورية، ماعدا بضعة مقالات قليلة كتبها الكاتب الصحفى أنيس منصور.

وهناك مقال كتبته الناقدة والكاتبة الدكتورة لطيفة الزيات، كما أن الناقدة الدكتورة شيرين أبو النجا كتبت مقالا تحليليا عن الرواية فى جريدة الحياة فى يناير 2015، كما كتبت الروائية سلوى بكر كذلك، والشاعرة إيمان مرسال، ورغم كل ذلك، فالتغطية النقدية والأدبية لم تعط الرواية القدر الكافى من النقد والتحليل حتى تتجاوز الرواية حدود العزلة التى فرضت عليها، وذلك لأن الرواية ظلّت حبيسة الطبعة الواحدة والوحيدة، والتى نشرت بعد رحيلها، وصدرت عام 1967عن وزارة الثقافة.

ووصف شعبان يوسف عالم الرواية بـ"المخيف"، فرغم أجواء الحب التى تهيمن على بعض تفاصيل الرواية، والعلاقات الاجتماعية التى تكاد تكون سائدة وعادية، وربما تكون مريحة لكائنات أخرى، لكننا نصطدم منذ بداية الرواية، بأن البطلة/الراوية، فقدت شقيقها الوحيد "هشام"، والذى كان نموذجا مثاليا بالنسبة لها، ذلك الأخ الفاعل والمحتفى به، لكنه يرحل ذات صباح حزين دون أى وداع، فتعتقد "نجلاء" شقيقته أن هذا الموت هو نهاية العالم بالنسبة لها، ذلك العالم الذى فقد كل طعمه وملامحه وتفاصيله، إذ إن "هشام" كان يمثّل لشقيقته "العالم" كله، وبعد رحيله أى عالم آخر سوف تتعامل معه، وأى كلمات سوف تنصت لها، وأى جدار سوف تستند إليه بعد انهيار الجدار الأعظم بالنسبة لها.

وأكد شعبان يوسف أن رواية "الحب والصمت" تندرج فى تاريخ الرواية النسائية بامتياز، أو الرواية التى أنتجتها المرأة فى مرحلة مبكرة من مجهودات النساء فى الحصول على حرياتهن المهدورة والمغدورة.

رواية الحب والصمت
تابعوا مبتدا على جوجل نيوز