البث المباشر الراديو 9090
القس أندريه زكى
ألقى الدكتور القس أندريه زكى، رئيس الطائفة الإنجيلية، كلمة فى حفل تخرج دبلوم التراث العربى المسيحى بكلية اللاهوت الإنجيلية.

وجاءت نص الكلمة كالآتى:

الإخوة الأحباء.. نحتفل اليوم بتخرج دفعة جديدة من البرنامج الأكاديمى "دبلوما التراث العربى المسيحى" بمركز دراسات مسيحية الشرق الأوسط بكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة.

هذا البرنامج الأكاديمى يلقى بالضوء على تراث المسيحيين العرب وإسهاماتهم المختلفة فى تشكيل الهوية العربية عبر التاريخ. فالهوية تتشكل تدريجيًا، والتراث الإنسانى هو الشاهد لتطور عملية تشكيل الهوية الإنسانية فى المجتمعات المختلفة. والتراث عبارة عن سجل حافل بممارسات ونشاطات وفعاليات الآباء والأجداد الذين واراهم الثرى وظلت بصماتهم خالدة مع هذا التراث التى تناقلته الأجيال جيلًا بعد جيل. إن التراث هو حلقة وصل قوية بين الأجيال المعاصرة وأجيال الآباء والأجداد، كما أن التراث لم يأتِ من العدم ولا فى ليلة وضحاها، بل هو تراكم ثقافى منذ قرون عديدة ترسخت جذوره ومراسيمه عند آبائنا وأجدادنا، ونقلوه إلينا ليس لكى نهمله أو تنسينا عنه متغيرات الحياة، بل لنؤكد عليه فى كل مناسبة، ولنبرز خصوصيتنا أمام العالم كما تفعل كل الشعوب الأصيلة والحية.

القس أندريه زكى

كما أن التراث يساهم فى تعزيز العلاقة بين الماضى والحاضر، إذ أن الإنسان لا يستطيع صياغة هويته اليوم قبل أن يكتشف من كان بالأمس. هذه العلاقة بين الماضى والحاضر هى الخطوة الأولى نحو صياغة مستقبل أفضل للإنسان.

إن معرفتنا بماضينا تساعدنا اليوم على أن نتعلم كيف حدثت النقلات النوعية الكبرى فى تاريخ المسيحيين العرب، وما هى الأفكار التى ساعدتهم على التطور والارتقاء.

إن النظر فى هذا التاريخ يعلمنا كيف نخلق مستقبلًا آمنًا لوطننا، مبنىّ على قيم العيش المشترك والتعاون لأجل مصلحة الوطن الواحد. هذه القيم تبناها وأكد عليها المسيحيون العرب فى تراثهم، وكلما تأملنا فى التراث المسيحى العربى كلما تعلمنا أكثر كيفية التناغم والانسجام بين المسلمين والمسيحيين وكيفية صناعة السلام داخل الوطن الواحد مهما كانت المخاطر الخارجية. ربما هذا أحد أكثر الدروس التى نحتاجها اليوم لبناء مستقبل أفضل لوطننا الحبيب مصر، وهو كيف يستطيع الالتحام بين المسلمين والمسيحيين أن يكون حائط صد أمام كل هجوم على وحدة الوطن وسلامته.

القس أندريه زكى

لكننا يجب أن نعى أن التراث عنصرًا متغيرًا بل ومتطورًا مع مرور الزمان، لهذا فالتراث ليس هو النص المقدس. يؤدى الخلط بين التراث والنص المقدس لفرض هالة من العصمة والقداسة على تراث بشرى محض، خرج فى فترات زمنية متنوعة ليعكس تفاعل الإنسان مع مجتمعه وبيئته. يزداد الأمر خطورةً لو أن هذا التراث يتعلق بعملية تفسير النص المقدس فيطابق بين النص وتفسير النص، ما يجعل التفسير الإنسانى الذى ظهر فى حقبة من الزمان فوق مستوى النقد، ويجعل النص المقدس حبيس تفسير ظهر فى قرون بعيدة دون أن يكون له علاقة بالواقع المعاصر.

من هنا يأتى أهمية الدور الذى يلعبه التعليم اللاهوتى فى رفع درجة الوعى بالسياق التاريخى الذى خرج فيه التراث وعلاقته بالنص المقدس. فتوعية الدارسين بعلوم التفسير ترفع من وعيهم نحو تقديم تفسير معاصر متزن للنص يتناسب مع المجتمع الذى نعيش فيه ويخاطب تحدياته. كذلك يقوم التعليم اللاهوتى بتوعية الدارسين بمخاطر التمسك بالتراث دون محاولة تجديده مما يُفقِد التراث روحه ومرونته، أو مخاطر التخلى عن التراث والبحث المستمر عن كل ما هو جديد فقط مما يُفقِد الدارس هويته.

يحافظ التعليم اللاهوتى على هذا التوازن بين التراث القديم من جهة والتوجه نحو المجتمع المعاصر من جهة أخرى. لهذا فإن علاقتنا بالتراث اليوم لها وجهان: وجه الاستمرارية مع التراث حيث يمكن أن يخدم التراث تحديات اليوم، ووجه القطع أو التجرد حيث تحتم الضرورة تجديد التراث بما يتناسب مع الحاضر.

القس أندريه زكى

إن المهارة الرئيسية التى يخلقها التعليم اللاهوتى فى الدارس، وتعطيه القدرة على التمييز والتوازن فى تكوين منظوره اللاهوتى لله، ونفسه، والمجتمع من حوله، هو تطوير العقلية الناقدة فيه "ناقدة وليس ناقضة". هذه العقلية الناقدة هى التى تستطيع تمييز الأمور والحكم عليها بالصواب والخطأ. هذا التمييز بين ما هو ملائم وما هو غير ملائم، ما هو ثابت وما هو متغير، ما هو مقدس وما هو بشرى، يجعل الدارس قادرًا على وضع كل فكر فى مكانه الصحيح دون خلط.

يسهم التعليم اللاهوتى أيضًا فى تجديد الثقافة، سواء كانت ثقافة المجتمع أو ثقافة الفرد، وهذه الثقافة تحدد منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية لدى الدارس. إن تجديد الثقافة يعنى تبنى منظور جديد للإنسان ويضع قيمة الإنسان فى مكانة عالية، وهذا بدوره يؤدى إلى تواصل فعّال بين افراد المجتمع الواحد، وإرساء ثقافة الاستماع للآخر وفهمه.

إن التعليم اللاهوتى يشكّل، على نحو خاص، ثقافة العيش المشترك ومد الجسور مع الآخر. والبرنامج الدراسى المتخصص فى التراث العربى المسيحى ما هو إلا نموذج لهذا العيش المشترك، فها هم طلبة البرنامج مسيحيين ومسلمين يجلسون معًا على طاولة الحوار لفحص تاريخهم المشترك، وتراث أجدادهم، وهم بذلك يخلقون صورة جديدة للمجتمع الذى نحلم به فى مصر، مجتمع يقبل الجميع، ويرحب بالتعددية الدينية، مع السعى المستمر لفهم الآخر ونبذ كل منهجيات العنف، من خلال التعلم من الدروس العميقة التى يقدمها لنا التاريخ والتراث.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز