البث المباشر الراديو 9090
العملية العسكرية التركية ضد سوريا
خيمت حالة شبه ضبابية على الموقف فى الشمال السورى، ففى الوقت الذى تلتفت فيه أنظار المحللين والمتابعين صوب الولايات المتحدة الأمريكية، يزيد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، من الحيرة بسبب تصريحاته المتناقضة على مدار اليومين السابقين، فبات المشهد مبهم فى منطقة شرق الفرات.

فجأة أعلن الرئيس الأمريكى، انسحاب قوات بلاده من الشمال السورى، ولم يكتف بذلك، بل أعلن صراحة أنه لن يتدخل إزاء الضربة العسكرية التركية المرتقبة فى المنطقة، مما يعنى بكل تأكيد أنه تخلى عن قوات سوريا الديمقراطية، حلفاء الولايات المتحدة ودول الناتو فى مواجهة داعش الإرهابى منذ سنوات.

أمريكا تتخلى عن حلفائها لكنها تحبهم

وأعلنت واشنطن، سحب كامل عتادها من قاعدة تل أرقم فى مدينة رأس العين، كما سحبت عتادها من نقطة عسكرية أخرى فى تل أبيض، مؤكدة أن القوات الأمريكية لن تدافع عن القوات الكردية ضد أى هجوم تركى فى سوريا فى أى مكان.

الأمر لم يقف عند هذا الحد، فبعد مرور ساعات جاء تصريح للرئيس الأمريكى عبر "تويتر" يؤكد أن الولايات المتحدة لم تتخل عن الأكراد، فى تناقض صريح مع ما قام به فعلاً.

تغريدة ترامب عن الأكراد

حلم الأكراد بإدارة ذاتية يتبدد

وبعد عقود من التهميش، تصاعد نفوذ الأكراد فى سوريا بعد اندلاع النزاع فى العام 2011 وإنشائهم إدارة ذاتية فى شمال شرق البلاد.

وتسيطر قوات سوريا الديموقراطية التى يُشكل الأكراد عمودها الفقرى على نحو 30% من مساحة سوريا بعدما شكلت قوة رئيسية فى قتال تنظيم داعش، والقضاء على "الخلافة" التى أعلنها فى العام 2014، بدعم من التحالف الدولى بقيادة أمريكية.

ولم تثمر مفاوضات سابقة بين الأكراد ودمشق، مع إصرار دمشق على إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل اندلاع النزاع فى العام 2011، وتمسّك الأكراد بإدارتهم الذاتية ومؤسساتها المدنية والعسكرية.

وتعتبر أنقرة المقاتلين الأكراد "إرهابيين" وترغب بإبعادهم عن حدودها، وسبق أن نفّذت هجومين فى سوريا، الأول ضد تنظيم داعش عام 2016، والثانى ضد الوحدات الكردية عام 2018.

قوات سوريا الديمقراطية

أدبيات الأكراد.. مقاومة حتى الموت

فى غضون ذلك يبدو أن أحلام الأكراد فى الإدارة الذاتية باتت تتبدد، فإما التسليم لضربة عسكرية تركية، أو العودة والارتماء فى أحضان الوطن سوريا، إلا أنه يبدو أن الأكراد فضلوا اتخاذ رد الفعل الأشهر فى الأدبيات الكردية، وهو المقاومة حتى الموت.

ووسط حالة من الاحتقان على طبول الحرب التى تقرعها أنقرة، قال المتحدث باسم الإدارة الذاتية الكردية لشمال وشرق سوريا لقمان أحمى، إن أى حرب ستندلع شرق الفرات ستكون حربًا طويلة الأمد، وستدوم سنوات، ما يؤكد أنهم اختاروا المقاومة فى مواجهة المحتل التركى.

وأضاف أحمى، أن الحرب هذه المرة لن تكون كمثيلتها فى عفرين، والتى انطفأت نيرانها بعد مرور شهرين، مشيرًا إلى أن هناك محاولة لتوحيد مواقف الأحزاب الكردية، بهدف سد الطريق أمام أى احتمال يمكن أن يلحق الضرر بمنطقتهم.

وشدد المسؤول الكردى، على أنه لا خيار أمام هذه الأحزاب سوى الدفاع عن نفسها، وأنها ستفعل ما بوسعها لمنع أى أذى يمكن أن يلحق بمناطقها.

قوات سوريا الديمقراطية

تركيا تقرع طبول الحرب

فى غضون ذلك كانت تركيا تقرع طبولها الحربية، وتستعد لإبادة لا مثيل لها للأكراد، أعداء أردوغان التاريخيين والسياسييين، سواء داخل تركيا أو على الأطراف السورية والعراقية والإيرانية، فالرئيس التركى لا يستطيع التخلى عن حلم إبادتهم فى أى مكان وزمان، فهو يرى فيهم تهديد لأحلامه التوسعية، لا سيما فى منطقة شرق الفرات التى تبدو كعكعة نفطية، إذ تحوى المنطقة حقل العمرى النفطى الذى تقيم عليه قوات سوريا الديمقراطية معسكرها.

وبالفعل بدأت قوات الجيش التركى تنفيذ ضربات جوية على الحدود السورية العراقية، منذ مساء أمس الإثنين، لمنع القوات الكردية من استخدام الطريق لتعزيز شمال شرق سوريا فى مواجهة قوات الاحتلال التركى التى تستعد لشن ضربة عسكرية لوضع يدها على مناطق شرق الفرات.

ووفقًا لما أوردته وكالة "رويترز" الإخبارية، قال مسؤولان تركيان، إن أحد الأهداف الرئيسية كان قطع طريق المرور بين العراق وسوريا قبل العملية، زاعمين بأنه بهذه الطريقة تم قطع طريق عبور الجماعة الكردية إلى سوريا، وقطع خطوط الإمداد عنهم، بما فى ذلك الذخيرة.

القوات التركية فى عفرين

فصائل إرهابية فى خدمة أردوغان

وعلى الأرض كانت الميليشيات الإرهابية المسلحة من السوريين المواليين لأردوغان، قد شرعوا فى تنظيم صفوفهم على الأرض، موزعين برعاية الاستخبارات التركية على ثلاث محاور عبر الحدود التركية السورية، استعدادًا للمعركة المرتقبة فى محافظة حلب والرقة والحسكة.

تلك الفصائل الإرهابية أطلقت على نفسها يومًا اسم "المعارضة السورية"، وسعوا لإثارة الفوضى وزعزعة استقرار سوريا، حتى استطاع الرئيس السورى استعادة الغالبية العظمى من أراضى سوريا، ومازال الموضوع يحتمل صراعًا سوريًا ـ مدعومًا من روسيا ـ فى مواجهة تركيا، وليس الأكراد هم الطرف الوحيد فى المعادلة فى مواجهة قوات الاحتلال التركى.

وبحسب وكالات أنباء، قال أحد المصادر من هذه الفصائل الإرهابية الموالية لتركيا، إن دفعة من ميليشياتهم عبرت معبر حوار كلس قرب بلدة الراى فى ريف حلب الشرقى، إلى الأراضى التركية، واتجهت إلى محافظة شانلى أورفا جنوب تركيا، للمشاركة فى معارك شرق الفرات فوق الأراضى السورية، إلى جانب قوات الاحتلال التركية فى مواجهة قوات سوريا الديمقراطية.

وبحسب تصريحاته، توزعت على ثلاث محاور "تجمع أحرار الشرقية، وجيش الشرقية وأغلبهم من أبناء محافظة دير الزور، والرقة محور عملياتهم إلى جانب الجيش التركى فى منطقة تل أبيض بريف الرقة الشمالى، بينما يتم نقل مقاتلى فرقة السلطان مراد وفرقة الحمزة إلى محاور مدينة رأس العين".

الجيش السورى الحر المشارك فى عملية عفرين

دمشق لـ الأكراد: "العودة إلى أحضان الوطن"

واليوم جددت الحكومة السورية دعوتها للأكراد للعودة إلى الوطن، على خلفية هجوم أنقرة الوشيك ضد مناطق سيطرتهم فى شمال سوريا، لا سيما وأن واشنطن تخلت عن حلفائها الأكراد.

وبحسب تصريحات نقلتها صحيفة "الوطن" المقربة من الحكومة السورية، قال نائب وزير الخارجية والمغتربين السورى، فيصل المقداد، متوجهًا للأكراد: "ننصح من ضلّ الطريق أن يعود إلى الوطن لأن الوطن هو مصيره النهائى".

وأضاف: "نقول لهؤلاء إنهم خسروا كل شىء، ويجب ألا يخسروا أنفسهم، فى النهاية الوطن يرحب بكل أبنائه ونحن نريد أن نحل كل المشاكل السورية بطريقة إيجابية وبطريقة بعيدة عن العنف، لكن بطريقة تحافظ على كل ذرة تراب من أرض سوريا".

وفيما يشبه العتاب للأكراد، قال المقداد: "كل من لا يخلص للوطن ويبيعه بأرخص الأثمان سيجد أنه سيرمى به خارج التاريخ، ونحن حذرنا فى الكثير من المرات، وقلنا إن من يرتمى بأحضان الأجنبى فسيرميه الأجنبى بقرف بعيدًا عنه وهذا ما حصل".

وشدد: "يجب ألا يتوهم هؤلاء الذين حاولوا أن يتلاعبوا بمصير الأرض أو تلاعبت بهم الدول الخارجية"، مؤكدًا عزم بلاده استعادة كامل أراضيها.

الأهم أن تصريحات دمشق جاءت صريحة فى مواجهة الاحتلال التركى، وهى أن سوريا ستواصل تحرير أراضيها ولن تفرط فى ذرة تراب من هذه الأرض، معتبرًا أن الأكراد على هذا النحو يلقون بأنفسهم إلى التهلكة.  

 نائب وزير الخارجية السورية فيصل المقداد

معاناة اقتصاد الحرب فى تركيا

الاقتصاد التركى نفسه أصبح رهين المغامرة، إلا أن مؤشراته لم تشير إلا بالتراجع، سواء على مستوى بورصة إسطنبول التى تراجعت بنحو 0.7%، أو الليرة التى نزفت 2.5% من قيمتها.

ويبدو أن تهديدات ترامب، بأنه سيدمر اقتصاد تركيا إذا لزم الأمر، كان لها أثرًا كبيرًا على ذلك التراجع، علاوة على أن اقتصاد تركيا بات اقتصاد حرب لا يمكن التنبؤ بمستقبله، إلا أن ترامب، عاد ليناقض تصريحاته مؤكدًا على أن تركيا حليف تجارى مهم لواشنطن، وقال فى تغريدة أخرى: "العديد من الأشخاص ينسون عمدًا بأن تركيا شريك تجارى كبير للولايات المتحدة"، ليضفى المزيد من الضباب، سواء على حال الاقتصاد التركى أو على الوضع فى الشمال السورى ومستقبل الأكراد.

وبالتزامن مع كل هذا تعرب الأمم المتحدة عن مخاوف إزاء كارثة إنسانية جديدة ومجزرة تنوى تركيا ارتكابها بحق الشمال السورى وسكانه، مما ينذر بآلاف القتلى فى الغارات، أو آلاف النازحين فى مخيمات. 

تركيا وتراجع الاقتصاد

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً