العدوان التركى على سوريا
ومنذ عام 2002، ظهرت التطلعات الأردوغانية نحو العالم العربى للعلن، وبدت الأجندة الخارجية للرئيس التركى تعبر عن مخططاته، فاعتمد على تحالفاته مع الإسلام السياسى، بترتيبات مع إيران وقطر وجماعة الإخوان للوصول إلى أحلامه بإحياء السلطنة العثمانية من جديد.
سوريا.. لدغة الجار الأقرب
وبطبيعة موقعها الجغرافى كأقرب الجيران لتركيا، باتت سوريا تشكل بوابة العثمانلى الجديد لوضع موطئ قدم له فى المنطقة العربية، وذلك منذ وقوعها تحت وطأة "الربيع العربى"، لتشكل سوريا معبرًا تركيًا إلى الوطن العربى وشعوبه؛ واستغلال القضية سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا للترويج للخليفة الإخوانى المزعوم أردوغان.
فى ذلك الوقت كان الصراع بين الدب الروسى والقطب الأمريكى على أوجه، وكل منهما يسعى للبحث عن دور ونفوذ فى المنطقة، وبطبيعة التحالف بين الدب الروسى والنظام السورى، كانت أمريكا تعقد اتفاقًا مع الأتراك فى 29 يوليو 2012، ليكونوا بمثابة وكلاء لها فى سوريا فى مواجهة نفوذ الروس، وتركت لتركيا وأردوغان دورًا فعليًا على الأرض، تتحكم فى الحدود مع سوريا، وتقيم مناطق عازلة بينها وبين سوريا لاحقًا، وبطبيعة المصالح شهد الاتفاق التركى الأمريكى مراحل عثرة بسبب تضارب المصالح بين أمريكا وتركيا وتقاطع الأطماع النفطية بينهما، إلا أن الحقيقة التى يمكن التسليم بها فى النهاية أن أمريكا حاولت استخدام تركيا وكيلاً لها فى الصراع مع بوتين، حتى لا تتورط بيدها التى لم تنفضها من العراق وأفغانستان بعد، وهو مع اتضح فى الأحداث الأخيرة.

«نبع الكراهية والأطماع التركية»
على عكس العمليات التى شنتها تركيا ضد الأكراد منذ عام 1995، جاءت العملية العسكرية التى تستهدف أكراد سوريا هذه المرة تحمل اسمًا تسويقيًا أكثر منه اسم عملية عسكرية، ما يؤكد مساعى أنقرة لتسويغ عدوانها العسكرى أمام العالم، لاسيما وأنها رفعت شعارات هذه المرة مثل "القضاء على الإرهابيين"، وتوطين اللاجئين فى منطقة آمنة، فى منافاة تامة لحقيقة العملية التركية، وهنا نذكر أسماء العمليات العسكرية التى حركتها تركيا ضد الأكراد فى العراق وسوريا وتركيا، والتى كان معظمها فى فترة حكم أردوغان، وكانت تحمل فى العادة مسميات عسكرية، مثل "عملية فولاذ، والمطرقة، والفجر، والشمس، وشاه الفرات، ودرع الفرات"، إلى أن تنبه المجتمع الدولى للدور الكبير الذى لعبه أكراد سوريا والعراق فى مواجهة خطر "داعش" الإرهابى، وهنا أدرك أردوغان أن مسألة إصراره على إبادة الأكراد تحتاج لذرائع جديدة غير اتهامهم بإثارة مخاوف لتركيا، فبدأ يستخدم مسميات رقيقة لعملياته العسكرية على عكس مضمونها تمامًا مثل "غصن الزيتون" التى أباد فيها المئات وشرد الآلاف من أكراد وعرب عفرين حتى تكون المدينة تحت وطأته وعناصر الجيش السورى الحر، وهم عناصر إرهابية فرت من النصرة وداعش وأعادت تركيا استخدامهم لضرب بلدهم الأساسى سوريا.
واليوم يواصل أردوغان عملياته العسكرية وعدوانه على بلاد عربية مستخدمًا مصطلحات منافية للواقع، مثل "نبع السلام" التى يقوم بها قوات العدوان التركى حاليًا فى شمال وشرق سوريا، بينما الحقيقة هى "نبع للكراهية والأطماع التركية".

ماذا يريد أردوغان فى شمال شرق سوريا؟
تستهدف عمليات أردوغان العسكرية الجديدة إبادة الأكراد، المكون الأساسى لسكان المنطقة فى شمال شرق سوريا، وهم أعداء أردوغان السياسيين والتاريخيين داخل تركيا نفسها، كما يحاول أردوغان إعادة تحرير عناصر داعش الإرهابيين المقبوض عليهم فى مخيمات تابعة لقوات سوريا الديمقراطية، فى محاولة لإعادة إنتاج الخطر الإرهابى الذى يهدد به الدول العربية ويسعى لإضعافها حتى تصبح لقمة سائغة لاحتلالها.
وهكذا عاد أروغان لمزج الحابل بالنابل، يبرر لعملياته العدوانية على بلد عربى، ويمارس أفعال الإبادة بحق عرقية الأكراد، ويهدد الاتحاد الأوروبى بفتح أبواب اللاجئين، ويعيد إنتاج داعش الإرهابى الذين دربتهم المخابرات التركية منذ البداية وأطلقتهم فى الأراضى السورية.
العدوان التركى هذا المرة يهدد دول العالم كله، وليس سوريا أو المنطقة العربية وحدها، فقد اعتاد الرئيس التركى على التلويح باستخدام الإرهاب فى تهديد من يقف أمام مصالحه الخاصة، سواء فى المنطقة العربية أو أوروبا نفسها، حيث يسعى أردوغان هذه المرة لإطلاق سراح عشرات الآلاف من الدواعش المعتقلين فى منطقة شمال شرق سوريا، فى محاولة لإعادة إنتاجهم وإستخدامهم.
ويبدو أن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين تنبه للأمر أخيرًا، وأطلق تصريحاته، يوم الجمعة 11 أكتوبر، يحذر من فرار الدواعش خلال العملية التركية، مطالبًا أجهزة الاستخبارات فى المنطقة والدول القريبة بضرورة اليقظة لهذا الخطر المحدق.
المخاوف طبعًا تتطرق إلى عزم الرئيس التركى أردوغان تكرار سيناريو مذابح الأرمن مع الأكراد، مهددًا دول العالم وخصوصا الاتحاد الأوروبى والناتو ـ حلفاء الأكراد بالأمس ـ بألا يحاولوا تسمية عدوانه على أنه "احتلال"، وإلا فسيفتح عليهم بوابات اللاجئين، ما يعنى إيحاءات أيضًا بعمليات إرهابية تتم على الأراضى الأوروبية بزعم أن المنفذ لاجئ، بينما فى الحقيقة أن جهاز الاستخبارات سيعمل على استخدم عناصر داعشية دربها لتنفيذ هذه العمليات الإرهابية، فى كارت تهديد لأوروبا.

رسالة توبيخ لأوروبا
وكانت رسالة هيئة تحرير "نيويورك بوست" التى وجهت فيه الصحيفة رسالة توبيخ عنيفة لأردوغان والاتحاد الأوروبى على حد سواء هى سؤال صريح للاتحاد الأوروبى: "لماذا الصمت على ممارسات أردوغان وابتزازه لدول أوروبا؟"
وقد حذرت الصحيفة فى رسالتها من إعادة إنتاج خطر داعش، وإبادة الأكراد حلفاء التحالف الدولى فى القضاء على الإرهاب وخطره بالأمس القريب، ما يعنى أن أوروبا ستصبح تحت تهديد إرهاب أردوغان وحكومته التى تجيد استخدام الإرهابيين فى فرض عدوانها بالأمر الواقع.
طبعًا خرجت تصريحات الاتحاد الأوروبى وعدد من دوله تؤكد رفض ابتزاز أردوغان، إلا أن التعويل على عقوبات الاتحاد الأوروبى على تركيا قد يكون موعدها بعد فوات الأوان، فلازال موعد القمة الأسبوع المقبل، أى سيكون العدوان التركى انتهى من قتل وتشريد الآلاف فى شمال سوريا، سواء من الأكراد أو عرب المنطقة، وستكون عناصر داعش قد تحررت وأعاد أردوغان توطينها لاستخدامها فى ترويع دول العالم، لا سيما أوروبا التى لم تتوصل إلى استراتيجيات أمنية تجابه بها هذا الخطر على الأرض.
ووسط مخاوف من مساعى العدوان التركى لضرب العمق الديموغرافى لسوريا ومحاولات تغيير التركيبة السكانية للشمال السورى، تبقى مخاوف أكبر من إعادة إنتاج التوتر وعدم الاستقرار من أجل تحقيق مطامع بعيدة الأمد، وعلى رأسها السيطرة على معادن ونفط شرق الفرات السورى، لذا ستكون عناصر الجيش السورى الحر، وهى عناصر إرهابية تدربت على أيدى المخابرات التركية ومنظمة الذئاب المنفردة العنصرية، مجتمعة لأجل هدف واحد وهو زعزعة الأمن والسلم فى سوريا بصورة مستمرة، وهو ما قد يقوض ما أنجزته الحكومة السورية من إنجازات فى استعادة الأرض.
الأوروبيون يدركون تمامًا كذب مزاعم أردوغان بشأن توطين لاجئين، فهناك تجربة فى الأمس القريب، عندما سيطر بنفس المزاعم على مناطق سورية بدءًا من جرابلس حتى الباب، ولم يعمل إلا على توطين الفصائل الإرهابية فيها، وبقى يحاربهم بنفس ورقة اللاجئين.
ضحايا مدنيون وأهداف عسكرية لا وجود لها!
الإطار المعلن، للهجوم التركى يزعم استهداف السيطرة تماماً على كامل الشريط الحدودى شرق الفرات، مستهدفاً قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وحزب العمال الكردستانى وكذلك تنظيم داعش الإرهابى، كما صرحت تركيا رسميًا، بينما الحقيقة على الأرض أن الهجوم أخذ طابعا عنيفا؛ حيث طال القصف المدفعى والجوى مساحةً كبيرة من شمال غرب سوريا امتدادا من ديريك ورأس العين فى محيط الحسكة وحتى القامشلى وتل أبيض التابعة إدارياً لمحافظ الرقة السورية، حيث تعرضت للقصف ونزح سكانها بعد وقوع إصابات وقتلى بين المدنيين.
وبينما تزعم تركيا أنها تركز على ضرب الأهداف العسكرية (181 هدفا منذ بدء العدوان) إلا أن عملياتها طالت المدنيين، لأجل تفريغ المنطقة من أهلها، حيث نزح بالفعل قرابة 200 ألف مواطن كردى وعربى سورى منذ الساعات الأولى للهجوم، بعدما وصل قصف الجيش التركى لأحياء عدة داخل مدينة القامشلى وتل أبيض ورأس العين وأدت لمقتل العشرات من المدنيين وإصابة المئات.
وبمجرد وصول فصائل الجيش السورى الحر الإرهابى برا إلى داخل بعض المناطق، فقد تعمد القصف التركى تغطية تحركاتهم حتى يتمكنوا من فتح أبواب المعتقلات للدواعش المسجونين لدى قوات سوريا الديمقراطية، وهو ما تناقلته المواقع الإخبارية حتى اليوم السبت 12 أكتوبر.

فراشات النار
بطبيعة الحال لن يفر النازحين هذه المرة إلى حدود تركيا التى تلاحقهم وتسعى لإبادتهم، وإنما ستكون وجهتهم نحو الأراضى السورية والعراقية، ما جعل الحكومة السورية تتنبه لمخاطر العدوان التركى الذى يستهدف جزء من مكون الشعب السورى، ونددت دمشق بنوايا تركيا العدوانية.
وعلى الرغم من اختيار الأكراد وقواتهم فى سوريا الديمقراطية للمقاومة حتى الموت أمام العدوان التركى، وعلى الرغم من أنهم بالفعل يكبدون الأتراك خسائر هائلة بين القوات التركية ـ مماثلة لما يقع فى صفوفهم تقريبًا ـ إلا أن هذه الأدبيات الكردية تبقى أشبه بمحاولات الانتحار الجماعية لفراشات النار، وتحت غل القصف التركى لن تنتهى الأزمة الكردية، ولن ينتهى الأكراد أنفسهم، ما يعنى أن العناصر المتبقية منهم لن يدعوا تركيا تهنأ بجريمتها فى حقهم، وقد يتحولون بدافع الانتقام فعلاً إلى منظمات تقوض أمن تركيا الداخلى، فوقتها ستكون تركيا هى العدو الأوحد للأكراد.
ويبدو أن السيناريو الأوحد المطروح أمام الأكراد هو العودة إلى حضن الوطن السورى، تحصنًا من العدوان التركى، وتحالفًا لإنهاء محاولات تركيا للسطو على أرض سوريا، ولو اضطروا للتخلى عن حلم الإدارة الذاتية والوطن الكردى المستقل لسنوات طويلة.
الجامعة العربية أعلنت موقفها فى قمة طارئة، وهو التنديد بالعدوان التركى كمحاولة غزو واحتلال لدولة عربية ذات سيادة، مستغلين الظروف القاسية التى تم صناعتها بأيدى تركية أيضًا داخل سوريا.

اضطهاد دينى للمسيحيين
وتشير جميع المسوح والدراسات السابقة إلى أن مخاوف مسيحيى سوريا يعززها الوضع المأساوى الذى تعيشه الأقلية المسيحية على مختلف طوائفها فى تركيا، منذ محاولة الانقلاب المزعوم فى صيف 2016، بعد تعرض كنائس شرق مدينة الأناضول لاعتداءات من قبِل مؤيدى حزب العدالة والتنمية الحاكم. إذ أن "فقدان الأمان والحرمان من حق العودة"، أبرز ما يعانيه المسيحيون الأتراك فى موطنهم جنوب شرق تركيا كغيرهم من الأقليات، جراء المواجهات المستمرة بين الحكومة ومسلحى حزب العمال الكردستانى.
وربما تدل صورة نشرتها إذاعة صوت أمريكا تظهر مسيحيين أرمن من ديار بكر التركية يحتفلون بعيد الفصح فى مقهى لعدم تمكنهم من الوصول إلى كنيستهم حجم الاضطهاد الدينى الذى يعانون منه تحت حكم أردوغان الممتد منذ عام 2002.
وقالت الكاتبة الصحافية التركية، نورجان بايسال، إن الأقليات الدينية فى تركيا خاصة فى مناطق الجنوب الشرقى تتعرض لاضطهاد مستمر منذ أجهضت حكومة العدالة والتنمية مفاوضات السلام مع حزب العمال الكردستانى عام 2015، والتى على إثره فرضت حظر تجوال مازال سارى المفعول.

موقف أمريكى غامض.. ودول تسعى لنجدة الأكراد
وإذا كان الموقف الأمريكى الغامض يشير إلى ثمة صفقة وراء ما يحدث، فإن دولاً مثل فرنسا نددت بالعدوان التركى على الأكراد ومحاولة إبادتهم، وهو ما ناقشه الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون مع نظيره الأمريكى ترامب، مطالبًا بضرورة التحرك لوقف ما يحدث بحق الأكراد، وأعلنت دول أوروبية أخرى وقف تصدير السلاح إلى تركيا.
والسؤال الذى يطرح نفسه، هل يمكن أن نتوقع مواجهة روسية تركية فى الشمال السوري؟ الإجابة تشير إلى "نعم" وبشدة، فإن وجود الجيش السورى الحر، الذى دربته تركيا على الأرض السورية، معناه مساعى جديدة لتقويض النظام السورى ـ حليف روسيا ـ وضياع ما تم تحقيقه من مكتسبات لصالح دمشق من استعادة الأرض من الفصائل الإرهابية بعد صراع مرير استمر 8 سنوات ودمر البنية التحتية لسوريا، وتكرار السيناريو لن تسمح به روسيا أو النظام السورى.
المسألة الثانية تدور حول ثروات شرق الفرات، لاسيما حقل العمر النفطى الذى كانت قوات سوريا الديمقراطية تقيم معسكرها التدريبى على جزء منه، وكانت تركيا تتمتع بنفطه الذى يصلها عبر طليعتها الداعشية فى دولة الخلافة القديمة، وهو مالا يمكن أن تسمح به روسيا أصلاً.
وإذا كانت روسيا اتفقت مع الولايات المتحدة للمرة الأولى داخل مجلس الأمن على عدم توجيه اللوم لتركيا على ضربتها العسكرية فى سوريا، فإن المؤشرات تؤكد أن الأمور أصلاً تسير لصالح الدب الروسى حليف دمشق، الذى وجد حرجًا شديدًا أمام القوى الغربية فى بدء مواجهة مع الأكراد، وهو الأمر الذى كان سيلقى معارضة وتنديد أوروبى أمريكى لو فعلتها روسيا، أما تصدير أردوغان فى المسألة، فله مؤشرات عدة جميعها تؤكد أن الشمال السورى كان بمثابة كعكعة مسمومة ابتلعها أردوغان.

ويمكن أن نبرز هذه المؤئرات فى النقاط التالية:
أولاً: مواجهة تركية كردية بصمت أمريكى وتحفظ أوروبى على إصدار تنديدات صريحة بالعدوان التركى.
ثانيًا: إعادة استخدام أردوغان لبطاقة اللاجئين فى تهديد دول أوروبا، ما سيدفع الجانب الأوروبى للبحث عن بديل لأردوغان فى التعامل مع ملف اللاجئين، والأرجح أنها ستكون اليونان وقبرص، وهما البوابة الحقيقية التى يصدر إليها أردوغان اللاجئين فى الفترة الحالية، ويمكن أن يحققا برامج استيعاب وتنمية للاجئين بالأموال الأوروبية بدلاً من ذهابها إلى خزائن أردوغان.
ثالثاً: قدمت الولايات المتحدة كعكعة مسمومة لأردوغان، انتقامًا منه بسبب صفقة "اس ـ 400" التى عقدها بالأمس القريب مع الروس، ما يحمل مواجهة روسية تركية فى النزاع بسبب العناصر الإرهابية التى تحاول تركيا إعادة إنتاجها على أرض سوريا مجددًا.
رابعًا: تراجع حاد فى الاقتصاد التركى يزيد من تداعيات الأزمة الداخلية والغليان الشعبى ضد أردوغان، فإن الخسائر التى سيتكبدها الأتراك فى مواجهة الأكراد المدربين والمسلحين أمريكيًا لن تكون هينة، بل إنها ستمتد إلى داخل القرى التركى التى بدأ القصف يطالها فى عمليات ردٍ انتقامية من العدوان التركى.
خامسًا: تحالف كردى (يمتد من محور إيران ـ العراق ـ سوريا ـ تركيا) فى مواجهة العدوان التركى، وهو ما أعلنه الأكراد، بأن الحرب هذه المرة ستكون طويلة الأمد.
سادسًا: الخطر الأهم بالنسبة لبقية الدول، سواء فى المحيط العربى أو الأوروبى هو فتح السجون لداعش، ما يعنى فرار هذه العناصر إلى الدول المحيطة واستخدامهم لترويع الدول الأبعد لاحقًا، وستعمل المخابرات التركية على استغلالهم فى هذا الصدد، وهو ما حذر منه بوتين، مطالبًا أجهزة الاستخبارات باليقظة فى مواجهة هذا الخطر.
سابعًا: إذا كانت الدول العربية قد جربت الحرب على الأرض مع داعش، فإن الدول الأوروبية لم تواجه هذا الخطر إلا نظريًا أو فى عمليات ذئاب منفردة، ما يعنى أن المواجهة ستكون أكثر قسوة على الأوروبيين.
ثامنًا: هناك بوادر ومؤشرات تؤكد أن قطر ستكون خارج الجامعة العربية تمامًا، ما يعنى أن تركيا ستفقد قدمها الذى وضعته فى الخليج، إذ ستصبح قطر معزولة فعليًا عن القرارات والاجتماعات العربية، وهو ما كانت تستند عليه تركيا فى كثير من الأحيان، سواء للإطلاع أو الاقتراب والتشويش على المشهد العربى عن طريق ذراعها القطرى، وهى دعاوى شعبية وسياسية.
تاسعًا: على الرغم من تصريحات الناتو ذات الميوعة، والتى أدلى بها ستولنبرج مؤخرًا من داخل تركيا بشأن ما واجهته تركيا من إرهاب، إلا أنه حذر من التوغل التركى ضد الأكراد وتجاوز العملية، وإذا تبنت دول الاتحاد الأوروبى سياسة العقوبات على تركيا فى اجتماعها الأسبوع المقبل، فإن الناتو سيكون له موقف مماثل.
عاشرًا: ستعطى هذه العملية وإدانتها عبئًا جديدًا على الأتراك أمام المجتمع الدولى الرافض لتحركات أردوغان الغير شرعية فى شرق المتوسط.
الحادى عشر: المؤشرات جميعها تشير إلى مواجهة عسكرية قريبة بين روسيا وتركيا، فى محاولة من روسيا لمساعدة حليفها السورى والتخلص من الفصائل الإرهابية التى ستوطنها تركيا فى الشمال السورى.
الثانى عشر: يبدو أن الوقت قد حان لإلغاء اتفاقية آضنة، والتى سمحت بموجبها سوريا للأتراك بالدخول إلى أراضيها حتى عمق 5 كيلو متر للدفاع عن أمنها، وبموجب هذا الاتفاق أيضًا احتلت تركيا ميناء الأسكندرونة السورى منذ وقت طويل، أما بعد توغل أردوغان لأعماق تجاوزت 30 كيلو متر، ومحاولته زرع الإرهاب لتقويض النظام السورى، فقد أعطى لدمشق ذريعة لإلغاء هذا الاتفاق وإخطار الأتراك بذلك رسميًا.

أردوغان الغارق فى مستنقع الأزمة
الحقيقة لمن يرى تؤكد أن تركيا أردوغان غارقة فى مستنقع الأزمة السورية، ولم تعد سياسة السير على التناقضات بين روسيا وأمريكا قادرةً على تحقيق ما يُرضى طموح أردوغان فى استعادة أحلام العثمانية القديمة المتجددة فى رأسه وخيالاته، فالرئيس الروسى بوتين حصر أردوغان فى زاوية إدلب وبات يُضيّق الخناق عليه أكثر فأكثر، ولم يعد أردوغان يملك الكثير من الأوراق فى يديه، ليطرحها فى اجتماعات أستانا والقمم الثلاثية التى تجمعه بنظيريه الروسى والإيرانى.
