حلف الناتو
هذا ما أكدته جميع وسائل الإعلام الدولية، التى تحدثت عن انطلاق اللقاءات الثلاثاء الماضى، على هامش قمة الناتو وسط تبادل الانتقادات والتصريحات الهجومية، والتى بدأها الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، الذى اعتبر أن الحلف الأطلسى فى حال "موت دماغى"، داعيًا إلى مراجعة استراتيجيته.

خلاف تركى - فرنسى
كما كرر ماكرون الطلب إلى تركيا تقديم توضيحات حول عمليتها العسكرية فى سوريا ضد وحدات حماية الشعب الكردية، متهمًا أنقرة بالتعامل مع متطرفين قريبين من تنظيم داعش. كما دعا إلى استئناف حوار استراتيجى مع موسكو التى يعتبرها حلف شمال الأطلسى خصمًا.
وأوضح ماكرون أنه رغب من خلال تصريحاته موضع الجدل بإعطاء دفعة للحلف، والتنديد بالقرارات الأحادية وغير المتفق بشأنها للولايات المتحدة، التى وضعت العمليات ضد "داعش" فى خطر، وهى عمليات تشارك فيها قوات فرنسية وقوات من دول حليفة أخرى.

أما على الصعيد التركى، فظهر انقسام آخر فى تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان، الذى تعهد بالوقوف فى وجه الخطة المتعلقة بالدفاع عن دول البلطيق، إذا لم يقر الأعضاء بأن وحدات حماية الشعب الكردية التى تحاربها أنقرة جماعة إرهابية، بما يشبه الرد على الانتقادات التى وجهتها دول من الحلف للعملية التركية شمال شرقى سوريا. الأمر الذى دفع وزير الدفاع الأمريكى مارك إسبر، لتحذير تركيا من إعاقة خطة الحلف.
تصريحات ماكرون وحديثه عن تطلُّعات تركيا من الناتو، أدّت إلى نشوب خلاف "فرنسى-تركى"، كما لم يخفِ ترامب استياءه إزاء انتقادات نظيره الفرنسى بشأن الحلف. وقال إن هذه التصريحات "مهينة للغاية ومسيئة جدا"، مؤكدًا أنه "لا أحد بحاجة إلى الحلف الأطلسى أكثر من فرنسا".

ملفات شائكة
لكن عواقب الخلافات تذهب أعمق بكثير من حروب التصريحات المضادة، إذ أن ما تشهده الحدود التركية ـ السورية من تنسيق عسكرى بين أنقرة العضو فى الناتو، وموسكو خصم الحلف على أكثر من صعيد، إنما يؤشر على مقدار التصدع الذى يضرب الحلف.
تُضاف إلى هذا ملفات مثل صفقة منظومة الصواريخ الروسية "إس 400" التى أبرمتها تركيا، أو طلب اليونان مساعدة الحلف فى وجه الاتفاقية البحرية التى وقعتها تركيا مع ليبيا مؤخراً، أو ضغط واشنطن لتقليص المساهمة الأمريكية فى ميزانية الحلف تحت طائلة التلويح بالانسحاب منه.
وبمطالعة المشهد، نجد أيضا أنه لا يخفى أن الأضواء فى العاصمة البريطانية تسلط الضوء على ترامب أكثر من أى رئيس آخر، إن لم يكن بسبب ما اعتاد عليه من تعكير أجواء اللقاءات السابقة والتصرف بطريقة تفتح شهية الإعلام على تغطية الإثارة، فعلى الأقل بسبب ما تعيشه بريطانيا حالياً من ظروف انتخابية استثنائية.

الناتو على مفترق الطرق
فمن المعروف أن ترامب لا يحظى بشعبية فى هذا البلد، وأن إعرابه عن دعم حزب المحافظين وزعيمه رئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون، سوف ينقلب وبالاً على هؤلاء، فما بالك إذا تلفظ بعبارة توحى بأن الولايات المتحدة تنوى الاستثمار فى أنظمة الضمان الصحى البريطانية فى حال إتمام انسحاب لندن من الاتحاد الأوروبى.
كذلك لا يخفى أيضا أن الحلف فى ظل ما يعيشه من انقسامات ومشكلات، لم يعد يملك أى تأثير حاسم فى ملفات الأمن الجماعى العالمى أو حتى الأطلسى، وأن الدول الأعضاء فيه تتبع سياسات مستقلة تلبى مصالحها فى المقام الأول من دون الاكتراث بمدى الضرر الذى يلحق بالحلف جراء هذه الخيارات.

جميع تلك المشاهد والخلافات العميقة بين دول الحلف، جعلت الإعلام الدولى يطرح سؤالا هاما: هل يقوم الحلف بالاحتفال بمرور سبعين عاما على تأسيسه، أم أنه يغرق؟