مذبحة الجوازى
مذكرتا التفاهم، بين تركيا وحكومة السراج، تعيد للأذهان الأطماع التركية فى ليبيا، وكعادة أنقرة تصطاد فى الماء العكر، وبعد أن كانت الأزمة ليبية ليبية، دخلت أنقرة لتشعل الأزمة التى كانت أوشكت على الانفراج، وبعد أن كان الخلاف بين شقيقين، صار هناك طرف ثالث يزيد الأمور تعقيدًا ويعيد الأزمة إلى المربع صفر؛ لعله ينجح فيما فشل فيه أجداده منذ 200 عام.
مذبحة الجوازى، ربما لا يسمع الكثيرون عنها، وهى تلك المذبحة التى وقعت عام 1816، ولا تزال عالقة فى ذاكرة الليبيين، وهى حلقة من مسلسل التدخل التركى فى ليبيا.
فى سبتمبر 1816، أى قبل أكثر من 200 عام، نفذ المستعمر التركى واحدة من أبشع المجازر فى تاريخ الإنسانية ضد قبيلة الجوازى، بمدينة بنغازى، ما خلف الآلاف من القتلى والضحايا.
المذبحة البشعة، بدأت حينما دعا الحاكم العسكرى التركى القرمانلى شيوخ الجوازى للحضور إلى القلعة التركية بغرض إكرامهم وطلب الهدنة، على اعتبار أن سكان القبيلة كانوا يقولون لا فى وجه الاستبداد التركى، لبى شيوخ وأعوان الجوازى النداء، وبمجرد جلوسهم داخل القلعة، أعطى القرمانلى إشارته للحرس الخاص لتنفيذ الهجوم عليهم، وذبحهم جميعا.
الوالى العثمانى كان يسمح بدخول شيخ واحد فقط للجلوس معه تلو الآخر، وفى كل مرة كان ينادى على أحد الشيوخ ويدخل ولا يعود، حتى وصل النداء إلى الشيخ رقم 45 ولم يدخل إلا بعد أن يعلم مصير من دخلوا قبله، ليفاجأ أن حراس الوالى العثمانى قتلوا كل الشيوخ الـ44، ثم قتلوه، وبعدها ذبحوا كل المرافقين أمام القصر، وكان الانكشارية وجنود الاحتلال، انطلقوا فى كل أرجاء الولاية فى نفس اليوم، وقتلوا كل أفراد القبيلة من النساء والشيوخ والأطفال وكل من يحمل لقب جازوى حتى وصل عدد الضحايا إلى 10 آلاف فرد.
قبيلة الجوازى تنحدر من بطون بنى سليم، وكانت تستوطن وتقيم فى منطقة برقة، ولقوتها وشدة بأس رجالها رفض شيوخها التعامل مع الاحتلال العثمانى للبلاد، بل رفضوا دفع الجزية والضرائب التى فرضها الأتراك المحتلين، وكانوا يقاومون جنود الاحتلال والانكشارية بضراوة واستبسال.
وما يزال سكان ليبيا يحيون كل سنة ذكرى "مذبحة الجوازى"، التى أدت أيضا إلى مغادرة عدد من سكان القبيلة البلاد، وتوجههم صوب دول مجاورة، مثل مصر والجزائر وتونس والسودان.
ويتوجه الليبيون، فى كل ذكرى، بنداءات للمنظمات الدولية، لمطالبة تركيا بالاعتراف بالمذبحة، والاعتذار للقبيلة والحصول على حقوق الضحايا المعنوية والمادية.