البابا تواضروس أثناء حواره
وأعرب البابا تواضروس عن سعادته بالمشاركة فى السينمار السنوى، حيث وجه كلمة هامة عن الأبوة، مؤكدًا: الأبوه فى مجال عمل الآباء الكهنة تأخذ أهمية كبيرة، لأنك تحولت من فُلان أفندى إلى أبونا باسم جديد، وشكل جديد، فالموضوع ليس سهلًا، إن لم تؤازره النعمة الإلهية فعند ذلك سوف تحمل اللقب ولكن لا تحمل قوته.
وأضاف: الأبوه تسمى موهبة "كنز" الفضائل، وأحب أن أطرح بعض الأسئلة للدخول في عمق الموضوع: هل الأبوه خبرة أم موهبة ؟.. هل هى مظهر أم جوهر؟.. هل هى سلوك أم شعور؟.. هل هى اختيار أم التزام؟
وفى بدايه إجابته على هذه الأسئلة، قال البابا تواضروس: كلمة أبوة هى كلمة من أربعة حروف، وسوف نتأمل فى هذه الأحرُف الأربعة.
حرف (أ): يعنى الأمانة المطلقة، نجدها فى الآية التى جاءت فى الأصحاح الثانى من سفر الرؤيا “كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ“ (رؤ ٢ : ١٠)، وهذه الآية نصفها الأول على الأرض، والنصف الثانى فى السماء، آية أرضية سماوية.
حرف (ب): تعنى البذل، وفى المعنى الروحى الكامل أن يتخلى الواحد ويبذل نفسه من أجل الآخر، وذلك الذى عبر عنه معلمنا بولس الرسول: “مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ“ (رو ٨ : ٣٦)، متابعًا: القديس يوحنا ذهبى الفم قال:“الشهيد يموت مرة واحدة من أجل سيده لكن الراعى يموت كل يوم أجل رعيته“.
حرف (و): يعنى الوقار، الوقار فى الحياة الإنسانية، يعنى أن يكون الإنسان ذو وقار كالملائكة والقديسين الذين نقول عنهم أنهم متسربلين، فأنت متسربل بالوقار زى الثوب الطويل، وقار الكهنوت، أنت أيها الأب الكاهن لا تعمل عملًا بشرىًا، إنما عملك إلهى، أو سماوى، القس فلان (برسفيتيروس) تعنى مصلى أنت مصلٍ وظيفتك مصلى الكاهن عمله التواصل مع الله هذا وقار الكهنوت.
حرف (هـ): يعنى الهيبة، بأن يُرى فيك صورة القديسين، نحن نرى حين يدخل شخص ليأخذ بركة الأيقونة، مع أنها مجرد رسم إبداعى وليس تصويرى لكن يظهر فيها هيبة القديسين.
وحول إجابته عن سؤال: من هم الآباء؟ .. أضاف البابا تواضروس، أن الآباء هم الذين عملوا بأقوالهم وتكلموا بأعمالهم.
وتابع: كلكم آباء بالجسد، والأبوة تكبر يومًا بعد يوم، ولا تنسى أن أولادك الذين يكبرون أمام عينيك يصيرون كأنهم أصدقاء، مستطردًا: كان شخص يتكلم عن أبوه فقال: إننى أرى أعظم من أبى، ولكن ليس هذا إلا لسبب أنه يحملنى فوق كتفيه، أنا أعلى منه، فأنا أرى أكثر منه، ولكن سبب ذلك أنه يحملنى على كتفيه.
ووجه البابا تواضروس خلال حديثه للكهنة، مجموعة من الصفات التى تساعد الأب الكاهن أن يمارس الأبوة بشكل صحيح، والتى تضمنت:
١- الوقت المنظم:
أن يكون وقتك موزع بطريقة صحيحة، يعنى ليس هناك استهلاكًا للوقت فى أشياء ليس لها معنى، فمثلًا متابعة الإنترنت ومشاهدة التليفزيون لأوقات طويله ليس لها مكان فى حياة الكاهن، لابد أن تقدم حبًا للرعية من وقتك لإظهار اهتمامك بكل أحد، الرعاية تتطلب وقتًا، والصداقة تتطلب وقتًا، والأسرة تتطلب وقتًا.
سعادة التواجد وأنت فى وسط أسرتك هذه أغلى هدية لأولادك، لماذا هى أغلى هدية؟.. لأن هذه الهدية لاتعوض، أو شىء فى توزيع الوقت أن تقدم حبًا، لا تستهين بمكالمة تسأل عن أحد بعيد، من الذين ليس لهم أحد يذكرهم، مضيفًا: قدم وقت للحب، خذ ابنك فى حضنك، وقل له: أنا أحبك، الحب هو الحاجة الوحيدة التى لا تنضغط.
٢- قدم وقت فيه استماع للآخر:
أن تسمع للآخر فهذا شىء فى غاية الأهمية، يمكن لما تسمعه يقول لك: أنا معنديش مشكلة، الناس فى العالم يتكلمون، ولكن لا يسمعهم أحد، ويُرينا أهمية الاعتراف، هناك علم وعلاج بالكلام، مجرد أن تسمعه يرتاح من اتعابه.
٣- وقت للقراءة والمعرفة:
لا تأخذ بالعناصر السهلة أو التحضير من شبكة الإنترنت، وقت القراءة والمعرفة يعنى دراسة حقيقية أو تأليف كتب مفيدة، المعرفة ليست مثل صندوق نملأه بالرمل، إنما مثل شجرة تنمو.
تذكروا كلمات المزمور الأول :فيَكُون كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ، الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ، وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ. وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ. (مز 3:1)
وهنا ملاحظة مهمة فى بعض الأحيان، نجد آباءً جدد يقومون بتأليف كتب بعد سنة واحدة من رسامتهم الكهنوتية.. أتعجب من هذا الأمر، من أين لك المعرفة والخبرة؟.. أنت لم تحصل بعد على المعرفة الكافية، تعودنا أن الأباء يكتبون بعد فترات كافيه يأخذون فيها الخبرة والمعرفة.
٤- وقت الصلاة:
من أهم المقومات فى حياة الكاهن وقت التأمل والصلاة -إنفرد بذاتك- تعرف على الأبدية، الله دائمًا جديد، ويولد دائمًا، التأمل فيه ميزة أنه بعيد عن عنصر الوقت يمكن تتأمل فى السماء وشكلها، وماذا يفعل الملائكة فيها؛ إلى أن تقول: لى اشتهاء أن انطلق.
٥ - وقت الراحة:
الراحة لا تعنى الكسل، الراحة تدخل تحت بند الوصية التى تقول قدس يوم الرب وهى إحدى الوصايا العشر.
الكاهن عليه أثقال كثيرة فى تَقَبُّل الاعترافات والتناول ومناولات المرضى والافتقاد، لكن فى وسط كل هذه المشاغل لابد أن يكون هناك وقتًا للراحة الجسدية، فى أيامنا هذه كثُرت أمراض المفاصل عند الناس "لازم يكون هناك تمرينات رياضية ومشى وتحريك للجسم، دور على نفسك وشوف هل أنت تفعل هذه الأشياء".
وواصل البابا تواضروس، حديثه للكهنة والآباء، مؤكدًا: هناك أدوارًا هامة فى موضوع الأبوة ينبغى أن تضعها فى اعتبارك، وهى كالتالى..
أ. إعمَل دائمًا مع الناس:
أبوتك تظهر فى العمل مع الآخرين، وليس العمل المنفرد، الأبوة طاقة عمل مثل المايسترو، المايسترو لا يعزف على آلة، لكن بيده يحرك كل الفرقة.
ب. ضع خطط لإشباع الاحتياجات الحقيقية للرعية؛ من خلال البحث عن كل شخص، واشبع احتياجاته الحقيقية.
ج. الأبوة طاقة عمل فى خدمة احتياجات الكل:
عندما تساعد بنت مثلًا فى استكمال تعليمها، أو توجد فرصة عمل لشخص ليس لديه عمل أو فرصة مشروع صغير لشخص يتعايش منه.
د. الأب لابد أن يكون له ذاكرة نشطة:
الأب لا ينسى أسماء أولاده، ومن هم حوله، ويناديهم بأسمائهم، الأب يحفظ أسماء أبنائه والتواريخ الهامة فى حياتهم: أعياد الميلاد، والزواج، وغيرها، ويعرف ظروفهم الاجتماعية، يعرف رعيته الكبار والصغار، عندما أذهب لتدشين كنيسة أقول للشعب احفظوا هذا اليوم، وهذا التاريخ، هذا عيد لكنيستكم.
هـ. المتابعة:
فى حالات المرض، السفر، الامتحانات، النجاح، اسأل عن أولادك فى أوقات الامتحانات، وساندهم، وفى وقت النتائج اطمئن عليهم وافرح معهم.
و. الأب يحتاج إلى تدبير احتياجات أولاده، وذلك إن كان هناك نوعًا من التدريب أو المنح الدراسية.
ز. الأب دائمًا يحفظ المواعيد:
إن أعطيت ميعاد الساعة السادسة لا تذهب الساعة الثامنة، فالأب لابد أن يحترم المواعيد.
واختتم البابا تواضروس حديثه بالقول: خلاصه الكلام، الأب يقدم الحب والشكر، يساعد الجميع، هو الذى يشجع ويعزى ويضمد الجراحات، يساعد فى كل وقت، الأب هو الذى يسامح، وينسى، ربنا يبارك أبوتكم.
صلى دائمًا:
يا رب أعطنى روح الأبوة، اطلب أن الأبوة التى عندك تنساب وتسرى إلى أولادك وشعبك، ربنا يحفظكم ويبارك خدمتكم، لإلهنا المجد والكرامة إلى الأبد .. آمين.