البث المباشر الراديو 9090
أحمد أبو الغيط
أكد أحمد أبوالغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، وصول الأزمات العربية إلى منعطفات خطيرة تجاوزت أى حدود.

وأضاف أبو الغيط فى كلمته فى الجلسة الافتتاحية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزارى الدورة العادية بالقاهرة، أن الحلول العسكرية غير مجدية.

وجاء نص الكلمة كالتالى:

"معالى السيد يوسف بن علوى وزير خارجية سلطنة عُمان،

أصحاب السمو والمعالى الوزراء،

السيدات والسادة،

اسمحوا لى فى البداية أن أتقدم بالتهنئة لكم معالى الأخ العزيز يوسف بن علوى، وزير خارجية سلطنة عُمان، على تولى بلادكم رئاسة أعمال الدورة 153 للمجلس الوزارى مُتمنيًا كل التوفيق والنجاح لأعمالها، كما أتقدم بالشكر لمعالى الأخ محمد على الحكيم، وزير خارجية جمهورية العراق، الذى قاد أعمال الدورة المنقضية بكل اقتدار ومهنية وحكمة.

السيد الرئيس،

فى الثانى والعشرين من هذا الشهر منذ 75 عامًا خرجت منظمتنا العريقة إلى حيز الوجود، كأول منظمة إقليمية فى العالم، لتعبر عن روح عامة جديدة سرت فى أوصال هذه المنطقة العربية من أقصاها إلى أقصاها بأن ما يجمع أبناءها، من أواصر اللغة والحضارة والتاريخ المشترك، جديرٌ بأن يُترجم فى صورة مؤسسية، وخرجت هذه الجامعة، جامعتكم، لتُجسد هذا الوعى الجديد ومن أجل، "وأنا أقتبسهنا من المادة الثانية من ميثاق الجامعة الذى تحرر فى 22 مارس 1945"، من أجل "توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، وتنسيق خططها السياسية، تحقيقاً للتعاون بينها، وصيانةً لاستقلالها وسيادتها، والنظر بصفةٍ عامة فى شؤون البلاد العربية ومصالحها".

ولستُ هنا فى معرض تقييم التجربة، أو تقديم كشف حساب، ولكن أُشير فقط إلى أن ما تحقق ليس قليلاً، بدليل أننا نجتمع اليوم، وبعد 75 عاماً، ولا زال سقف هذه المنظمة يُظللنا.

ولا زال الشعور العربى الجامع حاضراً فى وعى أبناء أمتنا.

ولا زال إيماننا بوحدة مصيرنا راسخاً قويا.

وقطعنا أشواطاً طيبة فى تحقيق التعاون والتنسيق العربى فى مجالات عديدة منذ إنشاء الجامعة حتى الآن، ولا يزال أمامنا الكثير والكثير لنحققه حتى نكون على مستوى تطلعات وطموحات الرأى العام العربى.

إن الجامعة العربية لا تُعانى من أزمة وجود، كما نسمع بين الحين والحين، فوجودها وفعاليتها لم يكونا ضرورى ينفى أى وقتٍ أكثر مما هما الآن، ذلك أن الدولة الوطنية العربية، التى نشأت هذه المنظمة على أساس صيانة استقلالها ووجودها، لم تكن مهددة فى تاريخها أكثر مما هى الآن. 

لقد وصلت الأزماتُ العربية المُشتعلة منذ 2011 إلى منعطفات خطيرة، وتجاوزت كلفتها البشرية أى حدود متصورة، وأصبحت عامل استنزاف للمُقدرات والموارد العربية، وتهديداً ماثلاً للنظام العربى فى مجموعه، وليس فقط للدول التى تواجه هذه الأزمات، وليس هناك ما هو أثقل على الضمير العربى من أن نُشاهد أهلاً لنا فى سوريا، وهم يُشردون بمئات الآلاف، ويقبعون فى مخيماتٍ لا تحمى من برد الشتاء القارس، أو يطرقون أبواب اللجوء فى بلدان غريبة وقد صارت مأساتهم الإنسانية مجرد ورقة ضغط ومساومة تتلاعب بها هذه القوة أو تلك، وليس هناك ما هو أثقل على الضمير العربى من أن نرى الصراعات وهى تمزق أوطاناً مثل اليمن وليبيا، إلى حد يُهدد وحدتهما واستقلالهما، بل ويُشكل أخطاراً حقيقية على جيرانهما. 

السيد الرئيس

جميعنا يعلم أن الحلول العسكرية لن تحسم هذه النزاعات، وجميعنا يعلم ألا رابح فى الحروب الأهلية، فالخاسر مهزوم، والمنتصر مهزوم.

لقد آن الأوان أن تسكت المدافع، فالخطوة الأولى نحو حلول سياسية هى وقف شامل وفورى لإطلاق النار على كافة الجبهات العربية المشتعلة.

فى سوريا، يظل الحل السياسى، على أساس قرار مجلس الأمن 2254، هو المخرج الوحيد لعلاج جراح هذا البلد، الذى ندعو جميع الأطراف الخارجية أن ترفع أيديها عنه، وأن تتوقف عن إدارة معاركها بدماء سورية، وعلى حساب مئات الآلاف من اللاجئين، أغلبهم من النساء والأطفال.

فى اليمن، يظل الحل السياسى على أساس قرار مجلس الأمن 2216 هو السبيل إلى تسوية فى الداخل تضمن للجميع تمثيلاً فى السلطة، كما تضمن لجيران اليمن الأمن، وتُعيد لهذا البلد العربى المهم استقلاله عن القوى الخارجية. 

فى ليبيا، وضع المجتمع الدولى خارطة طريق فى مؤتمر برلين، وعلينا متابعة تنفيذ مخرجات هذا المسار، الخطوة الأولى هى تثبيت الهدنة ووقف إطلاق النار، واستكمال مسارات التسوية التى ترعاها الأمم المتحدة، وأغتنم هذه الفرصة لكى أتقدم بخالص التحية والتقدير للدكتور غسان سلامة، الذى أدى مهمته عبر السنوات الثلاث الماضية كمبعوث أممى إلى ليبيا بكل اقتدار وتجرد ورغبة صادقة فى جمع شمل الليبيين على كلمة سواء، وأرجو مُخلصاً أن يكون خلفه فى هذا المنصب المهم على ذات القدر من الدراية والمعرفة بهذه المنطقة، ومجتمعها وثقافتها وتاريخها.. حتى يتسنى له النجاح فى مهمته.

أقول، فى سوريا واليمن وليبيا، إن القوى الخارجية لعبت دوراً سلبياً فاقم من النزاعات، وأدى إلى إطالة أمدها، وفتح جبهات إضافية فيها، حيث زرعت هذه القوى جرثومة الميلشيات التى تُحارب بالوكالة وتتبنى أجندات غير متسقة، بل حتى معادية للدولة الوطنية من حيث المبدأ، لقد آن لهذه القوى أن ترفع أيديها عن الأراضى العربية، ففى نهاية المطاف، لن تستطيع هذه القوى غير العربية أن تحفر لنفسها وجوداً دائماً على الأراضى العربية، وكل مشروعاتها ومخططاتها إلى زوال، طال الوقت أم قصر.

إننى أدعو، بعد ما يقرب من العقد من الصراع والاحتراب، إلى حلول عربية للمشكلات العربية، وأزعم أننا، بإرادتنا الجماعية، قادرون على الوصول إلى هذه الحلول، وأن هذه الجامعة العربية تستطيع القيام بأدوار مفيدة ومقبولة، جنباًإلى جنب مع الجهود الإقليمية والدولية الأخرى، من أجل الوصول إلى التسويات اللازمة لإنهاء هذه الأزمات.

السيد الرئيس

لقد أنهكت الصراعات الدامية العالم العربى، وفتحت شهية الجيران للتمدد والتغول، وحاول البعض، فى غمرة هذه الأحداث العاصفة، الترويج لفكرة مغلوطة وخطيرة، مؤداها أن العرب ما عادوا يهتمون بفلسطين، فلسطين الشعب، وفلسطين القضية، أقول إنها فكرة مغلوطة لأن العرب يعتبرون القضية الفلسطينية جُزءاً من شخصيتهم الحضارية، ويرون الدفاع عنها والنضال من أجلها دفاعاً عن وجودهم وثقافتهم وهويتهم الجامعة، وهى أيضاً فكرة خطيرة لأنها أوحت للبعض أن يستغل الاضطراب الحالى لمحاولة سرقة القضية، وتثبيت وضع الاحتلال القائم باعتباره الحل الدائم، ليس عبر مفاوضات أو اتفاق أو تسوية سياسية، ولكن من خلال مذكرة تفاهم بين الدولة العظمى الراعى لعملية السلام، والقوة القائمة بالاحتلال.

لقد رفض الفلسطينيون خطة السلام الأمريكية، ورفضها هذا المجلس الموقر فى اجتماع طارئ عُقد فى الأول من فبراير الماضى، بعد أيام معدودة من إطلاقها، وما نتأكد منه اليوم هو أن هذه الخطة ما هى إلا رخصة لإسرائيل من أجل تسريع الاستيطان وضم الأرض الفلسطينية والقضاء على حل الدولتين قضاء مبرماً، وشهدنا خلال الأيام الفائتة الإعلان عن خطط لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية، وفى 25 فبراير أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلى عن خطط لبناء 3500 وحدة استيطانية فى منطقة E1 التى نعرف جميعاً أنها تقسم الضفة إلى شطرين، بما يقضى على أى إمكانية لدولة متواصلة فى المستقبل، إنها خطة واضحة بخلق واقع جديد على الأرض، بضوء أخضر -للأسف- من الولايات المتحدة، ومن واجب المجتمع الدولى كله أن يتصدى لإنقاذ ما تبقى من حل الدولتين، إذ أن بديله المنطقى الوحيد -أى الدولة الواحدة- لن يكون مقبولاً من أحد لو اقترن بمنظومة للفصل العنصرى.

السيد الرئيس

عود على بدء، تظل هذه الجامعة وبعد خمسة وسبعين عاماً على إنشائها، بمؤسساتها ومجالسها ومنظماتها المتخصصة، العنوان الوحيد لوحدة الكلمة، ووحدة الصف العربى، هى الأداة التى تُمكننا من العمل سوياً من أجل الازدهار المشترك، وأيضاً فى مواجهة المخاطر والتهديدات، منذ أيام انعقدت دورة عادية لمجلس وزراء الصحة العرب بمقر الأمانة العامة بشأن وباء فيروس كورونا المُستجد، وقرر المجلس عقد اجتماع طارئ واستثنائى على مستوى الخبراء والمتخصصين لمراجعة خطط الاستعداد والرصد وتبادل الخبرات خلال أيام، أسوق ذلك التحرك نموذجاً على ما توفره هذه المنظمة من وعاء للتحرك الجماعى السريع وآلياته، ومثل ذلك كثير مما يُبذَل على مستويات مختلفة حيال كافة الموضوعات التى تتعلق بالتنمية العربية ورفاهية الإنسان العربى، وتحقيق التكامل بين دول هذه المنطقة. 

أقول ونحن نحيى ذكرى 75 عاماً على إنشاء هذه المنظمة، إن من واجبنا، وقد تسلمنا الراية، أن نحافظ على هذه المنظمة الأم، أن نصد عنها معاول الهدم التى تسعى للنيل منها، وأن نسعى دوماً لتطوير عملها والارتقاء بأدائها، حتى تظل -كما كانت طيلة هذه العقود- صوتاً لنا جميعاً، وبيتاً يجمعنا تحت سقفه، وآلية عملية ومؤسسية لتحقيق التكامل العربى على أساس المصالح والمنافع، وليس فقط المشاعر والعواطف. 

السيد الرئيس

كلمة شكر أخيرة أوجهها إلى الأخوة فى الإمارات العربية المتحدة، وبالذات إلى كل من معالى الوزير سمو الشيخ عبد الله بن زايد، ومعالى الوزير دكتور أنور قرقاش على ما قدماه من مساهمة قيمة وكريمة فى تحديث هذه القاعة العتيدة وتطويرها بالشكل الرائع الذى تبدو عليه اليوم، فكل الشكر لكم أخوتنا الأعزاء، وهذا عهدنا بكم دوماً، ونتطلع إلى الاحتفال قريباً بافتتاح مبنى الملحق الذى نشيده بمنحة كريمة من جمهورية العراق.

شكراً سيادة الرئيس".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز