البث المباشر الراديو 9090
مفتى الجمهورية
قال الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية: "إننا ونحن نتطلع إلى مستقبلِ تلك الأمة ودورِها الحضارى المقدَّر لها، نعلم يقينًا أن هذا المستقبل يُصنع – وَفق إرادة الله تعالى - وأن صناعته تتطلب إيمانًا حقيقيًّا من أفراد تلك الأمة بأنهم يمتلكون القدرة والطموح والإبداع الذى يؤهلهم لتلك المهمة الجليلة."

وأضاف علام، فى كلمته التى ألقاها فى المؤتمر العلمى الدولى الثانى لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر تحت عنوان: "بناء الإنسان فى التصور الإسلامى بين الواقع والمأمول"، أن الرسالات السماوية جميعًا عُنِيَتْ فى المقام الأول ببناء الإنسان، وتطويره وتأهيله لخلافة الله فى الأرض، والقيام بمقتضيات تلك الخلافة، وأولت الشريعة المحمدية على وجه الخصوص عنايتها البالغة ببناء هذا الإنسان، بوصفه ركيزة الحضارة، ومناط عملية النهضة والتنمية، وسعت إلى تشييد هذا البنيان الإنسانى على قواعد ثابتة مستقرة.

وأكد مفتى الجمهورية، على أن تحقيق المقاصد التى أرستها الشريعة الإسلامية لا سبيل إليه إلا بإرادة حقيقية للإصلاح والبناء، واستنفار شامل، يسخر طاقات الأمة جميعًا، فى إطار عملية مجتمعية بنائية شاملة، تتكامل فيها أدوار المؤسسات الرسمية والجهود الفردية لصياغة وبناء إنسان متكامل نفسيًّا وأخلاقيًّا وجسمانيًّا ودينيًّا.

وأوضح أن الإنسان الذى يسعى الإسلام إلى بنائه ينبغى أن يكون مرتبطًا بتراثه العريق الذى يحفظ له هويته الثقافية، وذاتيته الحضارية، فإن هذا التراث هو منهل الإبداع والإلهام المعاصر، وإن قطع الصلة بهذا التراث يعنى فقدان الذاكرة الأممية، ولا جرم أن فاقد الذاكرة لا طاقة له بصناعة مستقبله، لانقطاعه عن ماضيه وحاضره.

وتابع: "إننا ونحن نؤكد على أهمية التراث وعلى كونه أحد المكونات البنائية للشخصية المسلمة، نؤكد على أن تلك المحاولات التأصيلية للشخصية المسلمة إنما هى محاولات للارتكاز على الموروث الثقافى وعلى الهوية المميزة، وليست محاولات للاحتماء فى ذلك الموروث، والاتقاء به من موجات التقدم والتطور العالمية".

وشدد أنه لا يمكن أن نتجاوز دور الأزهر الشريف المحورى فى حفظ التراث والهوية الإسلامية الخالصة، وممارسة دوره التنويرى الرائد بذات الكفاءة والفعالية التى يمارس فيها دوره كصمام أمان للأصالة الإسلامية، فهو يضطلع بجانب المؤسسات التعليمية الإسلامية العريقة فى العالم الإسلامى برسالته السامية فى بناء إنسان يحمل بين مكوناته الأصالة والتنوير والمعاصرة.

ونوة إلى أن المسلم بجانب هويته المميزة وأصوله التى يتمسك بها هو من جانب آخر مبدع يرفض أن يكون جزءًا من سياق تقليدى نمطى لا يدرك مواطن قوته ولا موارده المتاحة، فيهدرها عن عمد أو دون قصد منه، بل يسعى دائمًا إلى امتلاك موقف إبداعى يمارس من خلاله العملية الإبداعية ليتمكن فى النهاية من خلق الفكرة وتنفيذها، سواء كان هذا التنفيذ العملى بنفسه أو من خلال مساعدة مجتمعه.

وأشار إلى أن ذلك الإبداع لا يمكن صهره فى شخصية المسلم بحيث يكون أحدَ صفاتها الذاتية الملازمة، إلا بالتغذية الثقافية المركزة والمستمرة، فالإبداع له ارتباطه الوثيق بالثقافة، حيث تمثل الثقافة نقاط انطلاقه وتوجيهه، وينعكس مدى التشبع الثقافى للفرد والجماعة والأمة على تفجر قدراتهم الإبداعية والابتكارية، وعلى تعزيز الشعور الدائم بالقدرة على تخطى الحواجز والأنماط الفكرية، والجرأة والإقدام فى تقديم الطرح الجديد المبتكر.

ولفت إلى أن الإسلام يسعى إلى بناء إنسان متعلم، فالعلم هو الضامن الحقيقى لإعادة صياغة الشخصية وتطويرها بالقدر الذى تستطيع به مواكبة متطلبات العصر وتحدياته.

وأضاف أن تطوير التعليم الحقيقى الذى نسعى إليه، ليس فى تلك الإحصائيات أو المعادلات التى تسعى للمقاربة بين سوق العمل واحتياجات ذلك السوق وبين نِسَب الخريجين وتخصصاتهم، بل إن حاجتنا أصبحت ماسة للدفع فى اتجاه تعديل الدوافع الغائية من عملية التعليم بأسرها، والسعى نحو وضع البُعد التنموى والثقافى واستشراف الحاجات المستقبلية للأمة فى مقدمة أولويات العملية التعليمية، والعمل على تطوير المنظومة عن طريق مراجعة المناهج الحالية لتلبية الاحتياجات المستقبلية سواء الوطنية أو الدولية، دون إغفال تصميم برامج مخصصة لتلائم احتياجات سوق العمل فى المستقبل.

كما أوضح أن إيجاد صيغ تعاون مشتركة بين القطاعات الصناعية والتجارية المميزة، وبين المنظومة التعليمية من شأنه أن يعزز من قيمة الابتكار التعليمى ويزيد من فرص وجوده.

وتابع فضيلة المفتى: "إن الشخصية المسلمة التى نستهدف الوصول إليها شخصية ناقدة تستطيع مواجهة هذا التدفق المتسارع للمعلومات والمعارف بآلة فكرية قادرة على مراجعة تلك المعارف والمعلومات، وتحديد مدى صلاحيتها وصحتها، وإعادة النظر فيها مقارنة بأفكار المسلم وقناعاته، وأحكامه القبلية".

وأضاف أن تلك الرؤية الناقدة إحدى سبل التطوير الذاتى والتطوير المجتمعى على حد سواء، وهى أبرز السبل الدفاعية التى تساعد فى الوقاية من الانخراط والوقوع تحت تأثير الخطاب المتطرف والمنحرف، ذلك الخطاب الذى يحاول الاتكاء على جملة من الأفكار البسيطة غير المركبة والشعارات التى تمس وجدان الشباب، ودائمًا ما يضع أهدافًا ظاهرية تمثل قضايا ملحة كقضايا التحرير والتخلص من الهيمنة، واستعادة صدارة المشهد العالمى، والحفاظ على الهوية، ونحو ذلك من الأهداف الإعلامية الظاهرية التى يُخفى وراءها استراتيجياته الهدامة، ودائمًا ما يقع فى براثن ذلك الخطاب أصحاب الروى الأحادية، وهنا تأخذ الرؤية النقدية والتحليلية موقعها فى نقد هذا الخطاب والوقوف على مواطن التضليل فيه، مما يحصن صاحبها من التأثر بذلك الخطاب ومقتضياته.

واختتم مفتى الجمهورية كلمته بقوله: "إن كل ما نطمح إليه مما سبق لا يتكامل إلا فى إنسان قوى يتمتع بصحة موفورة، فالمؤمن القوى خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، ومن هذا كله تبرز أهمية ذلك المؤتمر فى المساهمة الفعالة فى استراتيجيات بناء الإنسان المسلم، وتطويره وتأهيله لاستعادة دوره الحضارى والريادى".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً