رجب طيب أردوغان
حتى روسيا التى كانت بالأمس القريب أقرب حلفاء تركيا، استطاع أردوغان بسياساته الحمقاء أن يحولها إلى عدوه الأول بسبب أطماعه فى شمال سوريا، تحديًا للدب الروسى الداعم لحكومة دمشق فى عمليات مواجهة الإرهاب والميليشيات المسلحة، وأصبحت لقضية إدلب السورية الكلمة الفصل فى العلاقات بين موسكو وأنقرة.
توسيع دائرة الأعداء
الحقيقة التى ترصدها التقارير الغربية هى أن قرارات أردوغان ساهمت بقوة فى توسيع دائرة أعدائه، حتى أصبح بلا أصدقاء تقريبًا، فيما عدا دول محدودة لا حول لها ولا قوة اليوم، مثل قطر وإيران.
وفى الوقت الذى سار فيه أردوغان خلف أطماعه الاستعمارية، وسعى لتحقيق انتصار له فى طرابلس الليبية، كان الجيش الليبى له بالمرصاد، وتحولت أحلام أردوغان إلى كابوس فى ليبيا، ليتورط مجددًا فى صراع خطير خرج بالفعل عن نطاق سيطرته، ولم يبقى أمامه سوى الزج بمزيد من الميليشيات الإرهابية لإشعال الموقف فى ليبيا.

حماقات الأعوام الستة.. صناعة الأعداء
اللافت أن أردوغان تنصل من وعوده وشعاراته داخل تركيا قبل 2001، وتحول من مبدأ "صفر مشاكل مع الجيران" إلى سياسة عدائية تجاه الجميع لم تبق صديقا لتركيا فى الشرق أو الغرب، وتحول الشعار إلى مصدر سخرية داخل الأوساط السياسية التركية التى تشهد تزايدًا ملحوظًا فى معسكر أعداء أنقرة يوما بعد يوم.
فى الوقت الذى رفع فيه أردوغان الشعار واستكمله أحمد داوود أوغلو، خلال العام الأول لرئاسة حزب العدالة والتنمية، كان الهدف تمكين تركيا لتكون قوة دولية وتعزيز دورها كقطب إقليمى، وإقامة علاقات وثيقة مع الدول العربية المحيطة بها، إلا أن أطماع الرئيس التركى قلبت الأمور رأسا على عقب، وبعد عقدين تقريبًا، كانت النتائج كارثية.

هزيمة مذلة فى سوريا وليبيا
ودخلت تركيا فى حروب مع جميع جيرانها، وإن لم تكن حروبا عسكرية مباشرة كما فى سوريا والعراق وليبيا، فهى حروب دبلوماسية ضد مصر واليونان والاتحاد الأوروبى وروسيا، فجر أردوغان بلاده إلى حرب لا ترحم فى سوريا سواء بالعمليات العسكرية المباشرة أو من خلال تجنيد وتجهيز وتمويل الجماعات المسلحة والتشكيلات الإرهابية المتطرفة.
وفوجئ أردوغان بانتفاضة الجيش العربى السورى لتحرير كامل التراب الوطنى، فلقى أردوغان هزائم مذلة فى إدلب وحلب، سقط فيها العشرات من الجنود الأتراك والمئات من الميليشيات الإرهابية المسلحة.
ولم يتعلم أردوغان الدرس من مآزقه فى مستنقع سوريا، وكان همه الأول إصلاح صورته السياسية المكسورة داخل بلاده، فسعى لفتح جبهة حرب جديدة فى طرابلس الليبيبة، إلا أن الهزائم التى لقيتها الميليشيات الإرهابية المدعومة من أنقرة والقوات التركية فى ليبيا جاءت بنتائج عكسية، وأفسدت على المستثمرين الأتراك ما كانوا يتمتعون به داخل ليبيا قبل 2011، واختلق أردوغان عداءًا مع القبائل الليبية يهدد بطرد الاستثمارات التركية من ليبيا عاجلاً أو آجلاً.
وبسبب السياسات الاستعمارية لتركيا فى ليبيا وسوريا، انقلب الرأى العام العربى على أردوغان، وخرجت الأصوات السياسية القوية فى تونس والجزائر تندد بأى محاولة لطعن شقيقتهم ليبيا فى الظهر بقوات أردوغان وميليشياته الإرهابية مجددًا كما حدث فى 2011.

عزلة دولية .. غضب فى أوروبا
لم يكتف أردوغان بحروبه العسكرية، فسعى للتحرش بدول شرق المتوسط، لاسيما قبرص واليونان، فى محاولة للسطو على الثروات النفطية الخاصة بالبلدين فى المنطقة، وأرسل فرقاطاته البحرية للتنقيب عن البترول، وهو ما أثار حفيظة دول الاتحاد الأوروبى ضد أردوغان الذى يسعى للاعتداء على حقوق بلدين أوروبيين.
لم يكتف أردوغان بذلك، فسعى لابتزاز الغرب الأوروبى بقضية اللاجئين، وهو ما أثار الاتحاد الأوروبى ودوله ضده مجددًا، مؤكدين أنه لم يعد فى أوروبا طاقة لاستيعاب تهديدات أردوغان وابتزازه باللاجئين.

لعبة صناعة الإرهاب تثير غضب فرنسا
وفى فرنسا كان دعم أردوغان للتنظيمات المتطرفة والانفصالية كافيا لإثارة غضب الرئيس إيمانويل ماكرون، الذى أعلن نهاية شهر فبراير أنه لن يسمح بممارسة قوانين اللعبة التركية على أرض فرنسا، فى إشارة للشهرة الواسعة للرئيس التركى بدعم الإرهاب لإثارة الصراعات والنزعات الانفصالية فى دول الغير، كما كان فى سوريا منذ 2011.
ينخرط أردوغان فى صراعاته وأوهامه، متجاهلا دماء الجنود الأتراك التى تسيل فى ليبيا وسوريا، وبات جليا أن تركيا لن تعود للغرب مرة أخرى فى عهد أردوغان، فهى تتبع الآن سياسات عدوانية أحادية الجانب تثير الغضب الدولى وخصوصا أوروبا والناتو.. عزلة حقيقية وقاسية فرضها أردوغان على بلاده.