وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة
ويقول سبحانه:"يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ"، مبينا معاليه أن بعض الناس إذا حل بمكان ما خطبٌ أو حدثٌ كونى ربطوا بين الحدث الكونى وبين قيام الساعة، مع أن الساعة غيب، لا يعلم وقتها إلا الله تعالى وحده، ومن الذى يجترئ على الحديث عن موعد الساعة وقد سئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عنها فقال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل"، وبهذا حسم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتوى فى هذا الأمر، فمن الذى يتجرأ على الخوض فى أمر توقف عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!.
وأكد الوزير"أن الأهم هو الاشتغال بما أعددنا لقيام الساع، فلما سأل رجل النَّبِى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ ؟، فنبهه النبى إلى ما هو أهم، حيث قال صلى الله عليه وسلم:"وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا" ؟ فلو أن الساعة بعد أمد طويل أو أجل قريب فالمهم ما أعددت لها؟، فقال الرجل: لاَ شَيْءَ، إِلَّا أَنِّى أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم:" أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ"، وعندما حضرت الوفاة سيدنا بلال بن رباح رضى الله عنه وبكت ابنته، قال:"أى بنيه لا تبكى ولا تحزنى، غدا ألقى الأحبة محمدًا صلى الله عليه وسلم وصحبه"، و لما احتضر أحد الصالحين وبكت زوجته إلى جانبه فقال: أى امرأة، لا تبكى على فقد بكيت لهذا اليوم أربعين عاما من خشية الله تعالى، فالسعيد من وعظ بغيره، والشقى من وعظ بنفسه، أى داهمه الموت وهو فى غفلته".
واستطرد:"فعلم الغيب عند الله تعالى وحده، قال تعالى:"وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ"، والحكمة فى الحديث عن الورقة أن الإنسان قد يجلس إلى جانب بعض الأشجار وتتساقط الأوراق بجانبه وهو لا يشعر بها ولا يلتفت إليها، فعند الله تعالى وحده هذا العلم فلا تسقط ورقة فى بر ولا بحر فى ليل أو نهار إلا ورب العزة يعلم متى سقطت، وأين سقطت، وكيف سقطت، وهل سقطت أو أسقطت، فما بالنا بما يصدر عنا، يقول تعالى:"مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ"، ويقول القرآن الكريم على لسان سيدنا لقمان فى وصيته لابنه:"يَا بُنَى إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى السَّمَاوَاتِ أَوْ فِى الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ"، ويقول سبحانه:"وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا".
وتابع:"مما ينبغى أن يسأل عنه ويلتفت إليه، يوم أن يأخذ كل إنسان كتابه إما بيمينه وإما بشماله، قال تعالى:"وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا"، فسواء أكنت عالما أم متعلما أم أميا ستقرأ بقدرة يخلقها الله تعالى فيك على القراءة، يقول عز وجل:"فَأَمَّا مَنْ أُوتِى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ، إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ، فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ، فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِى كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ" ياليته كان موتا لا حياة بعده، كما قال تعالى:"وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِى كُنتُ تُرَابًا"، "وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ" وبعد مدة لا يعلم مقدارها إلا الله تعالى، يجيبهم مالك:"إِنَّكُم مَّاكِثُونَ"، قال تعالى:"وَقَالَ الَّذِينَ فِى النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ، قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَالٍ"، هذا ما ينبغى أن نتيقظ له، ونعمل له، متى الساعة ؟ ماذا أعددت لها؟
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها
إلا التى كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنها
وإن بناها بشر خاب بانيها
فينبغى أن نتحدث فيما يترتب عليه عمل، ونترك ما استأثر الله تعالى بعلمه، يقول عز وجل:"إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَى أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبير".