البث المباشر الراديو 9090
جمال الغيطانى مع أسرته
هذا زمان الحيرة، وسيادة الشك، وفناء اليقين .. أدركت أنك امتلكت مفاتيح الإنسانية بأكملها، وأنت دون الثلاثين من عمرك، وأنا أقرأ كلماتك هذه من الزينى بركات.

كيف لك أن تلخص فى كلمات قليلة هذا الالتباس النفسى الذى نعيشه الآن ؟! .. ماذا كان يدور بخلدك وأنت تسطر هذه الكلمات ؟! .. لن اخفى عليك خبرًا فالمشهد عبثى وصار اليقين الوحيد الذى يملكه البشر هو الخوف.

لزم الجميع أمكنتهم، وسكنت أبواب الجيران، فلم أعد أسمع أصوات فتحها وغلقها والتى تنم عن استمرار الحياة .. أصبحت نوافذ منزلى الزجاجية هى ما يذكرنى بما كان "عاديا" ولم يعد. انعزلت المتاحف والشواطئ والحداىٔق عن مريديها فصار العالم الخارجى أشبه بلوحة متجمدة صامتة. منذ أن بدأت هذه اللحظة وأنا أسأل نفسى : كيف كنت ستصيغها؟ .. ثم أعود إلى تلك الكلمات ذات الأربعين عامًا لتذكرنى أنك حَى أكثر من الأحياء وأن بصيرتك نفذت إلى كينونة الإنسانية لتصف ما ستشعر به بعد أن تعبر أنت إلى عالم مواز.

جمال اغيطانى مع أسرته

 

أتعلم ماذا أظن بحق ؟ أرى أنك أتيت لهذا العالم حتى تتماهى مع الإنسانية بأكملها، فتنصهر فيها وتسطر كلماتك عنها ولها، وليجد كل من يقرؤها ملاذًا ووصفًا دقيقا حينما تنعقد الألسنة وتعجز العقول عن إدراك الحال.

أعلم قلقك جيدا، ولكن تمهل، فلدى المزيد. دعنى أقول لك، إنه إذا كانت صورة العالم تجمدت من الخارج، فدواخلنا تصارع من أجل الاستمرار .. أنا؟ أنا مثلك تماما أرى الحياة مستمرة فى قطعة موسيقية ولوحة فنية. أرى الحياة متنصرة فى وجبة طعام دافىٔة، المائدة قبل أن تكون عامرة بالطعام فهى وصلى بالحياة، اُعِدُها لى ولابنى، لأن فى الطهو وصال الحب ودليل على الاستمرار.

دعنى أيضا أقول لك، إنه صار فى العزلة فرصة. فرصة أنت أيضا تمنيتها. ألم تكن تتمنى فرصة جديدة ؟ فرصة أن تولد من جديد وأنت على علم بكل ما تعلمته من قبل ؟ ماذا لو كانت لحظة الشك هذه هى تلك الفرصة ؟ فرصة التقاط الأنفاس ومراجعة الذات، فرصة لإدراك ماهية تلك الحياة.

أعلم طبيعة البشر، سريعة النسيان. أعلم أن بعد أن تعود الأمور لمجرياتها، سيعود البعض لحيواتهم كما كانت، وسيتناسون وعودًا اتخذوها، ولكننى أعلم أيضًا، أن هناك من سيدرك أن الأمر يستحق المحاولة.. أرى أن شواهد الحياة تُعافر من أجل الاستمرار، وستنتصر.

وحتى تحين هذه اللحظة، أخوض تلك الحياة ببعض من الموسيقى، وكثير من التفكير. قد تبطىٔ خطواتى ولكنى أستمر .. أستمر وبداخلى يقين ثابت على الرغم من تغير كل ما حوله.. أتعلم ما هو ؟ هو أنت : أنت الحقيقة واليقين فى عامك الخامس والسبعين .. أمضى وأنت معى.

ماجدة الغيطانى

شيكاغو

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز