الدكتور محمد مندور
هو قامة أدبية ونقدية كبيرة لا تخلو مكتبات النقاد والكتاب من كتبه.. اعتبره الكثير من النقاد واحدا من أهم من اتخذوا لأنفسهم طريقا مغايرا للنقد الذى كان يقدم وقتها من خلال الانطباعات الشخصية (النقد الانطباعى) ليؤسس لفكرة النقد المبنية على الأسلوب اللغوى والأدبى بعيدا عن الأهواء الشخصية.. هو الناقد الدكتور محمد مندور (1907 – 1965).
محمد مندور لا يعتبر ناقدا أدبيا فقط، وإنما وصفه البعض بالمثقف الشامل الذى أحاط بالكثير من العلوم الأدبية من خلال دراسته بكلية الآداب وتدريسه بها وإن كان ذلك لفترة قصيرة، ولإلمامه بالترجمة من خلال وجوده ببعثة إلى فرنسا، وهناك اطلع على النقد الأدبى الفرنسى ليقدم العديد من الترجمات به، ولا يغفل أحد دوره السياسى من خلال العديد من المقالات السياسية التى كتبها بالإضافة إلى وجوده ضمن تيار اليسار الوفدى.
مندور كتب فى كل الأنواع الأدبية تقريبا من شعر وسرد ومسرح، كما ترجم عن اللغة الفرنسية مجموعة مهمة من الكتب المتنوعة.
طه حسين يكتشف نبوغ محمد مندور
مندور قامة فكرية مهمة للغاية على الصعيد النقدى والكتابة السياسية أيضا، كانت البداية عند التحاقه بكلية الحقوق الا أن عميد الأدب العربى طه حسين اكتشفه، وطلب منه أن ينتسب لكلية الآداب، وبالفعل التحق مندور بها وحصل على الليسانس من الكليتين فى عام واحد بتقدير امتياز.
عاش مندور فى فرنسا بعد تخرجه لمدة 9 سنوات، وعاد منها دون الحصول على الدكتوراه، وذلك لانشغاله بالعديد من العلوم والدراسات، فكان كلما استهواه فن أو أدب معين يدرسه ويبحث فيه حيث عاد من فرنسا ملما بعلم الدراما وغيره من العلوم، أما عدم حصوله على الدكتوراه فقد أغضب مكتشفه طه حسين والذى تصدى له بعد ذلك، لكن سرعان ما حصل مندور على الدكتوراه خلال ستة أشهر فقط من جامعة القاهرة، لكن ظل طه حسين على موقفه ووقف ضده رافضا ترقيته بجامعة الإسكندرية ليستقيل مندور من الجامعة.
عمله فى الصحافة والحياة الاجتماعية
ومن هنا، بدأت مرحلة جديدة فى حياته، فبعد أن أصبح بعيدا عن الجامعة عمل بالصحافة بجريدة "المصرى" وكانت من جرائد الأربعينيات، كما كانت له مقالاته المتنوعة بصحف أخرى، ومن موقع عمله كصحفى أصبحت هناك حالة من الاشتباك بين مندور والحياة المصرية الأدبية والثقافية والسياسية أيضا، وفى هذه المرحلة انتقل من النقد الجمالى الإنسانى على طريقة النقاد الفرنسيين إلى الاجتماعى، وكانت تلك النوعية الجديدة من النقد الناتج الطبيعى لبعده عن الحياة الأكاديمية والانخراط فى الحياة الأدبية والاجتماعية، وانتقل إلى هذا النوع من النقد الذى ارتبط به.
وإلى جانب جهوده فى الكتابة واهتمامه بالنقد الهادف كان أيضا صاحب الميزان الجديد فى النقد الأدبى، ومن أهم أعماله كتاب "نماذج بشرية" الذى تناول فيه مجموعة من الأنماط البشرية فى مصر بشكل عام، كما يعتبر كتابه "الأدب ومذاهبه" من أهم الكتب التى تكرس لوعيه الثقافى وطريقة النقد التى أسس لها، وله أيضا كتاب حول الكلاسيكية القديمة والجديدة، كما كانت له العديد من الإسهامات السياسية الهادفة للديمقراطية والحريات بالإضافة إلى مقالاته الكثيرة حول الحياة السياسية والاجتماعية.
الدور السياسى لمحمد مندور
وعن محمد مندور السياسى، قال المفكر اللبنانى، كريم مروة، إن "أولى كتاباته فى السياسة كانت عام 1936، ونشرها فى الصحف الفرنسية، وكانت مقالات مكرسة لدعم حزب الوفد فى مواجهة الإنجليز لتهيئة الشروط الضرورية لاستقلال مصر السياسى، لقد وجد نفسه مشدودًا إلى حزب الوفد، فانضم إليه، لكنه سرعان ما اختلف فكريا مع قيادات الحزب، وكانت تلك الركيزة لتأسيس الطليعة الوفدية"، كما كان مندور من أشد المدافعين عن القضية الفلسطينية.
وقال الدكتور أنور مغيث، إن محمد مندور يعتبر وجها مؤثرا فى الثقافة المصرية المعاصرة على مستويات متعددة، فلا أحد يستطيع نفى دور مندور السياسى، حيث كان مناضلا وخاض تجربة البرلمان، كما كان من تيار اليسار الوفدى، ويعتبر حلقة وصل بين اليساريين والليبراليين طوال الوقت.
تأسيس مجال النقد الأدبى المنهجى
وأضاف مغيث، أنه على مستوى آخر كان له اتجاهه الأدبى والنقدى ليساهم فى تأسيس مجال النقد الأدبى المنهجى وليس الانطباعى، فقد أكد فكرة ألا يكون الناقد له انطباع شخصى معبرا عن شعوره الجمالى، وإنما كان يبنى نقده الأدبى على الدراسة والتحليل.
وأصدرت "دار الهلال" عام 2015، كتاب "كتابات لم تُنشر" ضمن سلسلة "كتاب الهلال" الشهرية، ويضم الكتاب بين دفتيه مجموعة من مقالات مندور التى كتبها قبل ثورة 1952، وظلت مبعثرة فى مجلات وصحف مختلفة، فى فترات متباينة، إلى أن أصدرها الناقد الراحل رجاء النقاش عقب وفاة مندور قبل خمسة وخمسين عاما، وظل الكتاب بعيدا عن متناول القارئ منذ ذلك الوقت.