البث المباشر الراديو 9090
مكتب فرج فودة
12 شارع أحمد تيسير مصر الجديدة، حيث مكتب شهيد الكلمة ابن محافظة دمياط، الدكتور فرج فودة الذى تحول إلى مقر للجمعية المصرية للتنوير .. هذا المكان الذى شهد أغلب مؤلفاته وكتبه التى دعا فيها إلى الدولة المدنية. وكشف فيها أكاذيب وافتراءات التيارات الدينية.

إسحق حنا الصديق المقرب للدكتور فرج فودة:

كان أبا رائعا لا مثيل له

تميز بخقة الظل ورجاحة العقل والشجاعة

تنبأ بمستقبل العرب

قاوم بالكلمة التطرف والإرهاب

ابن دمياط .. أحب الرسم واشتهر بخفة الدم

فى زيارة لموقع "مبتدا" التقينا خلالها المهندس "إسحق حنا" أمين عام الجمعية والصديق المقرب للدكتور فرج فودة، ليحكى عن الوجه الإنسانى لرائد التنوير الذى لم يعرفه الكثيرون ويكشف جانبا من الأسرار.

 

"تعرفت على الدكتور فرج فودة منتصف الثمانينيات بعد أن قرأت كتبه، وتأثرت بفكره، بحثت عنه حتى التقيت به، وأصبحت من أصدقائه وأقرب الناس إليه"، قال حنا.

إسحق حنا

"الدكتور فودة كان شديد الذكاء، وكانت لديه أفكار عظيمة"، يواصل حنا، أن مكتب الراحل أصبح مقرا لجمعية "التنوير" أتولى أمرها الآن، وتعيد طباعة كتب ومؤلفات المفكر الراحل وبيعها، ويتكون المكتب من غرفتين، الأولى كانت مكتبه، والأخرى لاستقبال ضيوفه.

النوافذ الزجاجية للمكتب، من أهم الملامح المميزة تمثل خلفية بأغلب صوره المتداولة وأغلفة كتبه، يواصل حنا: "محبو وأصدقاء فودة جهزوا مكتبه ليكون مقرًا للجمعية المصرية للتنوير".

وجه آخر لفودة .. خفيف الظل تحلى بالشجاعة والجرأة

"هنا مقر مكتبه وعمله الفكرى، كتب معظم مؤلفاته الفكرية ومقالاته هنا.. كان يقضى معظم اليوم بين الكتابة والقراءة، يبدأ اليوم بإرسال الساعى لشراء الصحف اليومية، ثم يجلس لتصفحها، ويبدأ فى تجميع معلوماته ذاتيًا ليبدأ فى الكتابة".

إسحق حنا

على المستوى الشخصى، لمست فى فودة خفة الظل، ورجاحة العقل، ويستطيع أى قارئ لمقالاته إدارك ذلك بسرعة كبيرة، واتسمت معظم مقالات بخفة الظل المطعمة بالسخرية، كما تميز عن جميع مفكرى جيله بالشجاعة والجرأة والعقلانية والوضوح، يقول حنا.

وأضاف أن فودة كان يحب استشارة أصدقائه للحصول على رأيهم بكتاباته، وكان ينصت إليهم باستمرار واهتمام، ويناقشهم جيدًا، حتى من كان يصغره سنا ويقلّه خبرة. كما كان شخصا سابقا لعصره، يرصد الأحداث ويحللها بعمق، ويستشرف المستقبل ويتنبأ بما سيحدث من واقع قراءاته.

فودة حذر من خطر الثورة الإسلامية لعدم امتلاك الإسلاميين برامج سياسية أو اقتصادية وسيؤدى ذلك فى النهاية إلى انهيار الدول ونشر الفتن والانقسامات والقتل والخراب، وذكر أن نمو الإسلام السياسى جزء من اتجاه عام فى جميع البلاد الإسلامية، يمكن أن يطلق عليه اسم "الثورة الإسلامية" وهذا الاتجاه العام، بنجاحه فى إيران، أحدث انقلاباً جوهرياً فى أساليب ووسائل الأحزاب السياسية الإسلامية فى العالم الإسلامى، وطرح منطق الثورة الشعبية، أو التغيير العنيف، كبديل لأسلوب التعايش مع النظم الديمقراطية والعمل فى ظلها.

"عليهم أن يجاهدوا فى نفوسهم هوى السلطة وزينة مقاعد الحكم، وأن يجتهدوا قبل أن يجهدوا الآخرين بحلم لا غناء فيه، وأن يفكروا قبل أن يكفّروا، وأن يواجهوا مشاكل المجتمع بالحل لا بالهجرة، وأن يقتصدوا فى دعوى الجاهلية حتى لا تقترن بالجهل، وأن يعلموا أن الإسلام أعز من أن يهينوه بتصور المصادمة مع العصر، و أن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب، و أن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الاعتزال، والعقل لا الدروشة، و المنطق لا الرصاص، و الأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، و هى أنهم ليسوا وحدهم.. جماعة المسلمين".

لم يكن فرج فودة، هو الوحيد الذى يخوض معركة التنوير، كان هناك الكثير من الأشخاص بين النخب المصرية يخوضون نفس المعركة، ولكن ما كان يميزه بينهم أنه كان أكثرهم شجاعة وأقدرهم على المواجهة.

إسحق حنا

البعد السياسى الذى أضافه فرج فودة لمعركة التنوير، أنه كان يدافع دائمًا عن حرية التعبير والرأى بكل الطرق والآليات الممكنة، لأنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالديمقراطية الصحيحة، وتحافظ على الأوطان. كما أنه صاغ مطالباته بالدفاع عن حرية الرأى والتعبير بذكاء شديد دون صدام مع أحد.

"إن أقصر السبل إلى حل المشاكل هو المواجهة والوضوح، وقد تكون المواجهة قاسية لكنها أرحم من الهروب، وقد يكون الوضوح مؤلماً، لكنه أقل ضرراً من التجاهل".

ورغم انشغال فودة معظم الوقت فى القراءة والتأليف، كان يمنح ما تبقى من وقته لأولاده ومنزله، فكان أبا رائعا ليس له مثيل، وكان يحرص دائماً على التواجد مع أسرته قدر الإمكان، وإن لم يستطيع كان يحادثهم دائما أثناء عمله ليطمئن عليهم.

وكان معروفاً بمعاملاته الطيبة والإنسانية مع كل من حوله حتى من يعارضه الفكر والكتابة، فرغم أن فرج فودة كان ضخم الجثة يخيف منظره من لا يعرفه فإن كل من اقترب منه انضم بسرعة إلى قائمة محبيه عندما كان يفاجأ برقة أسلوبه وأدبه، وعفة لسانه، ورهافة مشاعره وبراءة الطّفل من داخله.

مكتب فرج فودة

فرج فودة .. المفكر الذى تنبأ بأحداث المنطقة

وبما أن الفن والفكر وجهان لعملة واحدة، فكان لفودة العديد من الأصدقاء المقربون من المشاهير فى الفن والسياسة والأدب، منهم المخرج كرم مطاوع، والفنان عادل إمام وسمير الإسكندرانى، وعدد من الكتاب من ضمنهم سيد القمنى، وسيم السيسى، المستشار سعيد العشماوى. فكانا يزورانه كثيرا ويلتقيان معا فى مناسبات عدة، فقد توافقا واتفقا فكريا على مواجهة العنف والإرهاب والتطرف، المفكر الراحل بقلمه، والمشاهير بفنهم.

كان سابقا لعصره، لم يكن كاتب مصرى يحلم بدولة مدنية عمادها العدل والسلام والمحبة والتسامح بل كان فارسا يحارب بقلمه وفكره كل من يفكر فى العبث بوطنه مصر وبلاده العربية.

"المسألة كلها باختصار أنه عندما تفلس الأحزاب ويفلس السياسيون .. يلعبون على المشاعر الدينية لأنها المدخل السريع لمشاعر الناس وليس عقولهم وهذا الخلط بين الدين والسياسة هو الخطر".

كان يرى ويستشعر خطورة وحجم تمدد الفكر المتشدد والمتطرف كى يغزو البلاد العربية تحت راية الإسلام حتى يسهل التهامها ووقوعها فريسة واحدة تلو الأخرى فى قبضة مستعمر قديم، جدد أفكاره وطور أدواته ووجد أن أسهل طريقة لغزو الدول هو تدميرها ذاتيا من الداخل وباسم الدين.

مكتب فرج فودة

سعى فودة لتبديد الأفكار الظلامية فى المجتمعات الإسلامية، وكشف فى كتبه جرائم "الإسلامويين"، وانتقد شعارات جماعة الإخوان كونها لا تحل المشاكل المعاصرة.. كما تنبأ بما سيفعله الإسلام السياسى ورسم سيناريو لوصوله إلى السلطة، مواجهًا الظهور الواضح لتيار الإسلام السياسى المتشدد، واهتم بشكل خاص بموضوع مناهضة الطائفية، كما حارب العنف فى شتى صوره باعتباره إرهابًا ممقوتًا. 

"أرى هذا المستقبل القريب وكأننى أقرأه، وأتخيله وكأننى أراه، وأرى ما هو أخطر"

سيصرخون ضد الغناء وسيغنى الشعب ..
سيصرخون ضد الموسيقى وسيطرب لها الشعب ..
سيصرخون ضد التمثيل وسيحرص على مشاهدته الشعب ..
سيصرخون ضد الفكر والمفكرين وسيقرأ لهم الشعب ..
سيصرخون ضد العلم الحديث وسيتعلمه أبناء الشعب ..
سيصرخون ويصرخون وسيملأون الدنيا صراخاً، وسترتفع أصوات مكبرات صوتهم وستتضاعف، وستنفجر قنابلهم وتفرقع رصاصاتهم، وسوف يكونون فى النهاية ضحايا كل ما يفعلون .. وسوف يدفعون الثمن غالياً حين يحتقرهم الجميع ويرفضهم الجميع ويطاردهم الجميع.

لفت حنا إلى أن فودة أصاب الجماعات المتطرفة فى مقتل خصوصا فيما يتعلق باقتصادهم وأكل العيش والأموال، إذ ظل يتحدث فى كل سلبيات هذا التيار سواء من سالكى طرق العنف والتطرف، أو السلفى الفكرى.. ولكن حينما تكلم عما يتعلق بالأموال والاقتصاد هنا كان الخطر شديدًا على فرج فودة.

وحول ما يقصده بالخطر قال حنا: "أولًا بالنسبة لشركات توظيف الأموال، استطاع فودة أن يتتبع ويكشف أين يخبأ هذا التيار أمواله وبنوكه، أيضا بعض أسماء من الممولين على المستوى الكبير، كما أنه فضح أكذوبة شركات توظيف الأموال، بمعنى أن تمويل هذه الجماعات بدأ فى السرقة، ومنها محلات الذهب، لكن شركات توظيف الأموال كانت تمتلك المليارات وبشكل سريع جدًا".

مكتب فرج فودة

واستطرد: "فضح فرج فودة كل هذه الأشياء، فى البداية من خلال مقالات ثم كتبه فى كتاب "الملعوب"، وفيه شرح أنه علميًا لا يمكن أن تكون هناك أرباح بالقدر الذى يدفع مثلها الريان، وبالتالى فهذا ليس مكسبًا، وأوضح أنهم يدفعون من أصل المبلغ، وما كتبه فى هذا الكتاب كان قبل سقوط شركات توظيف الأموال، وكان لدينا قدر كبير من العجب، فما كتبه فودة حدث بالفعل وكأنه كان يقرأ المستقبل، وأعتقد أن حديثه عن مصادر تمويلهم هو ما عجل بقرارهم بأن هذا الرجل ليس له حل إلا التصفية الجسدية".

وعلى الرغم من أن فودة كان شخصا عنيفا فى الحق ومحاربة الظلم والضلال، إلا أن الهدوء كان أسلوبه فى الفكر والطباع، الأمر الذى برز فى مناظرته الأخيرة التى عُقدت فى معرض القاهرة الدولى للكتاب تحت عنوان "مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية".

عندما تكون الكلمة سببًا فى اغتيال صاحبها

فقبل دقائق من انطلاقها فى الثامن من يناير 1992، ضجت القاعة بالتكبير والحمد والثناء، وسط شغب وتبادل الاتهامات من الجماعات المتطرفة، بينما جلس فودة هادئا بجانب الكاتب محمد أحمد خلف الله، صاحب الكتاب المثير للجدل "الفن القصصى فى القرآن"، للدفاع عن مقولة الدولة المدنية فى مواجهة الداعية الإسلامى، محمد الغزالى، والقيادى فى جماعة الإخوان المسلمين، مأمون الهضيبى، قبل أن يصبح مرشدا للجماعة، والكاتب الإسلامى محمد عمارة.

إسحق حنا

أما الحديث فى المناظرة عن دولة مدنية فلم يلق قبولا عند أغلب الجمهور فى قاعة المناظرة حيث ترددت هتافات دينية لدعم حجة الإسلاميين واستهجان حديث الفريق الآخر.

بينما ظل فودة هادئا وأمسك الميكروفون وبدأ كلماته بالرد على ما دار من حديث، وجاء فيها "الإسلاميون منشغلون بتغيير الحكم أو الوصول إليه دون أن يعدوا أنفسهم لذلك"، مشيراً إلى ما قدمته بعض الجماعات المحسوبة على الاتجاه المؤيد للدولة الدينية، وما صدر عنها من أعمال عنف وسفك للدماء".

وبعد انتهاء المناظرة، انطلقت العديد من صيحات الاستهجان والتهديد، ففى هذا المكتب وعلى هذا العنوان، كان الدكتور فرج يتلقى خطابات بريدية تحمل له تهديدات بالقتل من أنصار التيارات المتطرفة، وكان لا يهتم بها، بل حتى لم يبلغ الأمن بها، إلا بعد أن زادت بصورة مكثفة، الأمر الذى جعل أجهزة الأمن المصرية تخصص له حراسة فى تلك الفترة.

"الذى يقرأ ويفهم، سيحاورنى .. والذى يقرأ ولا يفهم، سيشتمنى .. والذى لا يقرأ ولا يفهم، سينتصر على".

حنا يكشف مواقف إنسانية فى حياة فرج فودة

كان فودة كما يقول صديقه المقرب معروفاً بالتواضع والشجاعة التى ظهرت فى كثير من مواقفه، فعندما تم تعيين حراسة خاصة له لحمايته من التهديدات العديدة التى كان يتعرض لها تعامل مع طاقم الحراسة بصداقة، كما كان يجلب لهم من نفس الطعام الذى يطلبه.

إسحق حنا

وبعيدا عن القراءة والتأليف، كان لفودة هوايات وأنشطة أخرى، فقد كان أيضًا مؤلفًا للأغنيات كما كان يهوى الرسم.. هذا ما كشفته تفاصيل آخر مكالمة هاتفية جرت بين حنا وبين المفكر الراحل، وذلك قبل مقتله بساعة.

وقال إنه اتصل بفودة يوم الحادث، حوالى الساعة الخامسة والنصف، وأخبره أنه سيتأخر عن موعد سابق بينهما، حيث كان المفكر الراحل قد طلب منه أن يعلمه فنون الرسم.

وما أن خرج فودة من باب العقار وأعطى ظهره للمدخل متوجها إلى سيارته الـ "فولفو" حتى عاجلوه من خلفه على بعد أقل من عشر خطوات من باب مكتبه، هنا حيث تنبت الشجرة فى المكان الذى سقط فيه الشهيد غارقًا فى دمائه، فى مصادفة تعنى الكثير، وكأن دماءه كانت بذرتها".

وأضاف أنه علم بعد ذلك أن فودة تعرض للاغتيال، فهرول مسرعا إلى العقار حيث مكتبه ليجد قوات الشرطة تطوقه وخلال دقائق وصلهم خبرا من المستشفى يؤكد وفاة الدكتور فرج فودة.

مكتب فرج فودة

كشف إسحاق أن آخر مقابلة بينه وبين فودة كانت فى مكتب الأخير، واتفق فودة معه على أن يزين جدران مكتبه برسومات لشخصيات ومشاهير من أبرز المفكرين المصريين، مثل رفاعة الطهطاوى وقاسم أمين.

وأضاف أنه شرع بالفعل فى رسم تلك الشخصيات، ولكن لم يمهل القدر فودة ليشاهدها، ولكنه نفذ رغبة الدكتور، ورسم كل الشخصيات التى طلبها ووضعها على جدران مكتبه.

بعد استشهاده كان لابد من تحويل مقر الجمعية من كونها مكتبا شخصيا، لمكان يتسع للاجتماعات والأعضاء، لذلك قمنا ببعض التوسعات.. ثم بدأنا فى إعادة الصيغة الإدارية للجمعية، وهيكلة مجلس الإدارة والجمعية ككل.

إسحق حنا

بالتأكيد الراحل فرج فودة ترك إرثًا كبيرًا سواء من الأفكار التى طرحها منذ سنوات طويلة، لكنها كانت مهمة للغاية، ومازلنا بحاجة إلى استعادتها الآن لمواجهة قوى الظلام والتكفير، الذين قابلوا الفكر بالنار والحوار بالرصاص والكلمة بالقتل.

ما حذر منه فرج فودة حدث، والأيادى التى اغتالته خرجت أيادٍ غيرها مثل السرطان ينهش فى جسد الإنسان، لكن مصر ستنتصر بالفكر والنور على الظلام والجهل.

 

"الشجاعة تقاس بعداء الجبناء، والسمو يقاس بعداء الوضعاء، والرصاص هو التعبير العنيف عن منتهى الضعف".

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً