البث المباشر الراديو 9090
حسين الجبالى
منذ فترة قليلة، أعلنت الحكومة مد فترة تلقى طلبات التصالح على بعض مخالفات البناء حتى نهاية أكتوبر، وبعد ذلك بأيام قليلة ومع دعوة البرلمان للانعقاد مرة أخرى قبل البدء فى الانتخابات البرلمانية الجديدة، أشار رئيس مجلس الوزراء إلى أنه هناك إمكانية لتعديل بعض مواد قانون التصالح. 

ولكن بغض النظر عن المواد المحتمل تعديلها فى قانون التصالح، ولكنه سينتهى العمل به بعد فترة بحكم طبيعته القانون الاستثناء لمرحلة مؤقتة مهما طالت هذه المدة، وهو ما يدفعنا إلى القفز على هذه المرحلة بكل ما بها من إشكاليات وتعقيدات لننظر إلى الخطوة التالية، ماذا بعد انتهاء العمل بقانون التصالح، هل ستنتهى العشوائية والبناء المخالف؟ وكيف سيكون شكل البناء بعد العودة لقانون البناء الموحد؟ 

وهى المرحلة التى حاولنا أن نستشف ملامحها فى حوار مع الدكتور حسين الجبالى، وكيل أول وزارة الإسكان السابق ومستشار وزير الإسكان السابق لقطاع الإسكان.  

يؤيد الدكتور الجبالى قانون التصالح على بعض مخالفات البناء، ووصفه بأنه جاء فى توقيت مهم، ليوصل أكثر من رسالة لكل المخالفين أهمها أن الدولة جادة فى معالجة مشكلات الماضى وأن الدولة الملتزمة بمنظومة إصلاح شاملة ومكتملة لكافة جوانب الحياة فى مصر، وأن هناك حدا لعمليات البناء المخالف والعشوائى.

ويقول الدكتور جبالى، إن القانون يأتى متسقا مع نتائج أبحاث ودراسات تمت فى وزارة الإسكان قبل ذلك تقريبا أشارت نتائجها إلى أن حالات البناء المخالف والعشوائى كانت تزيد مع كل مرة تعلن الدولة فيها نيتها التصالح على بعض المخالفات، وكان فرصة التصالح التى كانت تقدمها الدولة كل بضع سنوات كانت إشارة تطمئن المخالف إلى أن مخالفته سيتم تقنينها إن لم يكن الآن فبعد فترة من الزمن بحكم أنها أصبحت أمرا واقعا تم فرضه.

وبناء على وجهة النظر السابقة يؤيد وكيل أول وزارة الإسكان سابقا قرار الدولة بوضع حد لمخالفات البناء وكسر حالة الطمأنينة التى كان يعيشها المخالف للقانون منذ عقود طويلة معتمدا على ضعف الإدارة المحلية.

مخالفات البناء - أرشيفية

 

عجز صارخ فى أعداد المهندسين بالمحليات

ورغم تأييد الدكتور جبالى لقانون التصالح لوضع حد للمخالفات، إلا أنه يحذر من أن القانون يعالج النتائج المترتبة على مشكلة كبيرة لدى المحليات فى مصر، تتمثل فى ضعف الإمكانيات المتمثلة فى أعداد المهندسين المعينين بكل إدارة محلية فبعض المناطق يكون نصيب المهندس الواحد من الإشراف على ما يزيد عن 10 آلاف عقار بخلاف عمليات الترميم والتعلية ورخص البناء الجديدة، فأعداد المهندسين فى المحليات لا تتناسب مع حجم الأعمال المطلوب الإشراف عليها ومراقبتها.

وأوضح أن هناك مشكلة أخرى تتمثل فى ضعف الإمكانيات من حيث المعدات التى يحتاجها المهندسون لتنفيذ إزالات فورية قبل اكتمال البناء وهو إجراء تنفيذه سريعا كفيل بأن يقضى على أى مخالفة فى مهدها، وهذه المشكلة مرتبطة أيضا بعدم وجود ميزانيات مخصصة فى المحافظات لتنفيذ عمليات الإزالة الفورية، فعلى سبيل المثال إذا كانت هناك مخصصات مالية متاحة فى ميزانية المحافظات لهذا البند يمكن ذلك مهندس الحى من اللجوء السريع إلى أى من المقاولين المسجلين لديه لتنفيذ أعمال الإزالة فى مهدها، على عكس الوضع القائم حاليا يتطلب أمر تنفيذ مقاولة إزالة مخالفة إلى عدة أيام وأحيانا أسابيع يكون قد قام المخالف خلالها بتنفيذ حجم مخالفة أكبر وتكلفة إزالتها أكبر.

مخالفات بناء

 

ضرورة توافر إدارة محلية قوية  

ويرجع الدكتور حسين الجبالى أهمية أن يكون هناك إدارة محلية قوية وحاسمة فى التنفيذ والمتابعة لدراسة تمت بقطاع الإسكان على مدار 30 عاما تشير إلى أن 80% من مخالفات البناء تتم أثناء مرحلة التنفيذ، لذلك يجب أن يكون هناك إدارة محلية قوية قادرة على متابعة التنفيذ بشكل يومى، وقادرة على إلزام المهندس المسؤول بتنفيذ القانون من خلال عدم السماح بتنفيذ عقارات إلا من خلال مهندس نقابة وأن يقدم هذا المهندس تقرير كل ثلاث أشهر يتعهد فيه بتنفيذ مراحل البناء وفق الاشتراطات المنصوص عليها فى تصريح البناء.

ونسبة الـ20% من المخالفات التى تتم بعد انتهاء عمليات البناء فأشهرها هى تحويل الجراجات إلى أنشطة تجارية وإدارية وبالأخص يتم استخدامها مخازن، وأحيانا كثيرة تكون مخازن لمواد خطرة ولا يجب تخزينها في عقارات سكنية، وتحويل أنشطة المحال التجارية إلى ورش ذات نشاط يسبب الإزعاج والتلوث للسكان، تحويل غرف السطح إلى وحدات سكنية بالمخالفة لاشتراطات الترخيص.

 

زحام بمقار التصالح في مخالفات البناء بالإسكندرية

 

ضعف الكادر الحكومى لمهندسى المحليات

وأضاف أن هناك بعضا من مهندسى الأحياء تخصصاتهم كهرباء ونسيج وخلافه من تخصصات لا تتماشى مع طبيعة المهام المطلوبة منهم، بخلاف الأعباء الضخمة فبعض الإدارات الهندسية فى الأحياء لا يوجد بها لا مهندسين اثنين فقط هما المسؤولان عن جميع أوجه العمل فى نطاق حيهم. 

وحذر من ضعف رواتب العاملين فى الإدارات الهندسية بالمحليات، ما يدفع بعضهم إلى العمل بعد الساعات الرسمية لدى المقاولين والذين ينفذون الأعمال المخالفة، وهم من يشاركون فى وضع الرسومات الهندسية لها ويتابعون تنفيذها بأنفسهم مقابل الحصول على أجر إضافى، وهى ظاهرة يجب القضاء عليها من خلال مراجعة أوضاع العمل بالمحليات.

ويجب أن تعمل الحكومة بشكل متكاتف فى حل أزمة ضعف الإدارة المحلية وتمكينها من القيام بدورها وتنفيذ القانون، لأن القانون منضبط وواضح ويوضح المسؤوليات لكل طرف "قانون البناء الموحد 118 لسنة 2008"، وذلك لن يتم من إلا من خلال دعم المحليات بالكفاءات من المهندسين والموارد المالية والمعدات.

مخالفات البناء

 

تقييد الارتفاعات

ولفت الدكتور جبالى انتباه الحكومة إلى أن قانون البناء الموحد يمكنهم من بدائل كثيرة عملية وسهل تطبيقها على أرض الواقع وقادرة على تغيير السوق العقارى بشكل إيجابى وتدريجى، منها على سبيل المثال أن قرارات وقف البناء يمكن أن يتم مدها لمدة تصل إلى عامين ولكن من خلال قرار صادر عن المجلس الأعلى للتنمية العمرانية، ووقف البناء مطلقا ليس أفضل حل، فيمكن للإدارات المحلية أن تحدد البناء بارتفاعات أقل من المسوح بها، ويكون ذلك عاملا مهما فى تخفيض أسعار الأراضى داخل المدن القديمة ويخفض بالتالى أسعار الوحدات السكنية، لأن تقييد الارتفاعات سيقلل الطلب على الأراضى من المستثمرين الصغار والمتوسطين، فستنخفض المضاربات على الأراضى الصغيرة  بالمناطق المكتظة بالسكان، وهو هدف استراتيجى تسعى الدولة إلى تحقيقه منذ عقود.

مواطنو بديل العشوائيات بالبحر الأحم

 

العشوائيات أكثر أمننا

ونفى الدكتور حسين الجبالى التصور الشائع لدى الكثيرين بأن المناطق العشوائية تحتوى بنايات أقل أمانا من الناحية الإنشائية ولذلك يجب الاهتمام بدراسة السلامة الإنشائية بها، العكس تماما هو ما يحدث على أرض الواقع، الأسر التى قامت بالبناء في المناطق العشوائية هى أسر قامت بعملية البناء بهدف السكن وليس الاستثمار، أى أنه يبنى مسكن لنفسه وأسرته وعائلته الأكبر، وهو الدافع لأن يقوم بتشييد بناء سليم إنشائيا حتى وإن كان بدون تصريح بناء، مشيرا إلى أن أكبر الزلازل التى تعرضت لها مصر والذى وقع فى عام 1992 كانت أقل نسبة انهيارات وتصدعات فى المناطق العشوائية، على عكس الأحياء المكتظة ذات الطابع التجارى والتى يتم فيها البناء بهدف الاستثمار أكثر من السكن وهو ما قد يدفع المستثمر لتقليل النفقات قدر الإمكان مقابل تعظيم المكسب من خلال زيادة الأعمال لتحقيق أعلى ارتفاعات يمكن الوصول إليها.

 

التمويل الذاتى للمساكن

ويشير وكيل أول وزارة الإسكان السابق، أن الحكومات المتعاقبة لم تفكر فى تنفيذ استراتيجية مختلفة بعمليات البناء بهدف توفير المساكن، من خلال الاعتماد على تمويل المواطنين لأنفسهم في بناء المساكن، من خلال توفير مساحات أراضى صغيرة على أطراف المدن فى مناطق الامتداد العمرانى للمدن الكبيرة بالمدن الجديدة، وتمنح المواطنين تراخيص البناء والإشراف الهندسى من خلال نقابة المهندس على سبيل المثال، وتقوم الأسر بتمويل مسكنها بنفسها بشكل ذاتى وفق إمكانياتها ومتطلبات الأسرة واحتياجاتها، ويكون دور الدولة يقتصر على الإشراف ومتابعة التنفيذ وفق الاشتراطات التى وضعتها مسبقا كل منطقة أو حى.

 

 

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً