موقع هجوم باريس
ففى ساعة متأخرة من أمس الجمعة، فوجئت الشرطة الفرنسية بشاب يعتدى بالسكين على مدرس قرب الصفوف المدرسية المتوسطة فى منطقة "كونفلان سانت أونورين" شمال غرب باريس، ما أدى إلى قطع رقبة مدرس التاريخ وتصفية منفذ الهجوم على أيدى الشرطة فى الحال.
تصفية المهاجم الشيشانى
وقالت المصادر القضائية فى فرنسا، إن المهاجم الذى قطع رأس المدرس هو شاب عمره 18 عامًا، ومن أصل شيشانى، مولود فى موسكو، وأطلقت عليه الشرطة النار، موضحة أنه رفض تسليم نفسه بعد ارتكاب جريمة الطعن بحق المدرس، ما أدى إلى تصفيته فى الحال.
وبحسب وكالة الأنباء الفرنسية، قضى المهاجم الشيشانى وقتًا لاحقًا متأثرًا بإصابته، إلا أنه توفى حتى قبل وصوله إلى أى مستشفى.
وفى إطار حادثة الاعتداء، أوقف الجهات القضائية الفرنسية 5 أشخاص، بينهم والدى أحد التلاميذ فى المدرسة التى كان يعمل بها المعلم الضحية، ليرتفع بذلك إجمالى الموقوفين على خلفية الحادث إلى 9 أشخاص.

مدرس التاريخ يعيد نشر الصور المسيئة للنبى
والدى التلميذ الموقوفين كشفا عن خلفيات تخص أخطاء المعلم الذى حول الفصل الدراسى إلى مكانًا لعرض أفكاره اليمينية، واختار إحياء قضية الرسوم المسيئة للنبى محمد، وعرضها على طلابه مجددًا، الأمر الذى أثار غضب الكثير من التلاميذ، معتبرين الأمر اعتداءً على معتقداتهم الدينية.
وأكدت الشرطة بالفعل أن مدرس التاريخ عرض مؤخرًا رسومًا كاريكاتيرية مسيئة للنبى محمد خلال حصة دراسية فى إطار نقاش حول حرية التعبير، وهو الأمر الذى أعقبه شكاوى من بعض الأهالى.
ولفتت الجهات القضائية فى فرنسا إلى أن الأشخاص الثلاثة الموقوفين قيد الاستجواب ليسوا من المحيط العائلى لمنفذ الهجوم، أما الأربعة الذين أوقفوا قبل ذلك هم من الأقارب.

محاكمة افتراضية وهجوم جديد
وبحسب وسائل الإعلام الفرنسية، يأتى الهجوم تزامنًا مع استمرار جلسات محاكمة افتراضية لمنفذى الهجوم الذى استهدف مكاتب صحيفة "شارلى إبدو" الساخرة، التى كانت نشرت رسومًا مسيئة للنبى محمد، والتى أثارت غضبًا فى كافة أنحاء العالم الإسلامى حينذاك.
وأعادت الصحيفة نشر الرسوم فى مطلع سبتمبر الماضى، مع بداية جلسات المحاكمة.
ويأتى الاعتداء بعد ثلاثة أسابيع فقط من هجوم بآلة حادّة نفذه شاب باكستانى، 25 عامًا، أمام المقر السابق لـ"شارلى ايبدو"، ما أسفر عن إصابة شخصين بجروح بالغة.
وتشير الصحف الفرنسية إلى تفاصيل حول واقعة قطع رقبة مدرس التاريخ، موضحة أن المهاجم الشيشانى صرخ: "الله أكبر"، فيما كانت الشرطة تطوقه.
وقالت الشرطة إنها تحقق فى تغريدة نشرها حساب جرى إقفاله على تويتر، تظهر صورة لرأس المدرس.
وأُرفقت بالصورة رسالة تهديد لللرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، ووصفته بـ"زعيم الكفار"، قال ناشرها إنه يريد الانتقام "ممن تجرأ على الاستهزاء بمحمد". ولم يتضح ما إذا كان ناشر الرسالة هو المهاجم، بحسب الشرطة.

رئيس فرنسا غارق فى دولة الكراهية: الظلامية لن تنتصر
اللافت أن الرئيس الفرنسى يعتمد خطابًا يمينيًا متطرفًا واستقطابيًا للغاية، ما يزيد من انعزالية المجتمعات المسلمة فى فرنسا، بالرغم من أنها تشكل قدرًا لا بأس به من مجتمع بلاده، ولدى زيارته لموقع الاعتداء، قال ماكرون إن "الهجوم يحمل بصمات هجوم إرهابى إسلامى"!
واعتبر ماكرون أن المدرس الضحية "قُتل لأنه قام بتدريس حرية التعبير لطلابه".
وأضاف الرئيس الذى بدا عليه التأثر الشديد، أن "الأمة بكاملها تقف إلى جانب المدرسين من أجل حمايتهم والدفاع عنهم"، مضيفا "لن تنتصر الظلامية".
قال لطلابه المسلمين: ارحلوا عن بلادنا
وبحسب "فرانس برس"، أشاد الأهالى والمدرسون بالمدرس الضحية، والذى لم يتم الإعلان عن اسمه رسميا حتى الآن، لافتة إلى شهادة إحدى الأمهات، التى نقلت عن ابنها أن معلم التاريخ قال للطلاب من المسلمين ببساطة: "ارحلوا، لا أريد أن يجرح ذلك مشاعركم".
فى غضون ذلك، قرر وزير الداخلية جيرالد دارمانين، الذى كان فى زيارة إلى المغرب، العودة إلى باريس على نحو عاجل.

العالم الإسلامى يؤكد على ثوابته
جريمة القتل التى شهدتها باريس أثارت ردود فعل مستنكرة، لكنها جددت جراح المسلمين جراء الإساءة المتواصلة لرموزه وقياداته الدينية، فجاء بيان الإمارات يستنكر الجريمة النكراء، لكنه يطالب فى الوقت ذاته بضرورة إيجاد قانون يفرق بين حرية الرأى والإساءة للقيادات والرموز الدينية، وهو ما يثير المزيد من ردود الفعل السيئة ويعمق الإرهاب.
كذلك أدان الأمين العام لرابطة العالم الإسلامى ورئيس هيئة علماء المسلمين، الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، الحادث الإرهابى الأليم، مؤكدًا أنه جريمة مروعة، لا تمثل سوى النزعة الإرهابية الشريرة لفاعلها. وشدد على أن ممارسات العنف والإرهاب مجرَّمة فى كافة الشرائع السماوية ومصنفة فى أعلى درجات الاعتداء الجنائى.
ودعا العيسى إلى أهمية تضافر الجهود لملاحقة الإرهاب واستئصال شره، ومن ذلك هزيمة أيديولوجيته الفكرية المتطرفة المحفزة على جرائمه.

الأزهر يطالب بتشريع يجرم الإساءة للأديان
وأكد الأزهر الشريف إدانته للحادث الإرهابى، مؤكدًا فى بيان رسمى رفضه لهذه الجريمة النكراء ولجميع الأعمال الإرهابية، ومشددًا على أن القتل جريمة لا يمكن تبريرها بأى حال من الأحوال.
لكن فى الوقت ذاته، جدد الأزهر دعوته الدائمة إلى نبذ خطاب الكراهية والعنف أيا كان شكله أو مصدره أو سببه، ووجوب احترام المقدسات والرموز الدينية، والابتعاد عن إثارة الكراهية بالإساءة للأديان، داعيًا إلى ضرورة تبنى تشريع عالمى يجرم الإساءة للأديان ورموزها المقدسة، كما يدعو الجميع إلى التحلى بأخلاق وتعاليم الأديان التى تؤكد على احترام معتقدات الاخرين.