الدكتور شوقى علام
وأضاف علام، خلال لقائه مع الإعلامى حمدى رزق فى برنامج "نظرة" على فضائية صدى البلد، أن علماء دار الإفتاء لديهم منهجية متكاملة نابعة من فهم العلماء الأوائل على مدى التاريخ، ومن حضارة فقهية ومنهجية لم يشهد التاريخ مثلها، وأن هناك طريقين يسير أحدهما فى موازاة الآخر: الأول طريق واضح صاحب حضارة وعطاء على مدار التاريخ، والطريق الآخر يُخفق منذ نشأته وليس له جذور يستند إليها، بل يختلق جذورًا وهمية من مصادر الشريعة الإسلامية، ولكن من يتبصر يجد أنه ليس له جذور ولا أساس وأنه عار تمامًا عن المنهجية السلمية التى توارثناها عن علمائنا.
ولفت المفتى، النظر إلى أن مشروع الإخوان منذ بدايته كان يكتنفه محاولات لإيجاد جذور لهم، ولكنهم فشلوا أمام صمود المهنجية السلمية، موضحًا أن التنظيمات المتطرفة ذات عقلية جافة وقلب فيه غلظة، وأشبه بذى الخويصرة التميمى الذى اعترض على تقسيم النبى للغنائم وقال له: "اعدل يا محمد" وهو وسط الصحابة، كأنه يوعز للمسلمين حوله أن هناك إشكالية فى عدل النبى صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن النبى برحمته صحح المسار مباشرة وقال له: "ومن يعدل إذا لم أعدل"، ولما هم أحد الصحابة بتأديبه قال له النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "إن من ضئضئ هذا قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".
وتابع قائلًا: "إن العقول السوية عليها أن تنبرى للرد على تلك المزاعم التى تريد بها جماعات التطرف النيل من شريعة الله، فيحولوا الناس من إطار الاعتدال إلى التشدد".
وفى سياق متصل أوضح مفتى الجمهورية، أن نماذج الاستغلال لمفاهيم الدين هى أبعد ما تكون عنه، فينطبق على جميع أجيال المتطرفين وصف النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنهم سفهاء الأحلام، وهى صفات تكاد تنطبق على جميع أجيال هؤلاء المتطرفين، منبهًا إلى أن حقيقة الإسلام وجوهره يتمثل فيما وقر فى قلب الإنسان، فيجب ألا نلتفت إلى المظهر فحسب، ولكن الجوهر يجب أن يتفق مع الشكل، حتى لا نصبح أمام قشور وشكليات تريد أن تأخذ من الإسلام ما يوصلها إلى أغراضها الدنيوية.
وأشار إلى أن جماعة الإخوان ومثيلاتها من الجماعات الإرهابية عمدوا إلى الآيات التى نزلت فى الكفار والمنافقين والمشركين وأنزلوها على المؤمنين، وهو خلل شديد يمثل خطورة كبيرة فى تاريخ المسلمين ودعوة لسفك الدماء.
وضرب المثل على ذلك قائلًا: على سبيل المثال إذا قرأت فى تاريخ تلك الجماعة لوجدت الخلل فى منهجهم واضحًا وجليًّا، فهم يزعمون جهلًا أن آية السيف وهى قوله تعالى: "إِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ"، تدعو إلى قتل المخالف فى العقيدة والمنهج.
وأضاف: "كذا وبجرة قلم شطبوا التاريخ ونسخوا بفكرهم هذا مائة آية تدعو إلى الرحمة والعدل، بل خالفوا السيرة النبوية التى ذكرت موقف النبى صلى الله عليه وآله وسلم مع المشركين عند فتح مكة المكرمة، عندما قال لمن آذوه وأخرجوه منها: ما تظنون أنى فاعل بكم"، قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال لهم النبى صلى الله عليه وآله وسلم: اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وأكد: "إذا قلنا بقولهم فيما يتعلق بآية السيف لكان المسلك الذى اتخذه النبى مع المشركين هو مسلك الانتقام، ولكُنَّا رأيناه يدير فيهم السيف انتقامًا".
كما أكد المفتى، أن هؤلاء شوهوا الدين وتجنَّوا على الله ورسوله وكذبوا على الناس، وادَّعوا أن مشروعهم خاص بالدعوة، ليتبين بعد ذلك من خلال أفعالهم ومراجعهم ما يدل على اللاسلمية عندهم.
وأشار إلى أن دار الإفتاء أصدرت تقريرًا بالاعتماد على عدد من المصادر منها "نيوز ويك" وغيرها بينت فيه أنه لا سلمية لدى الإخوان فى تاريخهم منذ عام 1936، داعيًا الشباب إلى القراءة عن المؤتمر الخامس للإخوان الذى عقد عام 1939م ليتبينوا خطورة منهجهم، متابعًا: "إن الجماعة قالت فى ذلك المؤتمر: إن دعوتهم نجحت وانطلقت إلى الآفاق، ولم يبقَ أمامهم إلا الدولة والحكومة، فإن هم أجاروهم كانوا فى ظهورهم، وإلا كانوا عليهم حربًا".
وتابع مفتى الجمهورية: "إن الجماعة الإرهابية تسعى إلى هدم المرجعيات الدينية والمؤسسات المعتمدة، لافتًا النظر إلى أنهم دائمًا ما يصفون من يخالف منهجهم بأنه من "علماء السلطان".
وأوضح أن هناك ثلاثة محاور أساسية لنحكم على مدى تبحر العالم فى العلم؛ أولها: أن يفهم النص الشرعى بآليات توافِق المنهج العلمي، بما فى ذلك العلوم المختلفة، وثانيها: إحاطته وتكوينه العلمى لاستنباط الحكم الشرعى، وثالثها: إدراك الواقع الذى يتعامل معه، وهو واقع شديد التعقيد ومتشابك ويحتاج إلى سعة أفق.
واستطرد: "جلسنا ما يزيد عن 60 ساعة مع الخبراء والمختصين للوصول إلى فتوى فى مسألة التسويق الشبكى لنتبصر الواقع ومعرفته معرفة حقيقية، فليس من السهولة على المفتى أن يجيب عن مثل هذه المسائل دون إدراك الواقع، وكيفية إنزال النص على الواقع، وكل هذه العمليات تدور فى فلك المؤسسية".
واستنكر الاتهامات التى تُوجِّهها جماعة الإخوان الإرهابية إلى المؤسسات الدينية فى مصر، ومن بينها دار الإفتاء المصرية، متسائلًا فى تعجب: "هل فى مفرداتنا أن العداء للدولة هو من صفات العلماء؟!" موضحًا أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا بالسمع والطاعة ما دام ما أمرنا به لا يتعارض مع قطعيات الشريعة، وأنه ليس من معايير العالم أن يخالَف ولى الأمر ولا القوانين ما دامت لا تتعارض مع صحيح الدين.
وأشار فضيلته إلى أن الإخوان جعلوا من يعارض الدولة والقانون من رجال الدين فى مصاف البطولة لأنهم يقفون أمام الدولة وهم فى عداء دائم للوطن، أما من يبنى ويدعم الدولة فيصفونه بـ "عالم السلطان"، ونحن نفتخر بأننا نقف فى صف الوطن.
وألمح مفتى الجمهورية إلى أن الجماعة الإرهابية لديها خلل فى منهجها الفقهى الذى تعتمد عليه، فهم لا يعترفون بالتعددية التى هى من مقومات المنهج الأزهرى الذى يقوم على ثلاثة أركان، هى: التعددية المذهبية، والعقيدة الأشعرية، وتهذيب النفس والسلوك وهو التصوف، فالمنهج الأزهرى يتعامل مع النص بفهم واسع وهو مسلك الصحابة الكرام.
وضرب مثالًا بقاعدة "الترك" الفقهية، وهى أن الجماعات المتطرفة تدعى أن كل ما تركه النبى صلى الله عليه وآله وسلم ولم يفعله فإنه بدعة، كما فى مسألة الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، حيث يعتبرون من يحتفل به مبتدعًا، لأن النبى صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الكرام لم يحتفلوا به بحسب فهمهم.
وأوضح أن ما تركه النبى صلى الله عليه وآله وسلم من فعل ولم يأتِ نص شرعى يَنهى عنه فإن فيه سَعةً، بل هناك دلائل شرعية على جواز الاحتفال بالمولد النبوى الشريف منها أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم عندما سئل عن صيامه يوم الإثنين فإنه قال: "ذاك يوم ولدت فيه"، كما أن الترك لا يعنى التحريم أو البدعة.
وفى ختام الحلقة أجاب فضيلة مفتى الجمهورية، عن بعض الأسئلة التى وردت إلى البرنامج من بينها سؤال حول إيداع الأموال فى دفتر التوفير، حيث أجاب فضيلته أن كل ما يودعه الإنسان فى المؤسسات المالية بشخصيتها الاعتبارية هو حلال ولا يدخل فى إطار القرض، وما دمنا ابتعدنا عن القرض فقد ابتعدنا عن الربا، وهى علاقة استثمار وتوكيل لتلك المؤسسة لإدارة هذه الأموال ثم تصرف الأرباح لصاحب المال.
وفى إجابته عن حكم شراء بعض السلع لأحد التجار ليبيعها للناس بالتقسيط والحصول على نسبة مقابل ذلك قال فضيلته: إن قضايا التمويل حين تتم بين المؤسسات المالية ذات الطبيعة الاعتبارية نحكم لها بأحكام وفق طبيعة خاصة بالشخصية الاعتبارية، وقد كان ذلك مطبقًا فى الفقه الإسلامى فى فكرة الوقف، حيث كان الوقف يعامل كمؤسسة لها صفة اعتبارية، وكان يحكم أنه لا زكاة فى مال الوقف إذا بلغ النصاب لتوحد الهدف والمقصد.
وأضاف أنه فى مسائل التعامل الفردى تختلف الأحكام الشرعية من حيث المؤسسية عن الفردية، لافتًا النظر إلى أنه إذا سمح القانون بهذا الأمر فإنه يزيل بذلك الكثير من الغرر ويكون مسموحًا به.
وعن الرسائل القصيرة التى يرسلها البعض إلى أصدقائهم على مواقع التواصل الاجتماعى والواتساب يطلبون إرسالها إلى 10 من أصدقائهم لتصلهم أخبار سعيدة، أوضح المفتى أنه لا صحة لذلك الادعاء لأن الأمور تجرى بمقادير، وينبغى أن نبتعد عن مثل هذه الأفعال.
كما أجاب فضيلته عن سؤال حول أخذ تمويل لترميم سقف منزل متهدم قبيل دخول الشتاء، فقال فضيلته إن هذا لا يسمى قرضًا ولكنه يدخل فى إطار التمويل، وهو ما يخرجه من دائرة الربا، والعلماء متفقون على أن المنافع كالأعيان إذا توسطت.