دولت بهجلى والقوميون الأتراك
وبطبيعة قرب أحمد دواود أوغلو، رئيس وزراء أردوغان السابق، استطاع أن يضع يده على حقيقة ما يدور فى الكواليس التركية سريعًا، ووجه سؤالاً عميقًا للرئيس التركى، مستنكرًا فى مؤتمر صحفى: "من هو الشخص الذى يحكم البلاد، هل أنت من يدير البلاد أم السيد بهجلى يا ترى؟!" فى إشارة إلى زعيم القوميين الأتراك وحليف أردوغان فى الحكومة الحالية.
تحركات مبكرة.. بهجلى يسرق الأضواء من أردوغان
والحقيقة أن المتابع للأحداث داخل تركيا يتأكد أن تحركات بهجلى من وراء ستار الحكم التركى تسير بدقة وانتظام تحينًا للفرصة منذ فترة طويلة، فتكشف صحيفة "أحوال التركية" عن أنه فى عز انشغال أردوغان بإثارة القلاقل حول السعودية فى قضية خاشقجى، كان زعيم القوميين بهجلى يتحرك فى الكواليس لسرقة الأضواء بإلقاء قنبلة سياسية!
حينذاك، أخذ زعيم حزب الحركة القومية المتطرفة الكلمة فى البرلمان قبل أردوغان، وأعلن بهجلى أنه بصدد إنهاء جهود ترشيح مرشحين لرئاسة البلديات وفقًا لتحالف الشعب الذى يضم "العدالة والتنمية" بزعامة أردوغان، ووحزب الحركة القومية فى الانتخابات المحلية التى تمت فى يونيو الماضى، إذ شكل الحزبان كتلة إخوانية قومية تاريخية تضم 340 عضوًا فى البرلمان الذى يتألف من 600 عضو.
وتشير الصحف التركية إلى أن ذلك التحالف هو الذى أعطى الثقة لجميع القوى المعارضة لتحالف أردوغان، مثل حزب الشعوب الجمهورى المعارض الرئيسى، وكذلك حزب الشعوب الديمقراطى الذى تمكن من حصد 65 مقعدًا فى البرلمان رغم ما يعانيه من مستويات اضطهاد سياسى خيالية وغير مسبوقة.

فرصة المعارضة وحرب القوميين والإخوان
وتفسر التقارير التركى تفوق المعارضة التركية لشعورهم بأن هناك فرصة تاريخية سنحت بعد خطاب بهجلى الذى أشار فيه إلى خوض الانتخابات المحلية منفردًا بعيدًا عن حليفه "العدالة والتنمية" الذى يتزعمه أردوغان، وحققت المعارضة انتصارات كبيرة ضد الحزبين الحاكمين فى تركيا.
إضافة إلى ذلك، وصل الصراع إلى أشده، عندما أعقب الانتخابات حرب كلامية بين حزبى العدالة والتنمية والحركة القومية، لدرجة أن الطرفين وجها الشتائم إلى بعضهما البعض.. وهو ما يطرح تساؤلاً: ماذا كان يحدث وراء الكواليس بين قيادات الحزبين، وعلى رأسهما أردوغان وبهجلى؟!
وبحسب "أحوال"، تقول مصادر تركية قضت وقتًا كبيرًا مع دائرته المقربين، إن بهجلى ليس أى سياسى فحسب، مؤكدين أن هناك دائماً "سبباً عميقاً" وراء أفعاله!

بيروقراطية.. شفرة السبب العميق
ولفك تلك شفرة "السبب العميق"، فعلى الأرجح يعمل بهجلى بالطريقة التى يفكر بها الجهاز البيروقراطى، لذا، ربما يكون قد اكتشف أن أردوغان أضعف، ليس كثيراً فيما يتعلق بالناخبين بقدر ما هو مع أولئك الذين يعملون فى هيئات إدارية مختلفة.
ليس هذا فحسب، بل إن الانهيار الاقتصادى التركى الذى أضر بحزب العدالة والتنمية وكوادره يمنح لزعيم القوميين بهجلى الأمل فى أن هناك أدلة وفرصة سانحة لصعود حزب الحركة القومية على حساب حليفه العدالة والتنمية.
ويبدو أن التخبط الذى يظهر عليه الرئيس التركى أردوغان جعله يمنح لـ بهجلى ورفاقه تلك الفرصة على طبق من ذهب، إذ أن التطهير الذى شمل أنصار رجل الدين فتح الله جولن والعلمانيين من أصحاب الميول اليسارية من الجهاز الحكومى والجيش والقضاء بعد مسرحية الانقلاب المزعوم فى عام 2016، عززت بالفعل من وضع القوميين المتشددين.
وهكذا، فإنه من المحتمل أن تشجع التغييرات أولئك الذين يؤيدون بهجلى وحزبه القومى.

استقالة صويلو والاتفاقات.. هكذا يحكم بهجلى
تقارير معاهد الدراسات التركية تشير إلى أن استقالة وزير الداخلية سليمان صويلو، الذى كان يحظى باحترام كبير بين القوميين المتطرفين بسبب سياساته المتشددة تجاه الأكراد، قدمت مثالاً على سيطرة بهجلى على السلطة.
وتوضح تلك التقارير أنه على الرغم من أن صويلو كان منافسًا شرسًا لصهر أردوغان بيرات البيرق، ورغم أنه هاجم أردوغان، إلا أنه لم يستطع قبول الاستقالة بسبب ضغط بهجلى من وراء الكواليس.
كما اضطر أردوغان فى الأونة الأخيرة للاستجابة لدعوات بهجلى بعدم الانسحاب من المعاهدة الأوروبية، المعروفة باسم اتفاقية اسطنبول، والتى تهدف إلى منع العنف ضد المرأة، على الرغم من ضغوط الإسلاميين للانسحاب من هذه الاتفاقية التى تروج أيضًا للمثلية الجنسية.
كما أن أردوغان، الذى ألغى عقوبة الإعدام عام 2004 من أجل عضوية الاتحاد الأوروبى، أعلن مؤخرًا أنه لا يعارض إعادتها وتغيير هيكل المحكمة الدستورية العليا بعد طلب بهجلى، الذى اعتبر المحكمة خصمًا مع حزبه بسبب خلافها مع وزير الداخلية صويلو حول قانون المظاهرات.

أردوغان فى ورطة
ليس عجيبًا إذن أن تخرج التقارير فى تركيا تؤكد أن أردوغان فى ورطة، وتأكد من ذلك بنفسه بعد تسارع خطى دولت بهجلى نحو الاستئثار بالسلطة، فأعلن أردوغان أن تحالف الشعب سيستمر، إلا أنه انشغل فى إثارة العداءات مع جيرانه الأوروبيين وفى المنطقة العربية، فكان تراجع حزبه داخل البلاد نتيجة حتمية، لاسيما بعد انهيار اقتصادى أطاح بقيمة الليرة التركية وخلف أثارًا اقتصادية مدمرة فى كافة جوانب الحياة التركية.
علاوة على ذلك، هناك نزعة قومية شرسة وعدوانية داخل تركيا، وبدأت تكتسب وجودًا وشرعنة، وبالطبع هذا ليس فى صالح أردوغان، رغم أنه هو من فتح الأبواب أمام القوميين المتطرفين لتعزيزه فى نزعته الاستعمارية.

دفاع بهجلى عن الصفقة القطرية
وبعد تصريحات أحمد داوود أوغلو وتساؤلاته لأردوغان، طفا اسم دولت بهجلى على الساحة بقوة، لتؤكد مسارات الأحداث المتعاقبة أنه بالفعل رجل الظل فى تركيا، وأن الأمور أفلتت من يد أردوغان بشكل كبير.
وبحسب الموقع الإلكترونى لصحيفة "ينى جاغ" التركية المعارضة، الثلاثاء الماضى، أدلى باهجلى بتصريحاته خلال اجتماع لكتلته النيابية بالبرلمان، وصف فيها على ماهر باشارير، النائب البرلمانى بحزب الشعب الجمهورى، بـ "المنحط"، وذلك على خلفية التصريحات التى أدلى بها باشارير حول بيع مصنع صفائح الدبابات التابع للجيش التركى لقطر، واتهم خلالها أنقرة ببيع الجيش لصالح الدوحة.
وجاءت تصريحات بهجلى الأخيرة ودفاع المستميت عن الصفقة القطرية، والتى استهدفت هذه المرة برلمانيا معارضًا، بسبب تصريحاته المعارضة لبيع النظام الحاكم مصنعًا تابعًا للجيش التركى لصالح قطر، لتؤكد أن دور زعيم القوميين دولت بهجلى لم يعد يقتصر على كونه شريكًا فى تحالف برلمانى حاكم، وإنما محرك فاعل فى الأحداث التركية وراء الستار، لاسيما اتفاقات تتعلق بالاقتصاد التركى ومنشآت دفاعية هامة.