البث المباشر الراديو 9090
إبراهيم رضا
عقب نشوب ثورة 30 يونيو، سادت البلاد حالة من انتشار الأفكار المتطرفة الخارجة عن تعاليم الإسلام، الأمر الذى ترتب عليه تبنى جماعات أعمال إرهابية باسم الدين ضد مؤسسات الدولة، لذلك طالب الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أكثر من مناسبة، بضرورة قيام المؤسسات الدينية بتجديد الخطاب الدينى، ونشر الفكر الوسطى لدحر الإرهاب بمواجهة الفكر بالفكر.

"مبتدا" اقتحم هذا الملف الشائك، وناقش الشيخ إبراهيم رضا، أحد كبار مشايخ وزارة الأوقاف، الذى أكد أن الخطاب الدينى لمشيخة الأزهر الشريف والمؤسسات الدينية عتيق، وأن هناك حالة من عدم التأهيل للأئمة، أثّر بشكل سلبى على مستقبل الدعوة فى مصر.. وإلى تفاصيل الندوة:

كيف نعمل على تجديد الخطاب الدينى؟

ينبغى علينا ونحن نتحدث عن تجديد الخطاب الدينى، أن نوضح مفهوم الخطاب الدينى، فهو عبارة عن التصور النهائى الذى يخرج به للناس، فهو المحتوى الذى يقدم للمجتمع عبر وسائل الإعلام، سواء كانت منبر أو صحيفة أو غير ذلك من وسائل المعرفة، فالمصطلح الأدق كيف نعمل على تجديد الفكر الدينى فالأزمة الحقيقة فى تجديد الفكر الدينى تكمن فى إمكانية تفسير النص فهناك اختلافات فقهية فى تفسير النصوص، فعندما تريد أن تقرأ فقه القرآن عليك بالقرطبى، لأنه يعطيك أحكاما، أما عندما تريد أن تعرف أسباب النزول فتقرأ لابن كثير، وفيما يخص بلاغة القرآن ففخر الرازى هو الأنسب، فهؤلاء كانوا على معرفة جيدة، ولكن مع مرور الوقت وتبدل الأزمنة حدثت أزمة كبرى سيئة وهى الخلط بين الفكر والنص.

عندما تبدى اختلافك مع رأى معين، يُنظر لك بالسخرية، ويقال لك "من أنت"، فهناك محاولات من قبل البعض بأن يكتف النص لإسقاطه فى اتجاه معين، فالإمام الشافعى كانت له آراؤه قبل مجيئه إلى مصر، وعندما وصل إلى البلاد عدل من بعضها، فهل فى هذه الحالة كانت الأزمة فى النص؟، لا ولكن البيئة الحاضنة تجعل الإنسان قادر على الاجتهاد وفق الظروف المحيطة به، فمصر جعلت الشافعى يجتهد بقدر أكبر عن غيرها من البلدان، ومن المعروف أن هناك غلظة شديدة حول مسألة إقامة التماثيل، غير أن الإمام محمد عبده هو أول من أفتى بجواز إنشاء التماثيل كفن، وأيضا الرضاعة، حيث بدأ الحديث برضعة واحدة تحرم، وبالسؤال والتتبع تبين أن رضعة واحدة غير قادرة على بناء جسم الإنسان، فعلينا فى هذه الحالة الاستعانة برأى الطبيب حول ما اذا كانت رضعة واحدة قادرة على بناء البنيان للإنسان فإذا قال "لا"، يأتى فى هذه الحالة الرأى القائل والجائز بأن 5 رضعات مشبعات متفارقات، تجعل الإنسان المرضع محرم، فالأزمة ليست فى النص ولكن فى فهمه، كذلك الحال فى ختان الإناث، فإذا رأى الطب أنه مضر فلا يجوز أن يعتدى على العضو، لأنه ليس من المعقول أن يجمع العالم بكل علوم الدنيا، فمن الظلم إقحام الشيخ فى المسائل التى تحتاج إلى رأى الطبيب فى الفتوى، لذلك من الضرورى الاستعانة بالطب فى تلك المسائل.

حتى ولو نسف الطب رأيًا للشافعى؟�

نعم، فالطبيب المتخصص إذا قال أن هذا عضو وأن الختان اعتداء على العضو فكيف يبتر، ففى هذه الحالة تصبح القضية طبية فى المقام الأول، وليس للشيخ دخل فيها، فمسألة الرضاعة هى عملية اجتهادية حول ما إذا كانت من خمس إلى عشر رضعات تجعل الأطفال أخوة، أما فيما يخص إذا قال الطب أن من خمس إلى عشر رضعات غير قادرين على بناء الجسم، فإن الأصل فى التحريم فى هذه الحالة هو جمع طفلين على ثدى واحد لمدة رضاعة معينة، فهو أخ من الرضاعة، غير أن هناك اختلاف فى الاجتهاد من خمس إلى عشر رضعات، فالبعض يأخذ بظاهر النص.�

ماذا لو تعارض الطب مع الفتوى؟�

ربنا سبحانه وتعالى يقول فى كتابه الكريم "فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، ففى مسألة استخدام حبوب منع الحمل، فالمفتى فى هذه الحالة يستشير الطبيب المتخصص، الذى يوضح له أن تلك الوسائل تعطى فرصة لتباعد فترات الحمل، وفى تلك الحالة يكون هناك تنسيق بين دار الإفتاء وأهل الطب، للخروج بفتوى تحقق الصالح العام، وهذا يكون متعلقا بالمسائل التى تحتاج أخذ الرأى الطبى العلمى.

نعود إلى كيفية تجديد الخطاب الدينى، ماذا عنها؟

المهمة تتطلب العمل على عدة محاور، منها تغيير محتوى ما يقدم للمجتمع، إضافة إلى وجود إرادة قوية عند القيادة السياسية، غير أن دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسى لأهمية تجديد الفكر الدينى مازالت حتى الآن مجرد دعوة، وهى بالمناسبة مبرر كافٍ للنهوض بالفكر الدينى، لكن المؤسسات الدينية استقبلتها أول مرة وكأنها تصريح عادى مثل أيام مبارك، فخرجت بتصريحات مقابلة، فأصر السيسى فى المرة الثانية، وهذا يبرهن أنه رجل ذو خلفية دينية، وطلب بسرعة العمل على تجديد الفكر، غير أنه لم يلق استجابة، فجاءت المرة
الثالثة، وقال لهم إنه غير راضٍ عن مستوى الدعوة فى الوطن العربى برمته، ما ترتب عليها تحذير الإفتاء لغير أهل التخصص، وهذه ليست بدعة، إعمالا لقول الله تعالى فى سورة آل عمران "ولتكن منكم أمة يدعون للخير ويأمرون بالمعروف"، فالمجتمع فى أزمة حقيقة ولا نملك رفاهية تطوير الفكر الدينى.

كما أن أصل الأزمة فى مهمة تجديد الفكر الدينى يتمثل فى تصدير غير المتخصصين للمشهد الدعوى بأكمله، فالمؤسسات الدينية هى بنفسها فتحت المجال أمام هؤلاء، وذلك لأن خطاب المؤسسة الدينية عتيق ومتهالك ولا يعبر عن الشارع، فهو غير جذاب، لاعتماده على مجموعة أدوات غير عصرية، وشخصيات عادية، فكان على سبيل المثال عندما يخاطب وزير الإعلام مشيخة الأزهر لإرسال مشايخ، كانت المشيخة ترسل أناسا غير قابلين للتجديد، وهذا ما يصطدم مع الإحصاءات التى تشير دائما إلى أن مصر تمتلك قوة شبابية كبرى، تمثل ثلثى السكان، الأمر الذى يبرهن أن قطاعا عريضا من المجتمع المصرى، لا يستمع لتلك المشايخ، فهو لايستمع إلا للشباب.

يجب إفساح المجال للمشايخ الشباب الواعى المثقف، فضلا عن تراجع الأزهر، فهناك أناس يمتلكون أكثر من قناة دينية، فى حين أن المشيخة لا تمتلك إذاعة، فهذا أكبر مظاهر التخلف، كما أن ليس هناك دورات تثقفية حقيقة للأئمة، تمكنهم من مواجهة الجمهور، ناهيك عن أن الأزهر لديه فكرة راسخة بأن تعليم الإمام، لابد وأن يكون على يد شيخ غير أن الواقع يفرض أن يجلس الإمام مع مختلف التيارات الليبرالية والمدنية والإسلام السياسى، لكى يكون متقن فن إجادة الحوار مع مختلف الأجناس، غير أن تراجع دور الأزهر لعب فيها الرؤساء دورا حيويا؛ فالرئيس الوحيد الذى قدم دعما للأزهر هو الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، أما السادات فكانت له الصفقة المشهورة بإخراج الجماعات الدينية، لمواجهة التيار الشيوعى، وقبل مجىء السيسى كان الأزهر فى مهب الريح، حيث كانت القنوات الدينية تصرح لكل الحركات الإسلامية أو ما يعرف بـ"الإسلام السياسى"، أما الأزهر فلم يسانده أحد، وهذا يعد سببًا من أسباب ضعف ومكانة الأزهر الشريف.

كيف يمكننا حماية مؤسسة الأزهر من تغول السلطة؟

يجب على الدولة أن تكون أمينة فى العمل على الفصل بين الخطابين السياسى والدينى، وهذا محل الأزمة الراهنة التى نعيشها الآن، فكان فى الماضى القريب وقبل نشوب الثورة ونتيجة لحصول تيارات الإسلام السياسى على موافقة من الدولة بالتحرك فى عدة اتجاهات، استغلت التأييد والدعم فى إحداث شرخ بين المتلقى والداعية الأزهرى التابع للمؤسسات الدينية، وإلصاق التهم به بأنه عالم سلطة وموقّع على فتوى على بياض، وبهذا التحرك والمخطط أصبح الشارع المصرى يسير كقطيع مواشى فى أيدى ما يسمى بـ"الإسلام السياسى" والدليل على ذلك أن الداعية السلفى على سبيل المثال عندما ينزل منطقة شعبية يستقبل بحفاوة شديدة، لا يُستقبل بها الأزهرى، مهما كان وضعه وعلمه، وذلك لتوافر حلقات الاتصال بين السلفى والجمهور من قنوات فضائية ومساعدات مالية وغيرها، وقد ترفض المؤسسات الدينية الاعتراف بهذه الحقيقة، وتدعى بأنها ذات مكانة وجمهور واسع، ولكن هذا محض كذب.

كيف نعمل على تجفيف منابع التكفير؟

هذه المسألة تتطلب العمل على عدة محاور، أهمها ضرورة تقبل الغير، ولكن للأسف الشديد، الكثيرون لا يتقبلون آراء الآخرين، وعندما يتقبله يتقبله كما يريده هو وليس العكس، ولكن يجب أن يستوعبه بفكره وعقيدته الخاصة بها، فإذا استطعنا ترسيخ هذا المفهوم نكون عملنا وبقوة على تجفيف منابع التكفير، فتيارات الإسلام السياسى لاتنشط فى المجتمعات المستقرة، فهى بالنسبة لها بيئة غير حاضنة لأفكارها وأطماعها، لذلك فهو لا يعترف بالمجتمعات المستقرة، وخير شاهد على ذلك المبدأ السائد عند الإسلام السياسى، وهو أن الوطن ما هو إلا تراب عفن، وهذا ليس مجرد شعار فارغ المضمون، بل على العكس يرمى إلى تغذية فكرة الصراع مع الدولة والانسلاخ عن الرموز، واعتبار جميعها فاسدة.

هل الهجوم على الأزهر يعد هجومًا على الدين ذاته؟

لا، فهذا الكلام يردده بعض الأزهريين والموظفين فى المؤسسات الدينية، لكى يبقى الوضع عما هو عليه، لتحقيق منافع شخصية، ففى الماضى عندما كانت تضغط مؤسسة الرئاسة فى عهد مبارك بتجديد الفكر الدينى، كان اهتمام المؤسسة الدينية لايتعدى الخروج بتصريح عبر وسائل الإعلام، بأننا نعمل وبقوة على نشر الفكر السليم، لكن الأمر يختلف فى مطالبة السيسى بتجديد الفكر الدينى، وذلك باعتباره بطلا شعبيا حاصلا على تأييد أغلبية الشعب، فهو يحتاج من المؤسسة الدينية أن تعمل على إيجاد آليات حقيقية وفعلية للنهوض بالخطاب الدينى، الذى يتطلب رؤية وإستراتنيجية واضحة، لأنها مهمة ليست بالسهلة، وقد تستغرق 10 سنوات، لأننا سنعمل على إدخال الحداثة للطالب الأزهرى، الذى هو بعيد كل البعد عن كل العلوم الحديثة العصرية، فالجامعات الأوروبية تدرس العولمة وفن التعددية ونحن مازلنا ندرس فى جامعة الأزهر "فقه العبيد"، فالمجتمع فى حاجة إلى إعادة النظر فى طبيعة المناهج التى تدرس فى المراحل التعليمية الأزهرية، فالنبى عليه الصلوات والسلام أخذ يعلم مجموعة من الشخصيات لكى يرسلهم للبلاد المجاورة، ليفقهوا الناس فى أمور الدين، فأقام لهم دورات فى الرد على التساؤلات وإجادة فن الحوار، فعندا أتى بمعاذ وطلب منه أن يسافر لليمن، درّبه على المهمة، وقال له ماذا لو سئلت عن واقعة معينة، فماذا أنت فاعل؟ فرد: "أجيب بكتاب الله"، فقال له فإن لم تجد؟، فرد أجيب بسنة رسول الله فقال إن لم تجد؟، فأجاب: "أبحت مع خيرة أهل البلدة".

هكذا علمنا الرسول كيفية التعامل بالحوار والمناقشة، فالقرآن الكريم نزل فى الأرض ليس للصراخ والبكاء، وعندما تعرف نفسك أنك عاصٍ، وقال تعالى فى كتابه الكريم: "وما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"، فإذا لم يحقق الخطاب الدينى السعادة والسرور، فلا يوجد خطاب دينى فى الأساس.

هل الأزهر قادر على مهمة تجديد الفكر الدينى فى ظل ابتعاد الإصلاحيين؟

الخطاب الدينى فى الأساس فن يقوم على المهارة فى مخاطبة الآخرين، وبالتالى فهو يحتاج إلى الإبداع والابتكار، فيتطلب المهارة والحداثة فى التعامل، ولكن للأسف تجد ما يحزنك بالنظر إلى الواقع، فكل من هرب من الدعوة منذ 20 سنة، وتدرج وظيفيًا داخل الأزهر ووزارة الأوقاف وغيرها من المؤسسات الدينية، مسؤول الآن عن الدعوة، أما الإصلاحيين داخل الأزهر والقادرون على التجديد تم استبعادهم.

وما العمل؟

الإتيان بقيادات الصف الثانى، لأن الأول غير مؤهلين للمهمة، وهناك مقاطع فيديو للكثير منهم تبرهن بأن لافائدة منه، ففى البداية كان يتم تعيين الأئمة من خريجى الأزهر عن طريق القوى العاملة، فعندما تريد الأوقاف تعيين 30 ألف داعية كانت القوى العاملة تجرى مسابقة، وترسل لها العدد المطلوب وكأنهم مواشى، واستمر الوضع حتىى عهد وزير الأوقاف الأسبق محمود حمدى زقزوق، الذى اعترض وبشدة على طريقة تعيين الإمام، فقال لن يصعد على المنبر إلا من يجتاز اختبارات معينة فى الفقه واللغة والقرآن والسنة والمعلومات العامة، فعندما كان يتقدم 10 آلاف، ينجح 3 آلاف فقط، وذلك لأن التعليم فى جميع المراحل الأزهرية يعتمد على الحفظ وليس الفهم.

المطلوب الفهم وليس الحفظ، لذلك قدمت عدة مقترحات للتجديد، أولها تحديد مسؤول عن الدعوة فى كل محافظة، وإنشاء مكتب فنى فى كل محافظة للارتقاء بالعمل الدعوى، ففى بعض الأماكن يكون تدهور الخطاب الدينى ليس العامل الرئيس فى انتشار الأفكار المتطرفة، التى يترتب عليها القتل والتخريب والإرهاب، فمن خلال المكتب نتعرف على طبيعة المشكلات كالفقر والبطالة، ونقدم حلولا لها بجوار خطاب دينى متطور، وبالتالى نحد على أرض الواقع من انتشار تلك الأفكار الشاذة، فرسول الله كان يتعامل مع الأسرى بهدوء، فيعرض عليهم البقاء، أما المعترض فيعلم 10 أفراد من المسلمين، فالخطاب النبوى لم يكن فيه انتقام وغلظة، فليس هناك مشروعا قوميا للدعوة، فنظام توحيد الخطبة دليل على فشل الدعوة.

هل ترى فى الأزهر أنه يتبع سياسة معارضة الدولة؟

فى الحقيقة، السياسة تعتمد على المناورة، والدين يعتمد على الأمانة، ففى إحدى المرات دعيت لمؤتمر فى إسبانيا تحت عنوان "الأئمة والحاخامات"، تحت رعاية منظمة "رجال الكلمة" الفرنسية، فكان الحديث حول إيجاد صور وأشكال للتعايش السلمى بين الشعوب، فوجدنا أشكالا عدة للسلام الاجتماعى والاستقرارى، لذلك لا يجوز ولا يليق أن نلعب بالمناورة فى الدين بالقول بأن الأسباب المجتمعية كالفقر والبطالة وراء انتشار الأفكار المتطرفة، فإذا كانت هناك نية للتجديد فعلينا أن نعمل بها، وإن لم يكن فلا داعى للمناورة.

وماذا عن موقف الأزهر من عدم تكفير داعش؟

ولماذا نكفّر؟ فلماذا لم نطالب بتحمل المسؤولية؟ لا يجوز على الإطلاق أن يكفر مواطن مواطنا آخر، وإنما يقول له هذا من أعمال أهل الكفر، وليس من أعمال أهل الإيمان، غير أن استحلال الدماء كفر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سباب المسلم فسق وقتاله كفر"، فهو أمر محسوم ولسنا بحاجة إلى موقف الأزهر، غير أن مسألة عدم تكفير الأزهر لداعش أمر يسأل فيه الأزهر نفسه.

ما تقييمك لدور الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر خلال هذه المرحلة؟

هذا الرجل كان له دور إيجابى إبان حكم الإخوان، فكانت هناك حرب شرسة بينه وبينهم، فمستوى أداء المؤسسة أيام الإخوان كان قويًا بالمقارنة اليوم، ففى عهد الجماعة كان المجتمع المصرى بأغلب طوائفه يثق فى الأزهر، فيبدو أن المصريين عندما يشعرون بالأمان يتولد لديهم نوعا من الفتور، فبعد رحيل الإخوان تراخى هذا الدور.

أثنيت على حكم حظر الإفتاء على غير المتخصصين دون أن يحدد منطوق الحكم من هو المتخصص؟

جماعات الحركات الإسلامية جميعها منبعها واحد، فالأم الكبيرة هى جماعة الإخوان، ليست لكونها الأقدم فى التواجد، بل على العكس فهى الدعوة السلفية، ولكن لكونها الأكثر تنظيما، فلا يجوز على المستوى الشخصى أن أحصل على علوم الدين من مشايخ الدعوة السلفية، لأنها رافض من روافض الجماعات السياسية، ومن ثم لا يجوز للمفتى أن يعمل بالسياسة، فالبلاد تعيش موجة عارمة من فتاوى شاذة لا أنزل الله بها من سلطان، فقصر الفتاوى يخدم مهمة تجديد الخطاب الدينى.

ولماذا لم تلعب دار الإفتاء دورًا حيويًا فى التصدى لمثل تلك الفتاوى الخارجة عن تعاليم الإسلام؟

بل على العكس، دار الإفتاء أنشأت مرصدا لرصد الفتاوى التكفيرية والرد عليها، لاستبيان موقف الشرع الحقيقى من تلك الدعوات الهدامة المغرضة، أما الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية، فيعد من الرجال أصحاب المهام، غير أنه لم يأخذ حقه فى الإعلام، فالفكرة لدى دار الإفتاء هى الاستعانة بالمجموعات الشبابية، وهذا ما يميزها باقى المؤسسات الدينية.

بشكل عام، الجهود المبذولة لتجديد الخطاب الدينى غير مبشرة.

ماذا عن تطوير المناهج داخل المراحل التعليمية المختلفة بالأزهر؟

لا توجد جامعة تنشئ إدارة لتطوير المناهج، وهذه اللجنة يجب ان تتابع المستجدات وترصد نتيجة ما تقدمه من تعليم، ومعرفة تأثير تلك العلوم على الخريجين على أرض الواقع، ولو كان ذلك محل تطبيق لطورنا المناهج منذ سنوات عدة، فالأزمة أيضا هى أن القائمين على التطوير لا يملكون رؤية، فهل الأزهر هو من يطور نفسه بنفسه؟، لا، ولكن على مؤسسة الرئاسة تكليف المجلس الاستشارى العلمى له بتزويد المشيخة بعلماء ذو ثقل، يساعدون على التطوير، وذلك لأن أغلب الأزهريين القائمين على التطوير لم يخرجوا لمعرفة الجديد، والتطورات الحديثة التى أصابت سبل الحياة والمعرفة، ناهيك عن غياب مراكز الأبحاث التى تعمل على تقديم الجديد فى الدعوة، وهو أمر معمم فى الجامعات الأوروبية بشكل عام، فيجب أن تكون هناك منظومة تعتنى بتطوير المناهج، فالإشكالية ليست فى النص وإنما فى الفكر، القابل للتطوير المستمر.

ما تقييمك لأداء إذاعة القرآن الكريم؟

بدأت جيدة ومحمودة، لكنها انحرفت خلال حكم الإخوان، فكان خطابها سياسيًا وبعيدًا عن الوسطية وتاريخها، ونظرا لأن الجماعة نجحت فى أخونتها لدرجة قيام بعض مديرى الإذاعة بتقديم برامج على إحدى قنوات الجماعة مثل "25"، وتوجيه دعوة لنا، لكننا رفضنا وبشدة، وبعد رحيل المعزول مرسى، عادت الإذاعة للماضى، لكن هذا التحول خلق نوعا من عدم الأمانة لدى المتلقى، فبدلا من محاسبة هؤلاء على تلك المواقف، يتم الاحتفال بهم، وكان من الأحرى محاسبة وزير الأوقاف الذى اعترف بإدخال إخوان فى الوزارة.

يجب على المنبر الإعلامى ألا يكون ألعوبة فى يد السلطة، حتى تحترم الإذاعة مستمعيها، ولا تفقد الثقة معهم، خصوصًا وأن قطاعًا عريضًا من الشعب تربى على تلك الإذاعة.

وماذا عن القنوات الفضائية الدينية؟

أنا ضد تسمية القنوات الفضائية بأنها دينية والأخرى غير دينية، فتجربة المسلسلات الدينية التى أظهرت النماذج وكأنها ملائكة ليست بشر، اتفقت مع أفكار الإسلام السياسى، الذى يقوم على خطاب "جلد الذات"، فعندما يصدر مقارنة بين المبشرين بالجنة وبينك، ففى هذه الحالة تكره نفسك، وتشعر كأنك لاشئ، فخطابهم يستهدف دائما اتهام ذاتك، فالخلطة فى الأعمال الدينية لكسب جمهور تأتى بنتائج عكسية، فهناك هارون الرشيدى، العالم الجليل، الذى يكلم السحابة فى السماء، وفى الوقت نفسه يتمتع بالنساء والجوارى، وفقا لأهواء المخرج، فإذا كنت ترغب فى تقديم قيم أخلاقية عليك بأن تقدمها بشكل عصرى ومتطور، والدليل على ذلك عندما رغب حسن يوسف فى عمل دور الشعراوى، طلب منه أن يعتزل، ولكن بعدما قام بعمل مسلسل "زهرة"، أولاد الشعراوى نفسهم هاجموه، ووصفوه بـ"الهزل"، لأن الفكرة قامت على تقديس الشخص عندما تريد تجسيده.

نحن لسنا محتاجين إلى هذه النوعية من الدراما، بقدر ما نحتاج أعمالا تحمل قيم ومبادئ متفق عليها، بعيدة عن الأسماء والرموز، ففكرة تقديم رموز دينية بأنها معصومة من الخطأ أمر غير مقبول ولا مرحب به، فالجميع بشر والعصمة دفنت بموت
النبى صلى الله عليه وسلم.

كيف ترى تناول تجديد الخطاب الدينى عبر منابر الإعلام؟

فى الحقيقة هناك من يتناول القضية وهو غير ملم بأبعادها، فالقليل من الإعلاميين يتناول القضية بموضوعية، وفى المقابل الكثير يتحدث بلا وعى، ولديه تخلف فكرى، فهناك إشكالية كبرى فى هذا الصدد، تكمن فى عدم وجود إعلام قادر على المبادرة، والكثير منه قائم على أسلوب رد الفعل، وعندما تولت جماعة الإخوان مقاليد البلاد، ظهر صوت عالٍ للإعلام، فبدأ يقف فى الصف الأول للمعارضة، فنحن الآن ندفع ثمن عدم تخلى الإعلام عن المبادرة، وعدم قدرته على قيادة الشعب للاتجاه الفكرى الصحيح، لأن من المعروف أن وسائل الإعلام المختلفة هى التى تخلق وترسم الاتجاه الفكرى للمجتمع.

ضعف الإعلام ساعد الإخوان على تشويه صورة الدولة فى تعاملها من الناحية الدينية، فعلى سبيل المثال واقعة إيناس الدغيدى بالدعوة للمارسة الجنس قبل الزواج، فلا فائدة للمتلقى فى تصدير الصحف لهذه الدعوة، فهذا يشوه صورة الإسلام، ولا يجب أن تنال تلك الدعوات الفاسدة هذا الاهتمام من منابر الإعلام المختلفة، وبالتالى يقتنع المواطن البسيط بأنها حرب على الدين، ومن هنا تستغله الجماعة فى التفجير والتخريب، فمنذ 15 عامًا، طلبنا عمل ورش عمل للمذيعات فى كل القضايا التى تتعلق بالدين، بسبب حديث بعض المذيعات عن الإنجاب بما يخالف الشرع.

العمل الإعلامى محتاج أن يتم التخديم عليه أكثر من ذلك، فيجب أن تدار حلقات نقاشية قبل الهواء، لمعرفة الآراء الصحيحة، ونعمل على تقديمها، ونتجنب السلبيات.

عدد المساجد يزيد على 120 ألف مسجد، فى حين أن الأئمة يبلغون 60 ألفا، فهل هذا الفراغ فى صالح الحركات الإسلامية وهيمنتها على المنابر؟

فى الحقيقة الوزارة تتجاهل هذا الأمر، وتزيد من حجم المشكلة بفتح عدد كبير من المساجد بشكل دورى ومنتظم، وهو أمر ناتج عن العشوائية، وعدم إيجاد خطة واضحة المعالم، ونحن ندفع الثمن، غير أن الشريعة حرصت على فكرة المسجد الجامع، الذى إذا تجمع به سكان القرى أو الحى استوعبهم، وليست الزوايا الكثيرة التى تشير إلى تدنى قيمة المسجد، فيجب الأخذ بفكرة المسجد الجامع، وعندما أتى الرئيس الأمريكى باراك أوباما إلى مصر، لم نجد فى مساجدنا ما نقدمه، فذهبنا به إلى جامع السلطان حسن، لروعة العمارة والفنون به، غير أن كثرة المساجد يسفر عن تعددية الخطاب الدينى، حيث تنتج الجمعية الشرعية خطابا خاصا بها، وكذلك الدعوة السلفية، والأزهر، ومن هنا تتوه مسألة المحاسبة عند التقصير فى النهوض بالعمل الدعوى.

وماذا يجب على الدولة إذن؟

الدولة يجب أن تتعامل وبقوة مع مسألة الصعود على المنابر، ففى الماضى خرجت التصريحات بألا مكان للسلفيين على المنابر، وبعد فترة حدثت استثناءات، وحصل البعض منهم على تصاريح خطابة، فهو أمر يؤكد أننا نسير للخلف، وكذلك واقعة ذهاب أحد وكلاء وزارة الأوقاف للصعيد لإلقاء الخطبة، ففوجئ بحسين يعقوب يمنعه، ففى هذه الحالة الدولة تهزى فى التعامل مع قضية المنابر، ففكرة حصول حزب سياسى على تصاريح خطابة شئ خطير، وذلك لأن المفروض أن يتسع صدر المنبر لجميع التيارات، أما لغة التحزب والعصبية تنذر بكواراث مثلما حدث أيام الإخوان، وحصلت جرائم اعتداء على الأئمة.

هل الدولة مستفيدة مع التنسيق مع السلفيين؟

يجب توجيه السؤال لأجهزة الرقابة فى مؤسسات الدولة، فقبل السفر لأى مكان يتم توجيه العديد من الأسئلة لنا، فطالما أن هناك تصنيفات معينة لتيارات معينة ذات اتجاه مضاد للنظام الحالى، فعلى الأجهزة المعنية أخذ الموقف المناسب، الذى يتماشى مع دولة تسعى أن تبنى نفسها من جديد وليس العكس.

ماذا عن فتوى عدم تهنئة الأقباط فى أعيادهم؟

الفتوى هدفها السياسة وليس الدين، بمحاولة إظهار المشهد للشارع المصرى بأن المسيحيين تصدروا مشهد الخروج على مرسى، حتى يصور لهم بأن هذه المرحلة بمثابة حرب على الدين والشرعية، لذلك نشرت مقاطع فيديو لمن أفتى بعدم الجواز، وهو ينص صراحة على إباحة تهنئة الأقباط فى أعيادهم أثناء وجودهم فى حكم مصر، فكلمة "أهل ذمة" تصبح مشكلة فى حالة ما إذا كانت تعنى الوضع الإلهى، فهم أهل كتاب، وكان هذا بمثابة جزء من تأسيس الرسول للمدينة الوليدة، التى استوعبت فى رحمها المسيحى واليهودى والبوذى وغيرها من الأديان السماوية والوضعية، وهى تلك الدولة التى رسخت لما يسمى بحق المواطنة، أما الإسلام السياسى فهو مؤمن بأن جزءا من قواعد الدين هى قضية الخلافة، وأن النظام الرئاسى ومدنية الدولة بعيدة عن الإسلام، فبالتالى هو لا يعبر عن الإسلام.

فى الفقه لايجوز للمرأة أن تصبح قاضية أو طبيبة، فحزب النور والإخوان وجهان لعملة واحدة، فكلاهما لا يؤمن بفكرة الدولة ولا الأحزاب نفسها، لكن السلفيين يعملون بـ"التقية" مثل الشيعة، غير أن مسؤولية بقاء حزب النور قائم رغم مخالفته للدستور تقع على عاتق الدولة، وتعد خيانة للدين والوطن.

هل الإمام البخارى جانٍ أم مجنى عليه؟

البخارى مجنى عليه، فهو رجل جند نفسه لجمع سنة المصطفى ـ عليه السلام ـ فكتاب البخارى لايتسم بالعصمة، ولكن يتميز بالأداء العلمى القوى، فيجب أن نقف مع أحاديث البخارى، ونأخذ منها ما يتماشى مع صحيح الدين، ونترك ما يخالف الشرع، فالبخارى باحث بالمنظور العلمى الحديث.

وماذا عن حال الأئمة وهل الدعاة مؤهلين لمهمة تجديد الخطاب الدينى؟

مسألة تأهيل الأئمة والدعاة شو إعلامى، ومجرد حبر على ورق، فمن المفروض وفقا لمتطلبات المرحلة، سرعة العمل على تقديم كل الخدمات والدورات التثقفية العلمية للأئمة والدعاة، حتى يكونوا على المستوى المطلوب، غير أن الحالة المادية للإمام لا تسمن ولا تغنى من جوع، فما المشكلة إذا استغلت ملحقات المساجد فى ممارسة الرياضة للأئمة؟، فعندما سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 2006 وجدت المساجد بها قاعات أفراح ممتازة ومراكز رياضية هائلة، لدرجة أن اليهود يتنافسون فيما بينهم على التقديم لأولادهم فى المراكز الإسلامية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً