البث المباشر الراديو 9090
 الأديب الكبير جمال الغيطانى
أرجو ألا يمر الحادث الإرهابى الأخير بمعبد الكرنك وكأنه حلقة فى مسلسل الأحداث الإرهابية التى تشهدها مصر بتدبير من جماعة الإخوان ومن والاهم. هذا حادث له موقع خاص فى تطور العمليات الإرهابية الموجهة ضد الشعب المصرى وتراثه، من خلال التفاصيل المتاحة يمكننى القول أن الهدف الرئيسى من العملية كان المعبد نفسه وبعده البشر الذين يرتادونه مصريين كانوا أو أجانب. نلاحظ أن المشاركين فيه والذين شك فيهم سائق التاكسى الأقصرى ودفعه ذلك إلى الاتصال برجال الأمن، مما خفف آثار الهجوم الإرهابى، هؤلاء كانوا أفارقة وكما ذكرت المصادر فإن البعض الآخر كانوا يتحدثون بلهجة خليجية، يجىء هذا الحادث بعد عدة عمليات قامت بها داعش لاستهداف المواقع الأثرية الهامة فى المناطق التى تسيطر عليها، خاصة فى منطقة الموصل التى يوجد بها آثار هامة جدًا تمت إلى الحضارة الآشورية، ومراقد للأنبياء والصالحين، أهمها مرقد النبى يونس، قامت داعش بتدمير الآثار فى عملية استعراضية تم تصويرها ونشرها عبر كافة وسائط الاتصال الحديثة، نتائج الحداثة التى ترفضها التنظيمات الأصولية لكنها تجيد استخدامها جيدًا، قال بعض المحللون أن ما ظهر فى المقاطع المرئية للدواعش وهم يحطمون الأسود المجنحة الآشورية كان تحطيمًا لنماذج متقنة، والدليل أن الأجزاء المكسورة تكشف عن جبس أبيض حديث، أما الأصول فقد تم بيعها فى أسواق الآثار العالمية. ويُعد بيع آثار العراق من أهم المصادر التى يتم من خلالها تمويل تنظيم الدولة، فى تقديرى أن الهدف الرئيسى هو سرقة الركائز المادية للذاكرة الحضارية لشعوب المنطقة الأقدم فى العالم، خاصة بلاد ما بين النهرين ومصر تحديدًا، وعندما يتم محو الأصول المادية التى تثبت قيام حضارات ونشوء علوم وأحداث لها تأثير خاص فى التاريخ الإنسانى، فإن العبث بالذاكرة التاريخية يصبح ممكنًا وبالتالى تغيير الوقائع والحقائق لصالح قوى فى عالم اليوم واتجاهات ودول.

لعل أخطر ما تعرضت له مصر فى هذا السياق سرقة خرطوش الملك خوفو بواسطة بعض الألمان، وهذا أحد الأدلة القوية القاطعة على نسبة الهرم إلى الملك خوفو، وعندما تختفى الأدلة تتأكد المزاعم الكاذبة، ولعلنا نذكر ما قاله مناحم بيجن رئيس وزراء إسرائيل عند زيارته إلى مصر وصعوده إلى الهرم برفق الرئيس الأسبق أنور السادات، قال على مسمع منه: "أجدادى هم الذين بنوا هذا الهرم"، هذا القول يواكبه جهود علماء وباحثين لتزييف حقائق التاريخ، للأسف لم يرد عليه السادات فى حينه، وأول رد عليه فى الصحافة المصرية جاء من الأديب الصحفى أحمد بهجت الذى كتب فى "صندوق الدنيا" بالأهرام ثلاث مقالات يفند فيها هذا الزعيم. مصر هدف رئيسى لعملية تدمير الذاكرة، وتشهد الآثار المصرية استباحة غير مسبوقة منذ يناير 2011، تركزت فى العامين الآخرين على الآثار الإسلامية لصالح قطر التى تبنت أكبر متحف إسلامى فى العالم، مع أن قطر لا يوجد بها قطعة أثرية واحدة، هذا مما يطول شرحه وسأتوقف أمامه بالتفصيل.

وفى تقديرى أن الهجوم الذى جرى أمام مديرية أمن القاهرة المبنى المواجه لمتحف الفن الإسلامى لم يكن مقصودًا به مديرية الأمن، بل المتحف نفسه، وما زال المتحف مغلقًا منذ الانفجار الذى مضى عليه 3 سنوات، أما ما جرى لمحتوياته فما زال غامضًا. الواقع أن عملية تدمير الآثار وسرقتها بحيث تؤول إلى من لا علاقة له بها بدأت مع الغزو الأمريكى للعراق. مشهد شهير أرجو ألا يغيب عن ذاكرة الإنسانية المتحف العراقى بلا حراسة، طلقة دبابة أحدثت فجوة فى الواجهة، جنرال أمريكى يقف مع بعض العراقيين والأجانب يتفرج، استبيحت محتويات المتحف النادرة، وأهمها على الإطلاق آنية "أور" الشهيرة، التى نقش عليها قصة السبى البابلى المتصلة بتاريخ بنى إسرائيل، لقد اختفت هذه الآنية تمامًا وأخبرنى من له صلة بعالم الآثار أنها صحنت وتحولت إلى تراب، جرى نهب شامل لآثار العراق بدءًا من محتويات المتحف الذى أعرفه جيدًا وزرته عدة مرات، كذلك المواقع الأثرية، وها هى "داعش" تدمر الأصول الموجودة فى المواقع، والآن تسيطر على مدينة تدمر فى سوريا، ذات الأهمية الاستثنائية فى عالم الآثار، قالت الأخبار المتداولة إنه تم تلغيم آثار المدينة تمهيدًا لتفجيرها، ويمكن أن يكون جرى ذلك، فقد عودت "داعش" العالم على إذاعة صور حية لاحقة لعمليات التدمير وذبح البشر التى تقوم بها، ربما تكون قد دمرت تدمر بالفعل بعد سرقة ما يمكن انتزاعه وبيعه فى سوق الآثار العالمية.

إن محو الذاكرة يحيل الشعوب العريقة إلى ما يشبه مريض ألزهايمر وبالتالى يمكن تنفيذ أى خطط تتعلق بإعادة ترسيم الحدود، وإزالة كيانات كبرى من الوجود العريق واستبدالها بكيانات مصنعة مستحدثة، تملك المال وتحاول شراء التاريخ والعراقة، غير أن صمود الشعب المصرى وفى القلب منه جيشه وشرطته، يثبت استحالة تمكن الإرهاب من تمرير مخططه فى مصر، لذلك أؤكد دائمًا أن صمود مصر والمصريين سيغير الشرق الأوسط إلى صالح شعوبها ويحميها من مخاطر الإبادة والتقسيم التى تتم الآن بواسطة قوى التطرف، أهم ما فى حادث الأقصر أن التصدى تم بواسطة المواطنين مع قوى الأمن، فلنتأمل ونحذر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز