مشهد من مسلسل العهد
جسّد الكاتب "جورج.ر.ر.مارتن" أحداث رواياته التى تحوّلت لمسلسل لعبة العروش فى عالم خيالى بعيد عن كوكب الأرض تمامًا، فيما يشبه العصور الوسطى بكوكب الأرض، وأغلب الأحداث تدور فى قارة موحدة فى إمبراطورية تنقسم لبضع ممالك، والممالك تنقسم لعائلات، والعائلات تتصارع للوصول إلى حكم المملكة، ومنها لحكم الإمبراطورية، ويحكم الصراع عنصر الدهاء والذكاء لا البطش والقوة، الخدع والألاعيب السياسية هى الأساس، لذا لا تنتظر الكثير من مشاهد الحركة "الأكشن" بالمسلسل، بل يمكننا القول إن المشاهد الإباحية أكثر من المشاهد القتالية فيه.
فى حين جسّد الكاتب محمد أمين راضى أحداث عمله فى عالم لم يوضح إن كان بمصر أم لا، ولكن يبدو أن الأماكن المذكورة بالمسلسل خيالية أيضًا، فى عصر أشبه ببداية العصر الحديث، ونهاية العصور الوسطى، حيث اختلطت أسلحة البارود بأسلحة الطعان والعصا، وتدور الأحداث فى مقاطعة تضم عددًا من الكفور، وكل كفر يضم عددًا من العائلات التى تتصارع لقيادة الكفر، ومنه إلى سيادة الكفور كلها، المسلسل لكونه مصريا يتفادى المشاهد الإباحية، ويلهث وراء مشاهد حركية.
هل ترى أى تشابه بين العملين حتى الآن؟ دعنا فقط نكمل وسترى بنفسك مدى التشابه بل والتتبع التام تقريبا لعناصر لعبة العروش.
فى لعبة العروش، قامت ثورة على ملك الإمبراطورية، وقُتِل هو وأبناؤه إلا ابنًا وابنة، دعك من الابن، الابنة هى المفتاح، هى المخلصة لعائلتها، عائلة "تارجيريان" العظيمة، راكبو التنانين، والمميز من تلك العائلة يدعى تنين، وميزته أنه لا يُحرق بالنار، وهذا بالطبع ضرورى إن كنت ستروض كائنًا ينفث النار، لذا عليك أن تأمن النار ولتنتبه فقط إلى أسنان هذا الوحش كى لا يشطرك إلى نصفين.. فى المقابل قتل كبير الكفور على يد زوجته الخائنة وأخيه من أبيه، وفر ابنه الصغير، منقذ العائلة المنتظر، هل تنتظر ظهور التنين؟ بالطبع ليس هناك أى تنين هنا، فالإنتاج لن يتحمل تكلفة وجوده، لكنك ستشاهد الثعابين، فالفتى هنا لا يتأثر بسم الثعابين، ويتمكن بشكل ما من ترويض الثعابين واستخدامها، كما ضم المسلسلان أشخاصًا امتلكوا العديد من القدرات الخارقة، هل هناك تشابه هنا؟ دعنا نكمل.

لعبة العروش
خلال لعبة العروش، المؤلف يتعمد ربطك عاطفيًّا بشخصية ما وتعظيمها فى نظرك، قبل أن يقتلها أمام عينيك ويفطر قلبك، فى العهد المؤلف أيضًا يقتل الشخصيات، لكن الميزة هنا أن قلبك لن ينفطر، لأنك لم ولن تتعاطف مع تلك الشخصيات، بل ربما تحمد الله أنهم ماتوا للتخلص من أدائهم، هل ترى تشابهًا هنا؟
المسلسلان أيضا يعتمدان على النبوءات التى يتحرّك الجميع وفقًا لها، والمسلسان بهما متنبؤون يستعملون رموزًا دينية، فى لعبة العروش النار رمز النور، وفى العهد يُستخدَم نوى التمر للتنبؤ، لمَ لم يختر المؤلف مثلًا الودع كما هو معتاد فى السحر المصرى؟ لأنه لا علاقة له بالدين، على عكس التمر الثمرة المحببة فى الإسلام لدرجة القدسية، السبب فى استخدام نوى التمر الرمزية الدينية أيضًا، ألم ترَ بعد التشابه؟
فى لعبة العروش، اضطرت الفتاة "آريا" أن تتنكر فى هيئة ولد، كذلك فى العهد، دعنا نمر بالقدرات الخارقة للبشر، السحر، الميتافيزيقيا، تشابهات.. تشابهات.. تشابهات.. وبالطبع لا نغفل نقطة نُقِلَت كما هى، وهى نقطة "ابن الحرام"، وابن الحرام هو ابن الأب من أم مجهولة أو معلومة ولكنها ليست زوجة للأب، وهذا الابن لا يحمل اسم عائلة أبيه ولا يرثه ولا يحل محل أبيه بعد موته.

دينيس تارجريان من لعبة العروش
هل رأيت التشابه؟ حسنَا دعنى أسرد لك تشابهًا ساخرًا، جعلنى أدرك مدى تعمد المؤلف تتبع عناصر لعبة العروش فى عمله مع محاولته طمس معالم هذه العناصر.
دعنا نتخيل هذا الموقف.. قائدان عسكريان همجيان، كل منهما يريد أن يجعل من جنوده آلات قتل لا تتوقف، ولا تلتفت لغير القتال، فقام الأول بقطع أعضاء جنوده التناسلية كما يفعل بالخيل، والآخر قام بسلب نعمة السمع من جنوده! السؤال هنا: هل يحتاج الجندى لأعضائه التناسلية فى المعركة؟ بالطبع لا، إذن هل كان القائد الأول موفقًا؟ نعم.
لكن هل يحتاج الجندى لسمعه فى المعركة؟ بالطبع يحتاجه، وإلا كيف سيتلقى الأوامر ويسمع حركات العدو من حوله، السمع من أهم آليات الإدراك، فكيف تُفقِد جنودك إياها؟!
حسنا وقعت عملية إخصاء الجنود فى لعبة العروش، وحينما أراد محمد أمين تقليدها بشكل مختلف، سلب الجنود سمعهم!

أبطال مسلسل العهد
التشابه يكاد يكون تاما بالفعل.
الأسوأ أنه عندما وجّهت هذه الاتهامات لمؤلف مسلسل العهد، قال: "لعبة العروش مسروقة من السيرة الهلالية"، وهو طبعا كلام لا يعتد به، نظرا للتشابهات العديدة التى ذكرناها مسبقا، وهو ما توصل إليه الكثير من الجمهور الذى شاهد المسلسل، وشاهد أيضا لعبة العروش، ما يضع محمد أمين راضى في مأزق، ينبغى له التفكير فى طريقة "منطقية" للخروج منه.